alaraby-search
الأربعاء 18/03/2020 م (آخر تحديث) الساعة 18:36 بتوقيت القدس 16:36 (غرينتش)
الطقس
errors

العطس من خلف ظهر الجنرال

18 مارس 2020

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة
كان يجلس في الصف الثاني من مقاعد الصالة يُشاهد أحد العروض المسرحية "المموسقة"، وكان يستشعر لذلك سعادة غامرة بل ويعتبر نفسه أسعد بني البشر. وفجأة - لا يستطيع الكتاب أن يكفوا عن استعمال كلمة فجأة ما دامت الحياة مليئة بالمدهشات والمفارقات - عطس، والكل يعطس، كل إنسان يعطس، كل إنسان، ما المشكلة في ذلك؟

حتى جدي عثمان دحنون - رحمه الله - كان يعطس في الدقيقة سبع عطسات متتاليات وننتظره حتى ينتهي من عطساته لنقول له: يرحمكم الله يا جدي. ولكن هذا الموظف الروسي البسيط بعد أن عطس أصبح أتعس مخلوق على وجه الأرض.

كيف ذلك؟ أقول لكم لا تستعجلوا الأمر.

كان يجلس يا سادتي في الصف الأول من المسرح أمام موظفنا تماماً أحد الجنرالات في لباسه العسكري حيث كان يخدم في إدارة مدنية هي إدارة الهجرة والجوازات. شاهد وسمع موظفنا صاحب السعادة الجنرال يمسح صلعته وقفاه ويُتمتم بكلمات غامضة غير مفهومة ثمَّ يستأنف العرض المسرحي.


وبدأ عذاب موظفنا، أكل الندم قلبه، نعم، يا لتلك العطسة اللعينة التي تفلَّتت منه وغيَّرت حاله من الفرح إلى الترح. وراح يُطارد الجنرال باعتذاره. طارده في الصالة: إني عطست عليكم لم أقصد أن أُبللكم كما تعلمون يا سيدي. ثمَّ طارده في الاستراحة: لقد عطست عليكم يا صاحب السعادة فاغفر لي، أنتَ تعلم أنني لم أقصد. ثمَّ واصل الاعتذار بتأثير تصاعدي دفع الجنرال إلى ضيق تصاعدي.

عاد موظفنا إلى بيته مهموماً وأخبر زوجته بما حدث فشجَّعته على الذهاب إلى الجنرال حتى لا يظنه رجلاً غير مهذب لا يُحسن التصرف. وفعلاً ذهب في اليوم التالي ليطارد الجنرال باعتذاره وزعق الجنرال: إنك تضحك مني يا سيدي. وأغلق الباب في وجهه.

قال في نفسه: أضحك؟ ليس في الأمر ما يُضحك، ألا يفهم وهو جنرال! سوف أكتب له رسالة اعتذار ولن أذهب إليه مرة أخرى، لن أذهب. لم يكتب الرسالة، وظلَّ يُفكر ويُقلّب الأمر على أوجهه كافة ولكنه لم يستطع كتابة كلمة واحدة.

لذلك كان لا بد أن يذهب إلى الجنرال من جديد لاستجلاء كنه هذه العطسة المستعصية على الفهم. وذهب. فصاح الجنرال من قحف رأسه وهو يهتزُّ من الغضب عند رؤيته إيفان شيرفاكوف: اخرج من هُنا. وأخذ موظفنا يُتمتم وهو يرتعد رُعباً: أطلب من سعادتكم المغفرة. وكرر الجنرال وهو يضرب الأرض بقدمه: اخرج. وأحسَّ موظفنا كأن شيئاً قد تهشَّم في داخله وظلَّ يتراجع وهو لا يسمع أو يرى شيئاً، ومشى في الشارع كالسائر في نومه يترنح بحركة آلية حتى وصل إلى المنزل وألقى بنفسه على الأريكة كما هو بمعطفه الجديد ومات.

مات؟ أجل مات. ولكن لماذا؟ ما السبب؟ لقد حيَّر النُقاد بهذا الموت البسيط، فذهبوا مذاهب شتى. واصطنعوا له الأسباب من كل حدب وصوب. تقول لهم: يا سادتي هكذا رسم مؤلف القصَّة أنطون تشيخوف طريق موت موظفنا إيفان شيرفاكوف. ولكن هل مات خوفاً من الجنرال؟ مع أن الجنرال ليس رئيسه.

لا أعتقد ذلك. هل تهشمت روحه من الداخل فمات؟ هل فقد القدرة على الحياة فمات؟ هل قتله شعوره بالذنب كما ذهب إلى ذلك شاعرنا الجميل نجيب سرور؟ ما هذا الذنب الذي يقتل صاحبه؟ عطس. ومتى كانت العطسة تقتل صاحبها؟ ما السبب الحقيقي لموته؟ هل حبكة القصَّة لا تستقيم إلا بموت هذا الموظف المسكين؟ نعم، هذه هي "الطعنة المخفيَّة" في القصَّة.

تعتمد القصَّة اعتماداً رئيساً على موت إيفان شيرفاكوف. وإلا كيف برأيكم ستنتهي القصَّة بغير هذا الموت الصاعق البسيط؟ وصل إلى المنزل وألقى بنفسه على الأريكة كما هو بمعطفه الجديد ومات.

موته جعل من هذه القصَّة القصيرة تحفة فنية خالدة. كيف ذلك؟ الموت قدرنا يا سادتي. قدر البشرية على مرِّ العصور، جرحها الذي لا يندمل. كم تعذَّب جلجامش كي يحصل على الخلود فما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فرفع البشر الفكرة إلى الإله الحيِّ الذي لا يموت.

والشاعر يقول: من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد. وها هو أكاكي بطل قصة "المعطف" المشهورة لكاتبها نيقولاي غوغول يموت بسبب معطف: أكاكي مثل إيفان شيرفاكوف كان موظفاً بسيطاً، وكانت غاية غاياته أن يشتري معطفاً. ويستطيع أكاكي بكثير من الجهد والصبر والمُثابرة والدأب والاصرار أن يُخيط معطفاً جديداً بعد شهور من التقتير والتوفير، فيرتديه ويُحسّ لأول مرة في حياته أنه كائن ذو أهمية. ولأول مرة يُعجب به زملاؤه ورؤساؤه ويُقدرونه. ويُقيم أحد الزملاء له حفلاً احتفالاً بالمعطف الجديد.

ولكن أثناء عودة أكاكي من الحفل متأخراً ينقضَّ عليه لصان ويضربانه ويسلبانه المعطف. أعزَّ ما يملك في الوجود. بل الشيء الوحيد الذي يملكه. بل سلباه وجوده. وهكذا يجرجر أكاكي قدميه حزناً وغمَّاً على المعطف. يصل إلى المنزل وعلى الأريكة بلا معطف جديد يموت.

فهل مات إيفان شيرفاكوف هو الآخر حزناً وكمداً على نفسه المسلوبة المعذَّبة؟ على قلبه المأكول؟ أم مات لأنه كان موظفاً بسيطاً نقيَّ النفس صافي السريرة. ما رأيك أنت يا صاحبي؟

رحم الله إيفان شيرفاكوف وعظَّم الله أجركم.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الجنرال العطس الموت الخوف الصاعق العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 20 مارس 2020 | الكلب الأمين كابي من فرقة الحكيم فيتاليس الموسيقية الجوالة المؤلفة من الفتى الطيب ريمي، والكلاب كابي وزربينو ودولس، والقرد الفطن جولي كور، أبطال رواية الفرنسي هكتور مالو "بلا عائلة" والمنشورة عام 1878.
    • مشاركة
  • 3 مارس 2020 | في تلك الصحراء الشاسعة بعيداً عن صخب المدن كان الأنيس راديو ترانزستور صغيراً بحجم الكف، أستمع منه إلى إذاعات العالم ومنها إذاعة لندن، حيث تعرفت إلى عارف حجاوي من خلال برنامج نسيت اسمه يحكي فيه عن موسيقى الشعر وأهله..
    • مشاركة
  • 20 فبراير 2020 | الصورة بالأبيض والأسود منشورة في مجلة المدار السوفييتية عام 1980 التي كانت تُصدرها وكالة أنباء نوفوستي السوفييتية باللغة العربية تلك الأيام. أنا الآن في الغربة في مدينة أزمير على شاطئ بحر إيجة، هربتُ من الحرب في مدينة إدلب..
    • مشاركة
  • 16 فبراير 2020 | كان عام 1877 بالنسبة إلى تشايكوفسكي حافلاً بالأحداث السارة والتراجيدية. بدأ في الشتاء مؤلفين أوبرا "يفغيني أونيغين" والسيمفونية الرابعة وقد جلبتا له بعد سنة -على أثر أدائهما في الحفلات الروسية في المعرض العالمي بباريس- شهرة عالمية..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة

العطس من خلف ظهر الجنرال

18 مارس 2020

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة
كان يجلس في الصف الثاني من مقاعد الصالة يُشاهد أحد العروض المسرحية "المموسقة"، وكان يستشعر لذلك سعادة غامرة بل ويعتبر نفسه أسعد بني البشر. وفجأة - لا يستطيع الكتاب أن يكفوا عن استعمال كلمة فجأة ما دامت الحياة مليئة بالمدهشات والمفارقات - عطس، والكل يعطس، كل إنسان يعطس، كل إنسان، ما المشكلة في ذلك؟

حتى جدي عثمان دحنون - رحمه الله - كان يعطس في الدقيقة سبع عطسات متتاليات وننتظره حتى ينتهي من عطساته لنقول له: يرحمكم الله يا جدي. ولكن هذا الموظف الروسي البسيط بعد أن عطس أصبح أتعس مخلوق على وجه الأرض.

كيف ذلك؟ أقول لكم لا تستعجلوا الأمر.

كان يجلس يا سادتي في الصف الأول من المسرح أمام موظفنا تماماً أحد الجنرالات في لباسه العسكري حيث كان يخدم في إدارة مدنية هي إدارة الهجرة والجوازات. شاهد وسمع موظفنا صاحب السعادة الجنرال يمسح صلعته وقفاه ويُتمتم بكلمات غامضة غير مفهومة ثمَّ يستأنف العرض المسرحي.


وبدأ عذاب موظفنا، أكل الندم قلبه، نعم، يا لتلك العطسة اللعينة التي تفلَّتت منه وغيَّرت حاله من الفرح إلى الترح. وراح يُطارد الجنرال باعتذاره. طارده في الصالة: إني عطست عليكم لم أقصد أن أُبللكم كما تعلمون يا سيدي. ثمَّ طارده في الاستراحة: لقد عطست عليكم يا صاحب السعادة فاغفر لي، أنتَ تعلم أنني لم أقصد. ثمَّ واصل الاعتذار بتأثير تصاعدي دفع الجنرال إلى ضيق تصاعدي.

عاد موظفنا إلى بيته مهموماً وأخبر زوجته بما حدث فشجَّعته على الذهاب إلى الجنرال حتى لا يظنه رجلاً غير مهذب لا يُحسن التصرف. وفعلاً ذهب في اليوم التالي ليطارد الجنرال باعتذاره وزعق الجنرال: إنك تضحك مني يا سيدي. وأغلق الباب في وجهه.

قال في نفسه: أضحك؟ ليس في الأمر ما يُضحك، ألا يفهم وهو جنرال! سوف أكتب له رسالة اعتذار ولن أذهب إليه مرة أخرى، لن أذهب. لم يكتب الرسالة، وظلَّ يُفكر ويُقلّب الأمر على أوجهه كافة ولكنه لم يستطع كتابة كلمة واحدة.

لذلك كان لا بد أن يذهب إلى الجنرال من جديد لاستجلاء كنه هذه العطسة المستعصية على الفهم. وذهب. فصاح الجنرال من قحف رأسه وهو يهتزُّ من الغضب عند رؤيته إيفان شيرفاكوف: اخرج من هُنا. وأخذ موظفنا يُتمتم وهو يرتعد رُعباً: أطلب من سعادتكم المغفرة. وكرر الجنرال وهو يضرب الأرض بقدمه: اخرج. وأحسَّ موظفنا كأن شيئاً قد تهشَّم في داخله وظلَّ يتراجع وهو لا يسمع أو يرى شيئاً، ومشى في الشارع كالسائر في نومه يترنح بحركة آلية حتى وصل إلى المنزل وألقى بنفسه على الأريكة كما هو بمعطفه الجديد ومات.

مات؟ أجل مات. ولكن لماذا؟ ما السبب؟ لقد حيَّر النُقاد بهذا الموت البسيط، فذهبوا مذاهب شتى. واصطنعوا له الأسباب من كل حدب وصوب. تقول لهم: يا سادتي هكذا رسم مؤلف القصَّة أنطون تشيخوف طريق موت موظفنا إيفان شيرفاكوف. ولكن هل مات خوفاً من الجنرال؟ مع أن الجنرال ليس رئيسه.

لا أعتقد ذلك. هل تهشمت روحه من الداخل فمات؟ هل فقد القدرة على الحياة فمات؟ هل قتله شعوره بالذنب كما ذهب إلى ذلك شاعرنا الجميل نجيب سرور؟ ما هذا الذنب الذي يقتل صاحبه؟ عطس. ومتى كانت العطسة تقتل صاحبها؟ ما السبب الحقيقي لموته؟ هل حبكة القصَّة لا تستقيم إلا بموت هذا الموظف المسكين؟ نعم، هذه هي "الطعنة المخفيَّة" في القصَّة.

تعتمد القصَّة اعتماداً رئيساً على موت إيفان شيرفاكوف. وإلا كيف برأيكم ستنتهي القصَّة بغير هذا الموت الصاعق البسيط؟ وصل إلى المنزل وألقى بنفسه على الأريكة كما هو بمعطفه الجديد ومات.

موته جعل من هذه القصَّة القصيرة تحفة فنية خالدة. كيف ذلك؟ الموت قدرنا يا سادتي. قدر البشرية على مرِّ العصور، جرحها الذي لا يندمل. كم تعذَّب جلجامش كي يحصل على الخلود فما استطاع إلى ذلك سبيلاً، فرفع البشر الفكرة إلى الإله الحيِّ الذي لا يموت.

والشاعر يقول: من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الأسباب والموت واحد. وها هو أكاكي بطل قصة "المعطف" المشهورة لكاتبها نيقولاي غوغول يموت بسبب معطف: أكاكي مثل إيفان شيرفاكوف كان موظفاً بسيطاً، وكانت غاية غاياته أن يشتري معطفاً. ويستطيع أكاكي بكثير من الجهد والصبر والمُثابرة والدأب والاصرار أن يُخيط معطفاً جديداً بعد شهور من التقتير والتوفير، فيرتديه ويُحسّ لأول مرة في حياته أنه كائن ذو أهمية. ولأول مرة يُعجب به زملاؤه ورؤساؤه ويُقدرونه. ويُقيم أحد الزملاء له حفلاً احتفالاً بالمعطف الجديد.

ولكن أثناء عودة أكاكي من الحفل متأخراً ينقضَّ عليه لصان ويضربانه ويسلبانه المعطف. أعزَّ ما يملك في الوجود. بل الشيء الوحيد الذي يملكه. بل سلباه وجوده. وهكذا يجرجر أكاكي قدميه حزناً وغمَّاً على المعطف. يصل إلى المنزل وعلى الأريكة بلا معطف جديد يموت.

فهل مات إيفان شيرفاكوف هو الآخر حزناً وكمداً على نفسه المسلوبة المعذَّبة؟ على قلبه المأكول؟ أم مات لأنه كان موظفاً بسيطاً نقيَّ النفس صافي السريرة. ما رأيك أنت يا صاحبي؟

رحم الله إيفان شيرفاكوف وعظَّم الله أجركم.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الجنرال العطس الموت الخوف الصاعق العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 20 مارس 2020 | الكلب الأمين كابي من فرقة الحكيم فيتاليس الموسيقية الجوالة المؤلفة من الفتى الطيب ريمي، والكلاب كابي وزربينو ودولس، والقرد الفطن جولي كور، أبطال رواية الفرنسي هكتور مالو "بلا عائلة" والمنشورة عام 1878.
    • مشاركة
  • 3 مارس 2020 | في تلك الصحراء الشاسعة بعيداً عن صخب المدن كان الأنيس راديو ترانزستور صغيراً بحجم الكف، أستمع منه إلى إذاعات العالم ومنها إذاعة لندن، حيث تعرفت إلى عارف حجاوي من خلال برنامج نسيت اسمه يحكي فيه عن موسيقى الشعر وأهله..
    • مشاركة
  • 20 فبراير 2020 | الصورة بالأبيض والأسود منشورة في مجلة المدار السوفييتية عام 1980 التي كانت تُصدرها وكالة أنباء نوفوستي السوفييتية باللغة العربية تلك الأيام. أنا الآن في الغربة في مدينة أزمير على شاطئ بحر إيجة، هربتُ من الحرب في مدينة إدلب..
    • مشاركة
  • 16 فبراير 2020 | كان عام 1877 بالنسبة إلى تشايكوفسكي حافلاً بالأحداث السارة والتراجيدية. بدأ في الشتاء مؤلفين أوبرا "يفغيني أونيغين" والسيمفونية الرابعة وقد جلبتا له بعد سنة -على أثر أدائهما في الحفلات الروسية في المعرض العالمي بباريس- شهرة عالمية..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة