alaraby-search
الأحد 22/03/2020 م (آخر تحديث) الساعة 20:06 بتوقيت القدس 18:06 (غرينتش)
الطقس
errors

هل يموت الحب بين الزوجين؟

22 مارس 2020

نبذة عن المدون

كاتب وباحث سوري مقيم في ألمانيا.
الأكثر مشاهدة
على الرغم من شيوع كلمة الحب في الحيز المرئي والمسموع والمنظور والمقروء، فإن الحب في ماهيته نادر من يفهمه وقليل من يعيشه، حتى وإن تم اختراع يوم للحب، فإن هذا اليوم يزيد من غموض معنى الحب ولا يشرح مضامينه ولا يبين حقيقته، بل يعمل كثير من الأنظمة العالمية على تخريبه وتزييف معناه وحرفه إلى "دبدوب صغير وقلب أحمر"، ومن خلال رعايتها أيضاً لفنون غنائية وتمثيلية تهبط بالحب إلى معنى جسدي ومادي.

لقد بات كثير من الناس في جهل مطبق لمعنى الحب، بل ويحسبه البعض غنوة عابرة، أو نزوة غير مستقرة.. فما هو الحب؟

لا بد أن أبين كما يقول الدكتور أحمد عبد الرحيم أن: "أكمل الأمور (الحب)، والمحب أكمل من المحبوب؛ ولذلك قدَّم الله محبتَه للمؤمنين على محبتِهم له "يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ"؛ لأنه هو الكمال المطلق، وقد خلق سبحانه الكون بحب، ولن يُعبد إلا بحب، وكل نَفَسٍ من أنفاس الخلائق نعمة منه ورسالة حب.

ومن هنا كان للحب من البهاء والكمال ما يجعل واهبه ومعطيه أكثر سعادة من المحبوب نفسه. فأي علاقةٍ بين اثنين لا بد أن تجد فيها عُلوًّا لأحدهما على الآخر بذلاً وعطاء، فإن قامت على العدل وجب التساوي، وإن قامت على الحب فلا التفاتَ عندئذٍ لمُعطٍ ولا لآخذ، بل تجد دائما المحب الأكثرَ عطاءً لا يرى ذلك ويستقله؛ ومن هنا جاء كماله.

وكـــــلُّ الحـــبِّ أعبره غريبًـــا .. وحبُّكَ وحــــدَه يبقى مِهــــــادي
وإن عطشَ الخلائقُ كنتُ وحدي .. بك إنْ نقصَ مني -ازدادَ- زادي
فديتُكِ بالنفسِ والـــــــروحِ أنتِ .. وريدُ القلبِ وشريــــانِ الأيادي".

تعريفات الحب
لكن الحب في أبسط تعريفاته "حضور في غياب"، "يذكر أن رجلاً ألقى نفسه في اليم، فألقت المحبة نفسها خلفه. فقال: أنا وقعت، فما أوقعك خلفي؟ قالت: غبت بك عني، فظننت أنك أني"، وقريب من هذا ما روى البخاري "أنه عَطِشَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: فَحَلَبْتُ كُثْبَةً مِن لَبَنٍ في قَدَحٍ، فَشَرِبَ حتَّى رَضِيتُ"، شعر بالارتواء والرضى لشرب حبيبه فالحب روح واحدة سرت في حبيبين أو هو قلب ينبض في جسدين، إنه وحدة في المشاعر وتقارب في الأفكار وتناغم في العواطف.


والحب مزيج بين الوهبي أي "التجاذب الفطري بين الروح والروح الأخرى" بمعنى "انسجام طبائع يكمل بعضها البعض الآخر ونفوس متآلفة متراحمة بالفطرة"، والكسبي أي جهد شخصي لا بد من تعلمه فله قواعد وله وسائل تسهم في المحافظة عليه، فكل شيء إذا لم يتم "رعايته يموت ويتلاشى حتى العواطف"، ولذلك قيل في الأمثال الشامية "بعيد عن العين بعيد عن القلب"، فالعين تسرح في الجمال وتغذي الفؤاد بالحب والمخالطة المنظورة المحسنة تعمق العواطف، ولذلك قيل "جبلت النفوس على حب من أحسن إليها"، و"الحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب".

ومما يروى أنه سأل المأمون عبد الله بن طاهر ذا الرياستين عن الحب ما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إذا تقادحت جواهر النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة، انبعثت منهما لمحة نور تستضيء بها بواطن الأعضاء، فتتحرك ﻹشراقها طبائع الحياة؛ فيصوَّر من ذلك خلقٌ حاصرٌ للنفس، متصل بخواطرها يسمَّى الحب.

كيف يحدث الحب؟
لا حب من نظرة أولى وعلى الرغم من تقرير أعده باحثون يفيد بـ"أن الوقوع في الحب لا يستغرق أكثر من 10 ثوان، وأن الخلاف يظل قائماً حول أسباب الحب، وهل تحددها صفات شكلية بحتة معتمدة على التشابه بين الطرفين، أم أن الشخص ينجذب عادة لمن يكمل شخصيته؟".

لكني أرى أن مثل هذه الأبحاث تعد قمة في النقمة على الإنسان وتزييف أقدس ما فيه وهي مشاعره ومعنى الحب. فلا حب في عشر ثوانٍ وإنما هو "إعجاب ومزاج متقلب"، فما يعجبك للحظات قد تنفر منه بعد لحظات. والحب استقرار عاطفي بعد اقتناع عقلي وليس نظرة ثم عناق ثم شقاق فطلاق.

ولكن للأسف تريد بعض الدراسات التي تدعي العلمية خلط معنى "الحب بالجنس خارج أطر الزواج". لا ينكر أن التلاقي الجنسي الكامل لا يقوم إلا على الحب الحقيقي، وأن الحب المكين يتوج بالجنس، وهو مع أهميته - أي الجنس - إلا أنه غير كاف لاستدامة الحب.

فالحب المستقر هو ما بني على اقتناع عقلي واستقر في خفق الفؤاد. والحب استعداد فطري وتوافق متبادل وحسن تلاق بين الداخل الإنساني والداخل الإنساني الآخر على أن "تكون النفوس خيِّرة أصلاً جميلة أصلاً".

ومشكاة الحب التي يخرج منها هو: "الجمال النفسي والخير". و"إذا لم تكن النفوس خيرة فإنها لا تستطيع أن تعطي فهى أصلا فقيرة مظلمة ليس عندها ما تعطيه".

أركان الحب
الركن الأول: "المصادقة والموافقة والمطاوعة"
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه.. إن المحب لمن يحب مطيـع. وقيل أيضاً: إن المحب على من يحب صبور.

ولذلك فـ"الحب قرين السلام والأمان والسكينة"، و"إنَّ المُحِبَّ عَن العُذّالِ في صَمَمِ"، "ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات، فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات".

وما أرخص الحب إذا كان كلاماً وما أغلاه إن كان قدوة والتزاماً.

ركن الحب الثاني: "التناسب أو الانسجام"
"تناسب النفوس والطبائع قبل تناسب الأجسام والأعمار والثقافات". وهذا ما يجعل المرء يتريث في اختيار شريكه، وللأسف في الواقع ولعدم حسن فهم معنى التناسب، يحدث الطلاق الواقعي المشاهد بعد سنوات من الزواج وإن غاب الطلاق الواقعي فيقع الشقاق الأخلاقي الذي يفضي إلى طلاق نفسي بين المتزوجين غير معلن.

وفي أوروبا لاحظت في الأسر المسلمة زواجاً امتد لثلاثة عقود ثم سقط في أول اختبار!!.. البعض يعزوه للواقع الجديد وما يحققه من مكاسب للمرأة، وأن الجغرافيا تصنع الأخلاق، وبسبب فقدان الضاغط الاجتماعي، وبسبب عجز الرجل وجهله وكل ذلك يمكن أن يكون له أثر، بل لا ينكر، لكن السبب الحقيقي هو تراكم الفساد النفسي والذي مرده إلى أصل غير مرئي وهو عدم التوافق.

"وقد لا تنسجم امرأة ورجل لأن نفسيهما مثل الماء والزيت متنافرتان بالطبيعة، ولو كانا مثل الماء والسكر لذابا وامتزجا ولو كانا مثل العطر والزيت لذابا وامتزجا.. والمشكلة ألا يصادف الرجل المناسب المرأة المناسبة".

ركن الحب الثالث: "الرباط المقدس"
فلا حب بلا رابط مقدس يجمع بين الحبيبين، إنه شيء أعمق من لذة السرير، قد يكون الخوف على السوية النفسية الذاتية والمحافظة على الرباط الأخلاقي الشخصي، فلا حب فقط للجنس ولا يمكن أن يكون مقدساً، ولا حب لمصلحة عابرة، فينبغي أن يكون الحب خالصاً من أي مصلحة مادية، فالحب لا ينبغي أن يكون وقتياً أو لغرض، وأن يكون الحب دافعه شريف وغايته شريفة وأن يكون الحب قائماً على الرعاية المستقرة، مع هذا كله فـ"لا حب بلا مشاكل"، ولكن قلة العقل تحول المشكلة الصغيرة إلى مشاكل كبيرة، وتترك المشاكل فتتراكم فتغدو مشاكل مركبة ولا يدوم حب بلا احترام وثقة وصدق.

إنها الثلاثية التي تحمي الحب وتمنعه من التلاشي والذوبان، وبعد هذه الثلاثية تبدو علامات الحب وتتجلى في: "الألفة ورفع الكلفة"، و"أن تجد نفسك في غير حاجة إلى الكذب"، و"أن يُرفع الحرج بينكما، فترى نفسك تتصرف على طبيعتك دون أن تحاول أن تكون شيئاً آخر لتعجبها"، و"أن تصمتا أنتما الاثنان فيحلو الصمت، وأن يتكلم أحدكما.. فيحلو الإصغاء"، و"أن تكون الحياة معاً هى مطلب كل منكما قبل النوم معاً"، و"ألا يطفئ الفراش هذه الأشواق ولا يورث الملل ولا الضجر، وإنما يورث الراحة والمودة والصداقة"، و"أن تخلو العلاقة من التشنج والعصبية والعناد والكبرياء الفارغ والغيرة السخيفة والشك الأحمق والرغبة فى التسلط، فكل هذه الأشياء من علامات الأنانية وحب النفس وليست من علامات حب الآخر".

و"أن تكون السكينة والأمان و الطمأنينة هي الحالة النفسية كلما التقيتما"، ولذلك قيل: "الشقي من وجد السعادة في غير بيته"، و"ألا يطول بينكما العتاب ولا يجد أحدكما حاجة إلى اعتذار الآخر عند الخطأ، وإنما تكون السماحة والعفو وحُسن الفهم هي القاعدة". و"ألا تُشبِع أيكما قبلة أو عناق أو أي مزاولة جنسية"، و"ألا تعود لكما راحة إلا في الحياة معاً والمسيرة معاً وكفاح العمر معاً".

والحب يتلاشى ويموت وينعدم بين الزوجين إذا فقد الاحترام والثقة والصدق ولن يحميه لباس ولا طعام ولا وردة ولا جنس.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الحب الأزواج العواطف القلب الحرية العبودية الاستقرار الإعجاب الطلاق العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 27 يونيو 2019 | يخيم على المشهد الثقافي العام ضرب من الهشاشة والتهافت، هذه الهشاشة تفكك العلاقات داخل المجتمع وتجعلنا نتساءل من جديد من نحن، وهل نحن دين بلا قومية أم قومية بلا دين أم بلا دين ولا قومية؟..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب وباحث سوري مقيم في ألمانيا.
الأكثر مشاهدة

هل يموت الحب بين الزوجين؟

22 مارس 2020

نبذة عن المدون

كاتب وباحث سوري مقيم في ألمانيا.
الأكثر مشاهدة
على الرغم من شيوع كلمة الحب في الحيز المرئي والمسموع والمنظور والمقروء، فإن الحب في ماهيته نادر من يفهمه وقليل من يعيشه، حتى وإن تم اختراع يوم للحب، فإن هذا اليوم يزيد من غموض معنى الحب ولا يشرح مضامينه ولا يبين حقيقته، بل يعمل كثير من الأنظمة العالمية على تخريبه وتزييف معناه وحرفه إلى "دبدوب صغير وقلب أحمر"، ومن خلال رعايتها أيضاً لفنون غنائية وتمثيلية تهبط بالحب إلى معنى جسدي ومادي.

لقد بات كثير من الناس في جهل مطبق لمعنى الحب، بل ويحسبه البعض غنوة عابرة، أو نزوة غير مستقرة.. فما هو الحب؟

لا بد أن أبين كما يقول الدكتور أحمد عبد الرحيم أن: "أكمل الأمور (الحب)، والمحب أكمل من المحبوب؛ ولذلك قدَّم الله محبتَه للمؤمنين على محبتِهم له "يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ"؛ لأنه هو الكمال المطلق، وقد خلق سبحانه الكون بحب، ولن يُعبد إلا بحب، وكل نَفَسٍ من أنفاس الخلائق نعمة منه ورسالة حب.

ومن هنا كان للحب من البهاء والكمال ما يجعل واهبه ومعطيه أكثر سعادة من المحبوب نفسه. فأي علاقةٍ بين اثنين لا بد أن تجد فيها عُلوًّا لأحدهما على الآخر بذلاً وعطاء، فإن قامت على العدل وجب التساوي، وإن قامت على الحب فلا التفاتَ عندئذٍ لمُعطٍ ولا لآخذ، بل تجد دائما المحب الأكثرَ عطاءً لا يرى ذلك ويستقله؛ ومن هنا جاء كماله.

وكـــــلُّ الحـــبِّ أعبره غريبًـــا .. وحبُّكَ وحــــدَه يبقى مِهــــــادي
وإن عطشَ الخلائقُ كنتُ وحدي .. بك إنْ نقصَ مني -ازدادَ- زادي
فديتُكِ بالنفسِ والـــــــروحِ أنتِ .. وريدُ القلبِ وشريــــانِ الأيادي".

تعريفات الحب
لكن الحب في أبسط تعريفاته "حضور في غياب"، "يذكر أن رجلاً ألقى نفسه في اليم، فألقت المحبة نفسها خلفه. فقال: أنا وقعت، فما أوقعك خلفي؟ قالت: غبت بك عني، فظننت أنك أني"، وقريب من هذا ما روى البخاري "أنه عَطِشَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالَ أبو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: فَحَلَبْتُ كُثْبَةً مِن لَبَنٍ في قَدَحٍ، فَشَرِبَ حتَّى رَضِيتُ"، شعر بالارتواء والرضى لشرب حبيبه فالحب روح واحدة سرت في حبيبين أو هو قلب ينبض في جسدين، إنه وحدة في المشاعر وتقارب في الأفكار وتناغم في العواطف.


والحب مزيج بين الوهبي أي "التجاذب الفطري بين الروح والروح الأخرى" بمعنى "انسجام طبائع يكمل بعضها البعض الآخر ونفوس متآلفة متراحمة بالفطرة"، والكسبي أي جهد شخصي لا بد من تعلمه فله قواعد وله وسائل تسهم في المحافظة عليه، فكل شيء إذا لم يتم "رعايته يموت ويتلاشى حتى العواطف"، ولذلك قيل في الأمثال الشامية "بعيد عن العين بعيد عن القلب"، فالعين تسرح في الجمال وتغذي الفؤاد بالحب والمخالطة المنظورة المحسنة تعمق العواطف، ولذلك قيل "جبلت النفوس على حب من أحسن إليها"، و"الحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب".

ومما يروى أنه سأل المأمون عبد الله بن طاهر ذا الرياستين عن الحب ما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إذا تقادحت جواهر النفوس المتقاطعة بوصل المشاكلة، انبعثت منهما لمحة نور تستضيء بها بواطن الأعضاء، فتتحرك ﻹشراقها طبائع الحياة؛ فيصوَّر من ذلك خلقٌ حاصرٌ للنفس، متصل بخواطرها يسمَّى الحب.

كيف يحدث الحب؟
لا حب من نظرة أولى وعلى الرغم من تقرير أعده باحثون يفيد بـ"أن الوقوع في الحب لا يستغرق أكثر من 10 ثوان، وأن الخلاف يظل قائماً حول أسباب الحب، وهل تحددها صفات شكلية بحتة معتمدة على التشابه بين الطرفين، أم أن الشخص ينجذب عادة لمن يكمل شخصيته؟".

لكني أرى أن مثل هذه الأبحاث تعد قمة في النقمة على الإنسان وتزييف أقدس ما فيه وهي مشاعره ومعنى الحب. فلا حب في عشر ثوانٍ وإنما هو "إعجاب ومزاج متقلب"، فما يعجبك للحظات قد تنفر منه بعد لحظات. والحب استقرار عاطفي بعد اقتناع عقلي وليس نظرة ثم عناق ثم شقاق فطلاق.

ولكن للأسف تريد بعض الدراسات التي تدعي العلمية خلط معنى "الحب بالجنس خارج أطر الزواج". لا ينكر أن التلاقي الجنسي الكامل لا يقوم إلا على الحب الحقيقي، وأن الحب المكين يتوج بالجنس، وهو مع أهميته - أي الجنس - إلا أنه غير كاف لاستدامة الحب.

فالحب المستقر هو ما بني على اقتناع عقلي واستقر في خفق الفؤاد. والحب استعداد فطري وتوافق متبادل وحسن تلاق بين الداخل الإنساني والداخل الإنساني الآخر على أن "تكون النفوس خيِّرة أصلاً جميلة أصلاً".

ومشكاة الحب التي يخرج منها هو: "الجمال النفسي والخير". و"إذا لم تكن النفوس خيرة فإنها لا تستطيع أن تعطي فهى أصلا فقيرة مظلمة ليس عندها ما تعطيه".

أركان الحب
الركن الأول: "المصادقة والموافقة والمطاوعة"
لو كان حبك صادقاً لأطعتـه.. إن المحب لمن يحب مطيـع. وقيل أيضاً: إن المحب على من يحب صبور.

ولذلك فـ"الحب قرين السلام والأمان والسكينة"، و"إنَّ المُحِبَّ عَن العُذّالِ في صَمَمِ"، "ومعلوم أن الحب يحرك إرادة القلب، فكلما قويت المحبة في القلب طلب القلب فعل المحبوبات، فإذا كانت المحبة تامة استلزمت إرادة جازمة في حصول المحبوبات".

وما أرخص الحب إذا كان كلاماً وما أغلاه إن كان قدوة والتزاماً.

ركن الحب الثاني: "التناسب أو الانسجام"
"تناسب النفوس والطبائع قبل تناسب الأجسام والأعمار والثقافات". وهذا ما يجعل المرء يتريث في اختيار شريكه، وللأسف في الواقع ولعدم حسن فهم معنى التناسب، يحدث الطلاق الواقعي المشاهد بعد سنوات من الزواج وإن غاب الطلاق الواقعي فيقع الشقاق الأخلاقي الذي يفضي إلى طلاق نفسي بين المتزوجين غير معلن.

وفي أوروبا لاحظت في الأسر المسلمة زواجاً امتد لثلاثة عقود ثم سقط في أول اختبار!!.. البعض يعزوه للواقع الجديد وما يحققه من مكاسب للمرأة، وأن الجغرافيا تصنع الأخلاق، وبسبب فقدان الضاغط الاجتماعي، وبسبب عجز الرجل وجهله وكل ذلك يمكن أن يكون له أثر، بل لا ينكر، لكن السبب الحقيقي هو تراكم الفساد النفسي والذي مرده إلى أصل غير مرئي وهو عدم التوافق.

"وقد لا تنسجم امرأة ورجل لأن نفسيهما مثل الماء والزيت متنافرتان بالطبيعة، ولو كانا مثل الماء والسكر لذابا وامتزجا ولو كانا مثل العطر والزيت لذابا وامتزجا.. والمشكلة ألا يصادف الرجل المناسب المرأة المناسبة".

ركن الحب الثالث: "الرباط المقدس"
فلا حب بلا رابط مقدس يجمع بين الحبيبين، إنه شيء أعمق من لذة السرير، قد يكون الخوف على السوية النفسية الذاتية والمحافظة على الرباط الأخلاقي الشخصي، فلا حب فقط للجنس ولا يمكن أن يكون مقدساً، ولا حب لمصلحة عابرة، فينبغي أن يكون الحب خالصاً من أي مصلحة مادية، فالحب لا ينبغي أن يكون وقتياً أو لغرض، وأن يكون الحب دافعه شريف وغايته شريفة وأن يكون الحب قائماً على الرعاية المستقرة، مع هذا كله فـ"لا حب بلا مشاكل"، ولكن قلة العقل تحول المشكلة الصغيرة إلى مشاكل كبيرة، وتترك المشاكل فتتراكم فتغدو مشاكل مركبة ولا يدوم حب بلا احترام وثقة وصدق.

إنها الثلاثية التي تحمي الحب وتمنعه من التلاشي والذوبان، وبعد هذه الثلاثية تبدو علامات الحب وتتجلى في: "الألفة ورفع الكلفة"، و"أن تجد نفسك في غير حاجة إلى الكذب"، و"أن يُرفع الحرج بينكما، فترى نفسك تتصرف على طبيعتك دون أن تحاول أن تكون شيئاً آخر لتعجبها"، و"أن تصمتا أنتما الاثنان فيحلو الصمت، وأن يتكلم أحدكما.. فيحلو الإصغاء"، و"أن تكون الحياة معاً هى مطلب كل منكما قبل النوم معاً"، و"ألا يطفئ الفراش هذه الأشواق ولا يورث الملل ولا الضجر، وإنما يورث الراحة والمودة والصداقة"، و"أن تخلو العلاقة من التشنج والعصبية والعناد والكبرياء الفارغ والغيرة السخيفة والشك الأحمق والرغبة فى التسلط، فكل هذه الأشياء من علامات الأنانية وحب النفس وليست من علامات حب الآخر".

و"أن تكون السكينة والأمان و الطمأنينة هي الحالة النفسية كلما التقيتما"، ولذلك قيل: "الشقي من وجد السعادة في غير بيته"، و"ألا يطول بينكما العتاب ولا يجد أحدكما حاجة إلى اعتذار الآخر عند الخطأ، وإنما تكون السماحة والعفو وحُسن الفهم هي القاعدة". و"ألا تُشبِع أيكما قبلة أو عناق أو أي مزاولة جنسية"، و"ألا تعود لكما راحة إلا في الحياة معاً والمسيرة معاً وكفاح العمر معاً".

والحب يتلاشى ويموت وينعدم بين الزوجين إذا فقد الاحترام والثقة والصدق ولن يحميه لباس ولا طعام ولا وردة ولا جنس.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الحب الأزواج العواطف القلب الحرية العبودية الاستقرار الإعجاب الطلاق العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 27 يونيو 2019 | يخيم على المشهد الثقافي العام ضرب من الهشاشة والتهافت، هذه الهشاشة تفكك العلاقات داخل المجتمع وتجعلنا نتساءل من جديد من نحن، وهل نحن دين بلا قومية أم قومية بلا دين أم بلا دين ولا قومية؟..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب وباحث سوري مقيم في ألمانيا.
الأكثر مشاهدة