صورة حافظ الأسد أخمص طَيّ

صورة حافظ الأسد أخمص طَيّ

10 يناير 2022
+ الخط -

أخجلَ صديقي أبو أحمد تواضعي، حينما قال إن الحديث معي ممتع.. وسوغ ذلك بقوله إنه أراد أن يفتح معي سيرة صغيرة، وأنا سرحتُ برواية قصص ووقائع أغنت تلك السيرة، وعادت بذاكرته إلى أيام مضت، وهو، أي أبو أحمد، يعشق تلك الذكريات عشقاً لا يقاوَم..

وقال: هي أشياء مسلية، مع أنها مؤلمة، فهل هناك أصعب من أن تسمع عن محافظ، وهو الممثل للسلطة المدنية، يذهب أيام الأحداث إلى جسر الشغور، ويرتكب مجزرة يقتل فيها مجموعة من الشبان الأبرياء؟ يا سيدي حتى ولو كان أولئك الشبان متورطين بعمل معاد للسلطة، لماذا لا يعتقلهم ويحيلهم إلى المحاكمة، بدلاً من هذا العمل الهمجي الذي يتلخص بإدانتهم  وتنفيذ الحكم فيهم على الشبهة، ودون محاكمة؟ والمؤلم أكثر أن تسمع بمحافظ، مثل زيد حسون، يلتصق بكرسي المحافظة ثم لا يستطيع منه فكاكاً..  

قلت لأبو أحمد:

- ولا تنس، كذلك، محمد العساف، ونهاد قصاب.

ورحت أحكي له بالتفصيل: كان محمد العساف ضابطاً في المخابرات، وبقي يحتل موقع رئيس فرع الأمن السياسي طوال الفترة التي بقي فيها زيد حسون محافظاً، تقريباً، يعني بحدود عشرين سنة، وأما الأستاذ نهاد قصاب فقد عينوه مديراً للمالية، وما عادوا يفكرون باستبداله..

في جلسة جمعت بعض ظرفاء إدلب، في سهرة صفا، كان بينهم واحد يكتب الشعر، منتسب لاتحاد الكتاب العرب، روى لأصدقائه أنه كان، ذات مرة، في زيارة أحد الأصدقاء بدمشق، بحضور مجموعة من الأدباء والصحافيين، وطلبوا منه أن يعرف بنفسه، فقال:

- أنا الشاعر فلان الفلاني، إدلبي المولد، عربي سوري الانتماء، مسلم سني على المذهب الشافعي، حافظ الأسد رئيسي، ومحمود الزعبي رئيس وزرائي، وعلي عقلة عرسان رئيس اتحاد كتابي، ومحمد العساف رئيس فرع أمني السياسي، ونهاد قصاب مدير ماليتي، والله على ما أقول شهيد. 

ضحك أبو أحمد وقال:

- مرت علينا أيام كنا نستمع إلى نشرات الأخبار، ومن كثرة ما تتردد فيها بعض الأسماء كنا نحفظها عن ظهر قلب، منها واحد اسمه أحمد دياب رئيس مكتب الأمن القومي، وثانٍ اسمه خالد الفاهوم رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير الفلسطينية، وثالث اسمه عاصم قانصوه رئيس منظمة حزب البعث العربي الاشتراكي بلبنان..

قلت: بالمناسبة، وعلى ذكر الأسماء التي تتكرر كثيراً.. تناولتُ في روايتي "أبو دياب يتكلم في الأفراح" شخصية رجل ظريف اسمه عبد الكريم الطحنجي، كان مجموع درجاته في الثانوية العامة الفرع الأدبي قليلاً، فاضطر لأن يدخل كلية الجغرافيا.. ومع أنه يكره الجغرافيا كثيراً، استطاع أن ينجح في السنوات الدراسية الأربع، ولكنه، عندما تَخَرَّجَ وقع في أزمة، وهي: كيف سيمضي عمره في تدريس مادة الجغرافيا التي لا يطيقها؟ ولكي يتحايل على الأمر، انتسب إلى حزب البعث، وأخذ صورة لحافظ الأسد من تلك التي توزع على الدوائر الحكومية والمدارس بالمجان، إلى دكان النجار نديم أبو عمر، الله يرحمه، وطلب منه أن يثبت الصورة على لوح كونت بلاك، ويكون حاملُها عبارة عن عصا ذات مفاصل، تشبه ساق الجرادة، يمكن فتحها وطيها عند اللزوم، وأطلق على تلك اللافتة بعد أن أصبحت جاهزة اسماً غريباً هو (صورة حافظ الأسد أخمص طَيّ)، وصار يحكي لأصدقائه في جلسات الصفا، كيف كان يستفيد من اللافتة، فيقول، مثلاً:

- اليوم، يا شباب، أجانا وفد من الشام برئاسة "أحمد القومي".

يندهش أصدقاؤه ويسألونه: ومَن يكون أحمد القومي بلا صغرة؟

فيقول: هادا أحمد دياب رئيس مكتب الأمن القومي! وأنا من فرحي عليه، مع أني بحياتي ما شفته، حملت "صورة حافظ الأسد أخمص طَيّ"، وطرت إلى أمام فرع الحزب، وبمجرد ما نزل الشباب إلى الدبكة طويت الصورة ووضعتها جانباً، ورحت أدبك. من دون يمين يا شباب، من كثرة ما دبكت صار العرق يسيل من تحت.. وخلال سنوات الدراسة الجامعية، كان حضورُ عبد الكريم النضالي لافتاً لأنظار القيادات. لم يكن نشاطه يقتصر على حمل "صورة الأسد أخمص طَيْ" والركض بها لاستقبال أحمد القومي، وصفوان الاشتراكي، وعلي كُتَّاب العرب، وعبد الرؤوف الوزراء، ومحمد نجيب التربية، وصابر الصحافيين، بل إنه ذهب إلى الخطاط "عبد القادر مْقَوَّصْ" وطلب منه أن يعلمه كتابة الخط العربي، وقليلاً من الرسم الزيتي، بما لا يتعدى مهارة رسم أبواب الحجاج، وصار كلما يرى جداراً فارغاً يضربه زومين من الدهان، ويرسم عليه عَلَم البعث، ويكتب أحد شعارات الحزب القائد، ويضيف عبارة ملخصُها أن الأمة العربية لو لم يكن حافظ الأسد قائدَها لكان ثمنُها فرنكين!

قال أبو أحمد: من سوء حظي أني لم أقرأ روايتك. ولكن ماذا استفاد عبد الكريم من هذا النفاق؟

قلت: في الحقيقة لم يكن له سوى هدف واحد، هو التخلص من تدريس الجغرافيا، وقد تخلص منها بالفعل حينما أصدر فرع الحزب قراراً يقضي بتفريغه لدى الحرس القومي.

قال أبو أحمد: لحظة. على علمي الحرس القومي ألغي في أواخر الستينات.

قلت: يا سيدي، بالنسبة لتنظيم بعض الرفاق البعثيين في الحرس القومي، وتسليحهم، وإفلاتهم في الشوارع، نعم، ألغي، ولكن بقي هناك شيء اسمه ميزانية الحرس القومي، وكان كل بعثي يتم تفريغه في الحزب، أو في المدارس، أو في بعض الدوائر الحكومية، يقبض راتبه الأصلي من دائرته، ويُمنح فوقها تعويضاً يعادل ربع الراتب من ميزانية الحرس القومي.

قال: والله هذه أيضاً معلومة جديدة علي.

قلت: والغريب في الأمر أن بطل الرواية عبد الكريم طحنجي، لم يتعرض لأية مضايقات بعد انطلاق الثورة في شهر آذار /مارس 2011، لأن الثوار كلهم يعلمون أنه لم يكن يشتري الضيوف البعثيين الذين كانوا يزورون إدلب بفرنك، وأن غرضه من حمل الصورة والدبكة أمام فرع الحزب لم يتعد قط التخلص من تدريس مادة الجغرافيا! وخلال الأشهر الأولى من الثورة تحول عبد الكريم إلى مركز إخباري، لأنه كان قد أحيل على التقاعد، وصار يمضي النهار وهو جالس على الرصيف أمام داره، وتحت يده ترمس مملوء بالقهوة المرة، وكل من يمر به يستوقفه ويضيفه قهوة، ويسامره، ويعرف منه ما يجري في البلد.   

 قال أبو أحمد: حديث رائع. ما رأيك أن نعود لسيرة المحافظ؟

قلت: موافق. ولكن دعنا نأخذ استراحة. ونكمل.

(للحديث صلة)