بيكاسو الساحر

بيكاسو الساحر

+ الخط -

لا يزال الفنان الإسباني بابلو بيكاسو، الذي تحلّ اليوم الذكرى 140 لولادته، يملأ الدنيا بحكاياته وألوانه رغم مرور قرابة نصف قرن على رحيله. لعلّ ما يجدّد هذا الحضور، هو نفسه ما خلق أسطورة صاحب "غرنيكا" خلال حياته: إخلاص مطلق للفن على حساب أي شيء، ودفع أي ثمن كي يبلغ العمل الفنّي إمكانياته القصوى، وقدرة على التموقع في المشهد الإبداعي وفي سوق الفن.

وفيما ينغلق الفنانون عادة في بيئتهم الصغيرة، أدار بيكاسو شبكة ثقافة موسّعة، فيها الشعراء والمنظّرون والسينمائيون والمسرحيون والصحافيون، ولقد ساهم هؤلاء في حمل أسطورته إلى محامل مختلفة وإلى فئات جماهيرية أخرى، فبتنا نتذوّق بيكاسو حتى بعيداً عن لوحاته ومنحوتاته. هناك طاقة غريبة تسكن شغل بيكاسو، قد يكمنُ سرّها في لوحته الأولى التي رسمها وهو في سن الثامنة، وكانت محاولة لبناء مشهد من لعبة مصارعة الثيران التي كان يحضرها مع أبيه، أستاذ الفنون الجميلة. عند البحث في المستويات الرمزية، سنجد علاقة وطيدة بين الثور والبدايات في المخيال الكونيّ، حتى أن معظم الأبجديات اتخذت منه نموذجاً لحرفها الأوّل. 

لم يكن الصبيّ يعلم بهذه التأويلات بالتأكيد، ولكن قوة دفع الثور وكأنما سكنته حتى سنوات عمره الأخيرة. حين فرغ من لوحته الأولى قال لأبيه إنه ليس راضياً عنها، وإنه يريد أن يرسم مثله. أمامه، كان الأب يعدّ لوحة مدرسية تظهر فيها مجموعة من الحمائم، قال الصبيّ: "أريد أن أرسم بمثل هذه الدقّة"، فأجابه الأب بأنه يستطيع أن ينجز ما هو أفضل. لكن بيكاسو سينجز ما هو أبعد بكثير. بعد سنوت طويلة، وحين طُلب منه أن يقترح شعاراً عالمياً للسلام، فوجئ العالم حين أخرج بيكاسو لوحة بسيطة لحمامة بيضاء. لم يكن يسحب هذه اللوحة من مرسمه فحسب، بل من ذاكرته أيضاً، ومن ينبوع بداياته الأولى.

وبين هذه البدايات وسنوات المجد الفني التي عرفها من الثلاثينيات إلى السبعينيات برزت موهبة فريدة لدى بيكاسو: كان لا يكفّ عن التجدّد. بدأ بتقليد أساتذة الفن وانتهى بإعادة تركيب وترتيب الفن في مجمله. وأخذ يمر من المرحلة الزرقاء إلى الوردية، ومن التكعيبية إلى السوريالية، برشاقة راقص. في أثناء ذلك كان يصوغ من كل شيء فناً.

نصّ: شوقي بن حسن

رسم وتصميم: أنس عوض

قد يعجبك أيضاً