"اضمحلال الإمبراطورية الساسانية": في الإجابة عن لغز تاريخي

03 مارس 2021
الصورة
(نقش ساساني)
+ الخط -

ضمن سلسلة "ترجمان"، صدر حديثاً عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" كتاب "اضمحلال الإمبراطورية الساسانية وسقوطها: التحالف الساساني - الفرثي والفتح العربي لإيران" للباحثة الأميركية من أصل إيراني بروانة هوشناگ بُرشريعتي، بـ ترجمة أنيس عبد الخالق محمود.

يعرض العمل إجابة معاصرة عن معضلة قديمة في نظر المفكرين والمؤرخين، تتمثل في سبب الانهيار السريع و"الكارثي" للإمبراطورية الساسانية التي بدت قوية وآمنة في القرن السابع الميلادي أمام جيوش الفاتحين العرب.

بعد إضاءة تاريخية على الأرشاكيين الفرثيين في الفصل الأول الذي حمل "مقدمات"، تُفصّل الباحثة في الفصل الثاني، "إعادة النظر في الكيان السياسي الساساني: التحالف الساساني - الفرثي"، التحالف الساساني - الفرثي، القول في الطريقة التي مارست بها البيوتات الفرثية دورها العسكري في الإمبراطورية الساسانية، خصوصاً في الحروب البيزنطية - الفارسية بين عامي 603 و628م، والفتح العربي لإيران؛ وهو الدور الذي أصبح في ما بعد مصدراً للنزاع الفئوي بين البيوتات الفرثية من جهة، ومع الساسانيين من جهة أخرى.

وترى المؤلّفة أن الطريقة التي تعامل بها الساسانيون مع الفرثيين أدّت إلى ظهور انقسامات حادّة في التحالف بينهما، وزرع بذور التفكك والفوضى في الإمبراطورية؛ ليعجّل انهيارها على أيدي الفاتحين العرب.

كان لإصلاحات كسرى الأول والحروب البيزنطية دور كبير في انهيار الإمبراطورية

كما تسلّط الضوء أيضاً على تطوّرَين مهمَّين كان لهما دور كبير في انهيار الإمبراطورية: إصلاحات كسرى الأول أنوشروان والحروب البيزنطية - الفارسية؛ إذ ترى أن الهدف من تلك الإصلاحات - إلى جانب القضاء على الفسادَين المالي والإداري - كان القضاء على نفوذ البيوتات الفرثية وتحجيم دورها. وقد أفضى هذا بدوره إلى إدخال الإمبراطورية في حروب مع البيزنطيين استمرت ثلاثة عقود، فأنهكتها واستنزفت قواها.

وفي الفصل الثالث، "الفتح العربي لإيران"، تبحث المؤلفة في الفتح العربي لإيران، وتقول إن دراستها تسلسُل الأحداث في المرحلة الأخيرة للإمبراطورية الساسانية والفتح العربي الإسلامي مبتكرةٌ من الناحية المنهجية. وتهمل هنا نظام التاريخ الهجري الوارد في كتب الفتوح؛ لأنه سبّب كثيراً من الإرباك والخلط لدراسة تاريخ صدر الإسلام. ثم تناقش الإشكاليات التي تضمّنتها معظم روايات الفتح، وتفنّد التواريخ التي وضعها الكتّاب المسلمون الأوائل. وتؤكد أن الرسول محمداً كان لا يزال حيّاً عند فتح إيران؛ وأن معركتَي الأبُلّة والمذار - اللتين يؤرخهما معظم المؤرخين بين عامي 633 و634م - حدثتا خلال حكم أردشير الثالث.

الصورة
اضمحلال الإمبراطورية الساسانية - القسم الثقافي

ويترتب على هذا الاستنتاج سؤال مهمٌّ: هل كان الرسول محمد هو من خطّط لفتح الإمبراطورية الساسانية؟ تؤكد أنه بالإجابة عنه وعن غيره من الأسئلة المشابهة، تظهر أسئلة وإشكالات جديدة. غير أن التواريخ الجديدة التي حددتها المؤلفة ليست نتيجة اجتهادات عشوائية، بل نتيجة تناقضات بين التسلسل الزمني الرسمي وقوائم الملوك والملكات الذين سكُّوا عملات بتواريخ تتجاوز حكمهم، أو حكمهم المفترض.

في هذا الفصل أيضاً، تذكر المؤلّفة أن الجيوش العربية لم تستهدف القضاء على الساسانيين بل الوصول إلى مراكز التجارة في آسيا الوسطى من طريق الأراضي الفارسية، وترى أن الفتح العربي ليس سوى صورة ملوَّنة للأحداث رسمها الكتّاب المسلمون الأوائل، شارحةً التناقضات الموجودة في كتب التاريخ العربية المعروفة. وتقول إن تقسيم تاريخ إيران إلى عصر ما قبل إسلامي وعصر إسلامي هو نقطة تحوُّل كاذبة وانقطاع مفاجئ في الأحداث ليس هناك ما يدعمهما من الأدلّة.

هل كان النبي محمد هو من خطّط لفتح الإمبراطورية الساسانية؟

في الفصل الرابع، "الكيانات السياسية لأهل البيوتات في طبرستان"، تبحث بُرشريعتي في فتح طبرستان، وطبيعة الولاءات بين أهل البيوتات بعضهم تجاه بعض من جهة، وتجاه جيش الفتح العربي من جهة أُخرى. وتؤكّد أن التنافس بين الأمراء الفرثيين كان أفضل فرصة لنجاح العرب وتحركهم التدريجي نحو الشرق. وتقول إن الطريقة التي تمّت بها عملية الفتح العربي ودبلوماسية العرب في إيران هي أنهم كانوا يفضِّلون ميمنة الجيش أو ميسرته في المعركة دائمًا لا القلب. وبعد أن أدركوا المنافسات القوية بين أهل البيوتات، استغلوها استغلالاً كاملاً.

وتهتم المؤلفة، في الفصل الخامس، "المشهد الديني الساساني"، بالتيّارات الدينية في إيران خلال العصر الساساني، وفيه تطرح إحدى فرضياتها الرئيسة: الانقسام السياسي الساساني - الفرثي تناسخ في العوالم الروحانية، في وطن البهلويين، فرثاوا وميديا.

وفي الفصل الأخير، "ثورات أواخر العصر القديم في خراسان وطبرستان"، تحلل بُرشريعتي المظاهر الميثرائية لثورة بهرام جوبين المِهْراني في نهاية القرن السادس، واستمرار الأفكار الميثرائية في ثورتَي بهافريد وسُنباذ في منتصف القرن الثامن. وتثبت أن تلك الثورات كشفت عن أدلة دامغة على استمرار عبادة مِهْر في المناطق البهلوية.

المساهمون