"الانقراض" لتوماس برنهارد: للماضي وجهة نظر أُخرى

"الانقراض" لتوماس برنهارد: للماضي وجهة نظر أُخرى

12 يونيو 2021
(توماس برنهارد)
+ الخط -

في آخر رواياته التي أصدرها قبل ثلاث سنواتٍ من رحيله، يُحقِّق الكاتب النمساوي من أصل هولندي توماس برنهارد (1931 - 1989)، معادلةً صعبة بين الماضي والحاضر. نُشرت "الانقراض" للمرّة الأولى باللغة الألمانية عام 1986. ومؤخّراً أعادت دار faber and faber البريطانية نشر نسخةٍ جديدة منها بالإنكليزية، وهي التي أصدرت، في الآونة الأخيرة، أربعةً من كتبه في طبعاتٍ جديدة ومنقَّحة.

يبدأ العملُ بخبرٍ مفجعٍ سيظلُّ يُلقي بثقله على كاهل البطل طيلة الرواية: موت والديه وشقيقه الأكبر في حادث مرور بمدينة ولفسيغ الألمانية. عند ذلك، يُقرِّر موراو، وهو أيضاً الراوي، العودة إلى مسقط رأسه لحضور الجنازة إلى جانب شقيقتَيه، بعد سنواتٍ طويلةٍ من الغياب والهروب قضاها في روما التي يعملُ فيها مدرٍّساً، حيثُ حاول القطع بشكل نهائي مع عائلته وجذوره وبدء حياةٍ جديدة على الطريقة الإيطالية.

يسردُ موراو حكايته عبر مونولوغ طويل، مِن دون فصول أو فواصل؛ إذ يأتي السردُ متواصلاً في فقراتٍ مكثّفة وجُمل طويلة، وهو أسلوبٌ سردي اعتمده برنهارد في كافّة أعماله السابقة. أمّا ما يُميّز "الانقراض"، فهو جمعُها بين الحوار الذاتي، و"تقنية الفلاش باك"، ونبرتها الحادّة في وصف الأشياء.

رجُل يعود بعد غياب إلى مسقط رأسه لحضور جنازة والدَيه وشقيقه

طيلة الرواية، نُلاحظ بأنَّ موراو يُحاول أن يقهر ماضيه، من خلال نسيانه ومحوه من حياته، لكنّ محاولته تلك تبوء بالإخفاق؛ إذ يظلُّ شبح الماضي مخيّماً عليه دائماً، يُلاحقه أينما ذهب، ويرفض المغادرة. الماضي في "الانقراض" ماضٍ يُحاوِر ويُناقِش ويفرض وجهة نظره... ماضٍ قويٌّ ينشب أظافره في الحاضر والمستقبَل.

هكذا، وبشكلٍ تدريجي، يأخذُ البطلُ في استعادة حياته السابقة... أيامه مع عائلته التي قضى ثلاثةُ أفرادٍ منها في حادث سير... طفولتَه ومراهقته في ولفسيغ. لكنَّ هذه الاستعادة لا تأتي في شكل حنين إلى زمن مضى وبكائيات عليه؛ فالبطلُ يرسم صورةً موغلة في البشاعة عن عائلته، بشكلٍ نتفهّم معه الدوافع التي قادته إلى المغادرة. غير أنّنا، وخلال المونولوغ الطويل، سنكتشف أنَّ العائلة لم تكُن بذلك السوء.

الصورة
رواية الانقراض - القسم الثقافي

يختار برنهارد لروايته بطلاً محدود الرؤية، يرى الأمور من زاويةٍ ضيّقة جدّاً. وفي مقابل ذلك، يستخدمُ الزمنَ كعنصُرٍ مناقِض؛ إذ يملك الماضي وجهة نظرٍ مختلفة تماماً عمّا يُحاول الراوي إيهامنا به. ومن خلال ذلك، يعيد كتابة الأحداث من زوايا جديدة تنسف ذاكرة موراو التي تبدو مخترعَةً ومليئةً بالوهم.

تُرجمت أعمال توماس برنهارد إلى عدّة لغاتٍ عبر العالَم، لكنَّ الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى اللغة العربية التي لم يُنقَل إليها سوى كتابٍ واحد له هو "صداقة مع ابن شقيق فيتغنشتيان"، وهو عملٌ عابرٌ للأجناس صدر عن دارَي "سرد" و"ممدوح عدوان" في 2019، بتوقيع سمير جريس. كما تَرجم قاسم طلاع مجموعةً مختارة من قصائده، وصدرت عام 1991 ضمن كتاب بعنوان "مجموعة قصائد".

المساهمون