alaraby-search
الأربعاء 26/02/2020 م (آخر تحديث) الساعة 21:21 بتوقيت القدس 19:21 (غرينتش)
الطقس
errors

فاختر لنفسك

26 فبراير 2020

نبذة عن المدون

كاتبة وباحثة فلسطينية
الأكثر مشاهدة
لطالما فكرت، هل الحب شعور محض أم خطة ممنهجة، هل نحن مليؤون بالمشاعر أم نحن نتظاهر؟ على الأغلب أن العلم في هذا المجال يتفوق، فعلمياً إدراك العواطف ليس عمل القلب كما نعتقد، إنه عمل العقل حيث تقوم منطقة صغيرة تسمى اللوزة الدماغية بهذا الأمر.

الدماغ هو الذي يشعر بالحب - الكره - الخوف - الغضب، وهو الذي يقاوم ليحمي نفسه بغريزة البقاء على قيد الحياة، سواء بالأمل والتفاؤل، أو الألم والتشاؤم.
أي شعور لا يزول على الفور، لكنه يقل مع مرور الوقت، الجروح تلتئم مع استمرار الحياة، لذلك دائماً ما نقول لا تدع عضلة تضخ الدم تحدد مجرى حياتك، كن أنت موجهها، نحن بتنا في عالم يقلد ولا يبتكر، كل شيء مستنسخ، حتى تلك المشاعر التي كان من المفترض أن تكون أكثر خصوصية وتفرداً.

في سباق العواطف نحن الخاسرون، فقد تجرد كثيرون من إنسانيتهم وأصبحوا مجرد وحوش ضالة، ماتت القلوب، والرحمة انعدم وجودها، أصبحنا نتظاهر بالحب والكره، فنحن نقاوم ما نحب ونتحمل ما نكره.

الحب ليس كلمة، إن أردت تجربة الحب بحق، سوف تهيم وتزورك الصبابة وينشغف قلبك ويشقيك الكلف ويعميك العشق، ستجتاحك النجوى، وتهيم في الدنيا باحثاً دون وعي عن المحبوب، فأين نحن من مراتب الحب؟


في عالم الغرب كل ملحمة تاريخية تم تجميلها بقصة مختلقة يتم تزيينها وتخصيص يوم لها للاحتفال بها كعيد، فبعدما يترك المراهق بيته على سبيل المثال ليقوم ببناء حياته الخاصة كما يسمونها، تصبح العائلة شيئاً ثانوياً، لذلك خصصوا يوماً وسموه عيد الأم، التي من المفترض أن تكون عيداً لكل يوم، وجعلوا يوماً للأب ويوماً للأصدقاء ويوماً للعمال ويوماً للمعلم ويوماً للاستقلال، والقائمة تطول.

ولكن اليوم الأسوأ على الإطلاق هو اليوم الذي أطلق عليه اسم "عيد الحب"؟ هل نكره طيلة ثلاثمئة وأربعة وستين يوماً لنحب في يوم واحد فقط؟! المشكلة ليست هنا، المشكلة أن من يحتفلون بهذا اليوم أغلبهم لا يعرفون القصة الحقيقية خلفه، الجميع يظن أن اللون الأحمر هو رمز العشق والمحبة، ولا يعلمون أنه لون الدم لذلك القسيس الذي دفع حياته ثمناً لحب محرم عليه وكأن القساوسة ليسوا بشراً وقلوبهم لن تميل؟!

الحب نعمة تستحق أن نشكر واهبها ولكن لا يجب أن نجتر أنفسنا للاحتضار في سبيل شعور غير واضح المعالم، الحب أيها الجمع الغفير ليس حكراً على شخصين من كلا الجنسين، لله، للأهل، للأصدقاء، للوطن، للغرباء، للطيبين الصادقين المخلصين الأوفياء.

استذكر قول ابن الفارض في إحدى قصائده يقول فيها:
ولقد أقولُ لِمن تَحَرّشَ بالهَوَى
عرَّضتَ نفسكَ للبلا فاستهدف

أنتَ القتيلُ بأيِّ منْ أحببتهُ
فاخترْ لنفسكَ في الهوى منْ تصطفي.

فاختاروا أحباءكم بعناية، الحب نعمة، ولا توقعوا الحب في غير أهله، علموا أطفالكم الحب، علموهم الحب بسخاء، علموهم الحب بعفة وقداسة، وألا ينجروا خلف القصص المزينة، بل أن يخلقوا قصصهم الخاصة التي تحاكي واقعهم وما قاموا بتجربته.

قال لي أحدهم ذات يوم، الحب كالحمل الثقيل إذا ثبته بالشكل الصحيح بطريقة لا يميل فيها سينقذك ويسعدك، ومهما كان حمله ثقيلاً سوف تتحملينه، ولكن الحمل الذي لا يطاق هو ذاك الذي يقع منك كل حين، وكلما مشيت به خطوة تزحلقت وكسر فيك شيئاً ما، سوف يتعبك ويشقيك ويؤذيك، لن يسمح لك بالتأقلم، لن يمنحك الراحة..

لنبسطها أكثر، مثلما لا تستطيع الجلوس على كرسي مكسور لا تستطيع حمل حب أعوج، لذلك كونوا عقلانيين، لنثبت أحمال حبنا وننهي قصصنا بطريقة مشرفة، لا تتجاهلوا مشاعركم، اعتنوا بها، وهذبوها، انشروا الحب طيلة حياتكم، إنه لا يحتاج إلى تخصيص يوم له، فحتى هذا الشعور النبيل بات تجارة مربحة.

لا تتاجروا بالحب فهو أسمى وأنقى وأطهر من أن يلوث، تعلموا كيف تكونون بقلب شفاف رقيق الشغاف، الحب هو الإنسانية فلا يستطيع من ليس إنساناً تجربة الحب أبدا!
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الحب القلب العقل المشاعر العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 11 مارس 2020 | اعتدت على حب الله منذ أول فجر لي عندما فتحت عيني على هذه الدنيا، أول نظرة كانت إلى السماء وكأن فطرتي تقودني إلى الباب الصحيح، إلى المكان الصحيح بطريقة ما..
    • مشاركة
  • 6 فبراير 2020 | أي دولة تلك التي ليست لديها سيادة على أرضها؟ وأي دولة تلك التي لا سلطة لها على معابرها ومياهها ومقدرات عيشها؟ نحن وإن لم نحكُم، فلن نُحكَم نحن الأحرار داخل القضبان لأننا الأحياء تحت التراب..
    • مشاركة
  • 22 يناير 2020 | لكل شيء إذا ما تمّ نقصان. لنعلم أنّ الأمر كله يقف على قناعة الإنسان، لا تُقاس الأمور بالنجاح أو الخسران. ليست بالجمال ولا بالوسامة، ليست بالعصرية والحضرية والانفتاح، الأمر كله يتوقف على الأسلوب اللطيف.
    • مشاركة
  • 20 يناير 2020 | أصبحنا نشهد ثورة كبيرة لصفحات الموت البطيء، أو ما يسمى بالصفحات التي تحمل مشاعرك وتعبر عما بداخلك، ولكن هل حقاً بعض كلمات مسروقة من موقع ما قد تعبر عن ما يجول في نفسك، هل أصبحنا بهذه السذاجة؟..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتبة وباحثة فلسطينية
الأكثر مشاهدة

فاختر لنفسك

26 فبراير 2020

نبذة عن المدون

كاتبة وباحثة فلسطينية
الأكثر مشاهدة
لطالما فكرت، هل الحب شعور محض أم خطة ممنهجة، هل نحن مليؤون بالمشاعر أم نحن نتظاهر؟ على الأغلب أن العلم في هذا المجال يتفوق، فعلمياً إدراك العواطف ليس عمل القلب كما نعتقد، إنه عمل العقل حيث تقوم منطقة صغيرة تسمى اللوزة الدماغية بهذا الأمر.

الدماغ هو الذي يشعر بالحب - الكره - الخوف - الغضب، وهو الذي يقاوم ليحمي نفسه بغريزة البقاء على قيد الحياة، سواء بالأمل والتفاؤل، أو الألم والتشاؤم.
أي شعور لا يزول على الفور، لكنه يقل مع مرور الوقت، الجروح تلتئم مع استمرار الحياة، لذلك دائماً ما نقول لا تدع عضلة تضخ الدم تحدد مجرى حياتك، كن أنت موجهها، نحن بتنا في عالم يقلد ولا يبتكر، كل شيء مستنسخ، حتى تلك المشاعر التي كان من المفترض أن تكون أكثر خصوصية وتفرداً.

في سباق العواطف نحن الخاسرون، فقد تجرد كثيرون من إنسانيتهم وأصبحوا مجرد وحوش ضالة، ماتت القلوب، والرحمة انعدم وجودها، أصبحنا نتظاهر بالحب والكره، فنحن نقاوم ما نحب ونتحمل ما نكره.

الحب ليس كلمة، إن أردت تجربة الحب بحق، سوف تهيم وتزورك الصبابة وينشغف قلبك ويشقيك الكلف ويعميك العشق، ستجتاحك النجوى، وتهيم في الدنيا باحثاً دون وعي عن المحبوب، فأين نحن من مراتب الحب؟


في عالم الغرب كل ملحمة تاريخية تم تجميلها بقصة مختلقة يتم تزيينها وتخصيص يوم لها للاحتفال بها كعيد، فبعدما يترك المراهق بيته على سبيل المثال ليقوم ببناء حياته الخاصة كما يسمونها، تصبح العائلة شيئاً ثانوياً، لذلك خصصوا يوماً وسموه عيد الأم، التي من المفترض أن تكون عيداً لكل يوم، وجعلوا يوماً للأب ويوماً للأصدقاء ويوماً للعمال ويوماً للمعلم ويوماً للاستقلال، والقائمة تطول.

ولكن اليوم الأسوأ على الإطلاق هو اليوم الذي أطلق عليه اسم "عيد الحب"؟ هل نكره طيلة ثلاثمئة وأربعة وستين يوماً لنحب في يوم واحد فقط؟! المشكلة ليست هنا، المشكلة أن من يحتفلون بهذا اليوم أغلبهم لا يعرفون القصة الحقيقية خلفه، الجميع يظن أن اللون الأحمر هو رمز العشق والمحبة، ولا يعلمون أنه لون الدم لذلك القسيس الذي دفع حياته ثمناً لحب محرم عليه وكأن القساوسة ليسوا بشراً وقلوبهم لن تميل؟!

الحب نعمة تستحق أن نشكر واهبها ولكن لا يجب أن نجتر أنفسنا للاحتضار في سبيل شعور غير واضح المعالم، الحب أيها الجمع الغفير ليس حكراً على شخصين من كلا الجنسين، لله، للأهل، للأصدقاء، للوطن، للغرباء، للطيبين الصادقين المخلصين الأوفياء.

استذكر قول ابن الفارض في إحدى قصائده يقول فيها:
ولقد أقولُ لِمن تَحَرّشَ بالهَوَى
عرَّضتَ نفسكَ للبلا فاستهدف

أنتَ القتيلُ بأيِّ منْ أحببتهُ
فاخترْ لنفسكَ في الهوى منْ تصطفي.

فاختاروا أحباءكم بعناية، الحب نعمة، ولا توقعوا الحب في غير أهله، علموا أطفالكم الحب، علموهم الحب بسخاء، علموهم الحب بعفة وقداسة، وألا ينجروا خلف القصص المزينة، بل أن يخلقوا قصصهم الخاصة التي تحاكي واقعهم وما قاموا بتجربته.

قال لي أحدهم ذات يوم، الحب كالحمل الثقيل إذا ثبته بالشكل الصحيح بطريقة لا يميل فيها سينقذك ويسعدك، ومهما كان حمله ثقيلاً سوف تتحملينه، ولكن الحمل الذي لا يطاق هو ذاك الذي يقع منك كل حين، وكلما مشيت به خطوة تزحلقت وكسر فيك شيئاً ما، سوف يتعبك ويشقيك ويؤذيك، لن يسمح لك بالتأقلم، لن يمنحك الراحة..

لنبسطها أكثر، مثلما لا تستطيع الجلوس على كرسي مكسور لا تستطيع حمل حب أعوج، لذلك كونوا عقلانيين، لنثبت أحمال حبنا وننهي قصصنا بطريقة مشرفة، لا تتجاهلوا مشاعركم، اعتنوا بها، وهذبوها، انشروا الحب طيلة حياتكم، إنه لا يحتاج إلى تخصيص يوم له، فحتى هذا الشعور النبيل بات تجارة مربحة.

لا تتاجروا بالحب فهو أسمى وأنقى وأطهر من أن يلوث، تعلموا كيف تكونون بقلب شفاف رقيق الشغاف، الحب هو الإنسانية فلا يستطيع من ليس إنساناً تجربة الحب أبدا!
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الحب القلب العقل المشاعر العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 11 مارس 2020 | اعتدت على حب الله منذ أول فجر لي عندما فتحت عيني على هذه الدنيا، أول نظرة كانت إلى السماء وكأن فطرتي تقودني إلى الباب الصحيح، إلى المكان الصحيح بطريقة ما..
    • مشاركة
  • 6 فبراير 2020 | أي دولة تلك التي ليست لديها سيادة على أرضها؟ وأي دولة تلك التي لا سلطة لها على معابرها ومياهها ومقدرات عيشها؟ نحن وإن لم نحكُم، فلن نُحكَم نحن الأحرار داخل القضبان لأننا الأحياء تحت التراب..
    • مشاركة
  • 22 يناير 2020 | لكل شيء إذا ما تمّ نقصان. لنعلم أنّ الأمر كله يقف على قناعة الإنسان، لا تُقاس الأمور بالنجاح أو الخسران. ليست بالجمال ولا بالوسامة، ليست بالعصرية والحضرية والانفتاح، الأمر كله يتوقف على الأسلوب اللطيف.
    • مشاركة
  • 20 يناير 2020 | أصبحنا نشهد ثورة كبيرة لصفحات الموت البطيء، أو ما يسمى بالصفحات التي تحمل مشاعرك وتعبر عما بداخلك، ولكن هل حقاً بعض كلمات مسروقة من موقع ما قد تعبر عن ما يجول في نفسك، هل أصبحنا بهذه السذاجة؟..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتبة وباحثة فلسطينية
الأكثر مشاهدة