من جور بغداد جيت الشام لأقضي العمر

من جور بغداد جيت الشام لأقضي العمر

19 يناير 2022
+ الخط -

تشريق وتغريب (1)

قلت لصديقي أبو أحمد، معلم المدرسة الظريف المقيم في مدينة إدلب، في اتصال جرى بيننا عبر تقنية الواتس أب:

- بما أنك تتصل بي، وتحب التحدث إليّ - كما تقول لي دائماً - فالحريُّ بك أن تتحمل طريقتي في الكلام، إنها الطريقة التي كان أستاذُنا حسيب كيالي يصفها بكلمتين هما: تشريق وتغريب.. والتشريق والتغريب، بالمناسبة، نوعان، الأول مهم، ومتألق، ولا يجيده إلا الكتاب ذوو الخبرة الطويلة في الكتابة الإبداعية، كحسيب كيالي وعبد السلام العجيلي، مثلاً.. وهناك التشريق والتغريب الفارغ، غير المترابط، الذي يقول أهل مدينة دمشق في وصف قائله: عم يحكي شَرَوي غَرَوي..

- شَرَوي غَرَوي؟ هل يقصدون شرقي غربي؟

- نعم. وهذا تصحيف غريب للكلمتين، ولكنه ظريف، فهم، هنا، يقلبون القاف والباء كليهما إلى واو. والشوام القدامى، لعلمك، كانوا يقلبون الجيم إلى زاي، والشين إلى سين، فإذا أرادت المرأة الشامية أن تقول لجارتها (طلعتْ الشمس ع الجوزة)، فإنها تلفظها: طلعتْ السَمسْ عَ الزوزة. وأنا مرة سمعت امرأة شامية عجوزاً تقول عن صحن السيكارة: صحن جيكارة. وهناك موال كوميدي لرفيق السبيعي، أبو صياح، يقول فيه:

يا زالِساً عَ الزسر- عيوني عليك سْخَاص

(وترجمته: يا جالساً ع الجسر عيوني عليك شْخَاص)

والكوميدي أكثر من هذا، موال "من جور بغداد" للرائع فيلمون وهبي الذي كان يُعرف بلقب "شيخ الملحنين"، وهو الذي اشترك مع عاصي ومنصور الرحباني في صنع مجد الأغنية الرحبانية الفيروزية، وبعدما توفي عاصي سنة 1986، استمر، برفقة الشاعر جوزيف حرب، بصناعة قمة أخرى لمجد فيروز، ويكفيهما إسوارة العروس، وأسامينا، ولما ع الباب منتودع..

- طول بالك أبو مرداس، ترى إذا كنت ستشرق وتغرب أكثر من هذا الحد، فربما نضيع. ما هو موال فيلمون؟

- يغني فيلمون بطريقته التهكمية المضحكة:

من جور بغداد جيت الشام لأقضي العمرْ

ورصاص زخ المطر وسيوف تاخد عمرْ

وهنا تتألق موهبته الكوميدية، فيردد عبارة (ورصاص) بطريقة توحي أنه يتشاجر مع شخص ما ويقول له: ورصاص!

قال أبو أحمد: بصراحة؟ إنني صرت أزداد حباً بما ترويه من قصص وأحاديث، وأستمتع به.

قلت ضاحكاً: ذنبك على جنبك، أو، كما يقول المثل العربي القديم: يَدَاكَ أوكتا. هل تعرف قصته؟

-  لا والله.

- تقول الحكاية، وقد قرأتها ذات يوم في كتاب العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي، إن أحد العربان صنع (وِكَاءً).. الوكاء اختراع بدائي، وعاء إهليلجي الشكل، يَصنعه الإنسان من جلد خروف، أو من جلد حيوان آخر، ويضعه على فمه، وينفخه كما لو أنه ينفخ بالوناً، ثم يغلقه، ويركَب عليه، ويقطع به النهر إلى الطرف الآخر، كما لو أنه بلم يهاجر بواسطته السوريون الهاربون من براميل حافظ الأسد إلى اليونان، ومنها إلى البلاد العلمانية الديمقراطية التي يصفها بعض المهاجرين أنفسهم بأنها كافرة.. المهم أن ذلك الأعرابي، ركب الوكاء الذي صنعه، ونزل في النهر، فانبعج به، وفَشّ، وكاد أن يغرق، فصار يصرخ، ويتذمر، ويلقي باللوم على الناس بشكل عام، وعلى صاحبه بشكل خاص.. ولكن صاحبه رد عليه بجملة صائبة. قال له: لماذا تصرخ وتولول وتلقي اللوم عليَّ وعلى الناس الآخرين؟ (يداكَ أوكتا وفوك نَفَخ).. فذهب قوله مثلاً.. وهذا الأمر شبيه بحال أبناء بلادنا، اليوم، حينما يلقون بمصائبهم وإخفاقاتهم الحضارية، وبلاويهم الزرقاء، على الإمبريالية، والصهيونية، وأذناب الاستعمار، ولا يعترفون بأية مسؤولية لهم في هذا التخلف..

- بماذا يفيد اعترافهم بالمسؤولية؟

- برأيي أن اعترافهم بالمسؤولية هو الشيء الوحيد الذي يفيدهم، لأنهم، وقتها سيفكرون بالخروج من المأزق، ولكن إذا كانوا موقنين أن جهلهم وتخلفهم وغباؤهم من صنع أناس آخرين، فيسبقون نائمين، مستجيبين لنصيحة الشاعر الكبير معروف الرصافي (1875- 1945) حينما قال ساخراً منهم:

يا قوم لا تتكلموا

إن الكلام محرمُ

ناموا ولا تستيقظوا

ما فاز إلا النُوَّمُ

ودعوا التفهُّمَ جانباً

فالخير أن لا تَفْهَموا

- ما أجمل هذه السخرية. أتدري؟ هذه أول مرة أعرف أن الرصافي شاعر ساخر. ولكن، أين كنا؟

- كنا عند قومنا الذين لا يعترفون بفشلهم، ويحمّلون مسؤوليته للغير. ولقد سمعت، ذات مرة، جملة من أحد إخوتنا السوريين يقول: يا أخي، الغرب تقدم لأنه أخذ منا الأخلاق الحميدة.

سألته، على سبيل المناكفة: أية أخلاق أخذ منا الغرب؟

قال: الصدق.

قلت له: إن الصدق لم يكن سبباً في تقدم الغرب قط، والغرب، حقيقةً، يعتمد في تنظيم مجتمعاته على القانون، وليس على الصدق، والمواطن هناك، سواء أكان صادقاً أم كذاباً أشراً، إذا ارتكب مخالفة يُحاسب عليها.. في ألمانيا، مثلاً، توجد مؤسسة حكومية اسمها (Ausländerbehörde)، إنها باختصار: دائرة الأجانب. نذهب إليها، نحن اللاجئين، بين الحين والآخر، من أجل تسجيل ما يخصنا من معلومات، أو لتجديد إقاماتنا بشكل دوري، والموظف (أو الموظفة) يقف أمامنا، ويسألنا بعض الأسئلة، ويسجل ما نقوله له بشكل أوتوماتيكي.. ولا مرة لاحظت أن الموظف يشك بصحة كلامنا، وهو لا يعرف، ولا يهمه أن يعرف إن كنا نصدق أو نكذب. هذا آخرُ همه. فإذا أنت قدمتَ معلومة كاذبة مضللة، وكُشفت في ما بعد، لا بد أن تُسأل عنها، وتحاسب عليها بموجب القانون. هذا بالإضافة إلى شيء آخر مهم جداً.

- ما هو؟  

- مَن قال إن الغرب أخذ الصدق من عندنا؟ ومَن قال إننا صادقون؟

- رويدك أبو مرداس. أنا قرأت حديثاً للنبي الكريم يقول إن (المؤمن لا يكذب).

- نعم، وأنا قرأته، وأحفظه، ولعلمك فإنه يوجد ما هو أقوى من الحديث الشريف، أقصد الآية القرآنية الكريمة (إنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُون).. ولكن السؤال: مَن قال لك إن معظم الناس متقيدون بنص الآية الكريمة أو الحديث الشريف؟

قال أبو أحمد: سؤالك في محله. وكأنك تقول إن ما جاء في تعاليم الإسلام شيء، وتطبيقه من قبل المسلمين شيء آخر..

(فجأة انقطع الاتصال بيني وبين أبو أحمد).

(للحديث صلة)