alaraby-search
الثلاثاء 17/09/2019 م (آخر تحديث) الساعة 20:52 بتوقيت القدس 17:52 (غرينتش)
الطقس
errors

خَيمة العَزاء

17 سبتمبر 2019

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة
إن ما يُصرف على المتوفى، في مدينة الرّقة السورية، يَنأى عنه أصحاب العزاء أنفسهم، وما يتحمّلون من مبالغ إضافية لإرضاء المعزِّين المدلّلين، أصبح مرهقاً للأسرة وللجيب معاً، فضلاً عن تحوّل عادة تقديم ولائم العَزَاء إلى مجرد تفاخر بين الأهل والعشيرة والأصدقاء، والإبقاء على خيمة العزاء ثلاثة أيام بلياليها في وسط الشوارع العامّة في المدينة!

إنَّ مشكلة تنصيب خيمة العزاء في شوارع رئيسة في المدينة أثارت فضول الكثيرين، وإن كان في الأفق ما يشير إلى تراجع لافت لهذه العادة غير المستحبّة، وهذا ما أخذ يُؤسّس لواقع يرى فيه كثيرون أنّه يَلزمه اتخاذ إجراء حازم وحاسم من الجميع لإيقاف زحف هذه العادات والتقاليد التي يَعتقدُ العامّة أنَها صارت في عداد النسيان، ومن الضرورة بمكان عدم الأخذ بها، لما تعكسه من نتائج سلبية ومثيرة للتساؤل، وإن لجأ البعض من سكان المدينة في الفترة الأخيرة إلى عدم الاهتمام بها، وبالكاد صار يُؤخذ بها من قبل آخرين ما زالوا مقتنعين بهذه العادات التي يرى، بالمقابل، الكثيرون أنها يجب أن "تَبْطُل" وبشكلٍ نهائي، إن لم نقل الإقلال منها لتبعاتها المادية الضخمة، واحتضانها والاهتمام بها، وبهذا الزخم من قبل البعض، لا سيما وأنهم وحدهم المستفيدون من إقامتها، بهدف التباهي والتفاخر ليس إلا! وهذا يلزمه الوقت الكافي لتكون أكثر إقناعاً لدى الغالبية من الناس، وفي مقدمتهم حالُ أبناء الريف الذين ما زالوا متشبّثين بها تحت ذرائع مختلفة، وأوّلها ذريعة لم الشَمْل. شَمل الأهل، والأصدقاء والأحبّة، الذين يَزيدُ اهتمامهم بهذه المسائل التي يتغنّون باحتضانها، ولطالما يُجهزّون لها الأجواء الخاصة بها لتكون أنموذجاً يُحتذى من قبل الآخرين مستقبلاً.

إنَّ عادة تقديم ولائم العَزاء في الرّقة السورية، في الوقت الحالي، وإن كان لها أشخاصها المهتمون والمحتفون بها، آخذة بالتَدَرّج نحو الزوال، ولجوء أهل المتوفى إلى بقاء خيمة العَزاء، واحتضان المعزِّين لأيام طوال، وأقلّها سبعة أيام بلياليها منذ بدء العزاء.


في هذه الأيام السبعة، والتي تُسمى بالليالي السود، أو الليالي العَصِيبَة على الشخص الذي فُرضَ عَليه القيام بتقديم ولائم العزاء، فهو مطالب بتهيئة وتأمين أشياء كثيرة جداً، ومكلفة، كل ذلك بهدف إرضاء المعزِّين.

هذه الحالة تركت أبعاداً لها طابعها السلبي على أهل المتوفى الذين بالكاد يَقدرون على تحمّل تبعة نفقات احتياجات المعزِّين الذين تتجاوز أعدادهم المئات، وقد تصل إلى الآلاف، وهذا يلزمه إمكانات كبيرة جداً، وجهد جاهد، ومتسع من الوقت حتى يخرجُ صاحب التَعزية برضا المعزِّين الذين يأتون من كل حدبٍ وصوب للقيام بواجب العزاء، وإن كانت لهذا الموقف حساسيته الخاصة، وأثره على كل من المعزَّى الملّزم بالحضور، وتقديم ما كان قد جمعه وادخر به من إمكانات مادية لإرضاء الطرف الآخر، في حين أنَّ المعني بالعَزاء مطلوب منه - في الوقت نفسه - توفير أكبر قدر من الاحتياجات لإرضاء ذاك الشخص القريب، ومن حضر معه!

لقد أخذت عادة تقديم ولائم العزاء، في حال فقدان أخ عزيز أو صديق قريب ـــ وللأسف ـــ أبعاداً ذات طابع خاص جداً، الخاسر الوحيد فيها أهل المتوفى، والسبب هو الصرفيات غير الاعتيادية التي يضخّونها في الأيام التي تلي حالة الوفاة، وهذا الواقع دفع بالكثيرين إلى الاهتمام بهذه المسألة، حيث يلجأون إلى صرف مبالغ لا يُستهان بها.. وهذه المبالغ ما هي إلّا مجرد تبذير في غير محلّه، في الوقت الذي كان يجبُ فيه أن يتمَّ صرفها في مناحٍ مفيدة لأسرة أهل المتوفى.

إنَّ ما سمعناه حيال هذه المسألة الكثير، فضلاً عمّا تناقله العديد من المواطنين عن مراسم العزاء، وقد سمعت في ذات مرّة أنّه تجاوز ما صرف على عزاء أحد الأشخاص المتوفين مبالغ خيالية، وذلك حسب مكانة الرجل بين ربعه وعشيرته، إلّا أنّه تمنينا أن يتمُّ دفع هذه المبالغ في أماكن أخرى لها محاسنها، وفوائدها بدلاً من صرفها على الشراب والطعام وتقديم الحلوى، والهدف منها تبييض الوجوه والتفاخر ليس إلّا!

إنّ هذه الأجواء كانت حتى وقتٍ قريب وما زالت مرسومة في أذهان أبناء "الرَّقة"، حيث صبّ جلّ اهتمامهم حيال خيمة العزاء، إذ صارت عبارة عن تفاخر بين العشيرة والأهل والأصدقاء، وقد ولّدت هذه العادة حالات غريبة نتيجة الصرفيات التي لم تَعُد تُلبّي احتياجات أهل المتوفى، بقدر ما تُحقّق احتياجات الضيوف الثقلاء الذين يُصرّون على البقاء ساعات وساعات لكسب لقمة العيش التي أتوا من أجل الفوز بها!

إنَّ الفترة قد تطول. بمعنى أنهم يبقون حتى يُقدم لهم أهل المتوفى "الثريد واللحَم"! طبعاً كل هذا من أجل "العزيَّة"، أو "الذبيحة"، التي أتوا بها، فإنّه لا تمكن لهم مغادرة الخيمة "اللعنة" حتى يُبادر صاحبها إلى تقديم ما لذَّ وطاب من الطعام والشراب، سواء طالت الفترة أم قصرت، ويبقى لها ضررها أكثر من نفعها، وصارت بعيدة عن اهتمام الغالبية من الأشخاص، في الوقت الحاضر، وبصورةٍ خاصة، ممن يعانون العوز والفاقة، وزيادة الاهتمام بهذه العادات، التي بدأت تتلاشى، وأفرزت الكثير من المواقف المحزنة، فضلاً عن أنَّ البعض بات يمتعضُ من وجودها -بهذا الزخم- الكثير من الأشخاص غير القادرين على تأمين لقمة العيش لأبنائهم، ولأسرهم التي تحتاجُ إلى المزيد من المصاريف الزائدة، ويبقى الواقع الاقتصادي، وبحكم العادة مرتبطة بهذا الاتجاه وغيره!

وإن أكثر من يعنى بهذه المسألة ويتحمّل نفقاتها جارُ المتوفى. فمهما كانت صلة القرابة التي تربط بين الشخص المتوفى وجاره، فإنّه يضطر إلى القيام بواجب العزاء في اليوم الأول من حدوث حالة الوفاة، ويقتصر ذلك في حال كانت الرابطة بين الجار والمتوفى عادية جداً، وهذا ما يعني أنه يتخلى عن هذا الحِمل الثقيل المكلف مادياً، وقد يكون مرتبطاً بدَين سابق، يجبُ عليه، بالمقابل، تعويضه والوفاء به، ما يعني أنه سيقوم بواجب التعزية على أكمل وجه، وهذا ما يضطرّه إلى تأمين احتياجات بيت العزاء في ذلك اليوم، ولمرة واحدة، إكراماً لجاره المتوفى، إن رغب، وهذا ليس من باب الإلزام، وإنما الأعراف والتقاليد المتبعة وحدها تفرض عليه القيام بهذا الواجب الأخلاقي.

وقد يقوم بالغرض نفسه، وبالصورة ذاتها، الجار التالي، القريب من بيت المتوفى الذي تربطه به علاقة صداقة حميمية، أو "جيرة" قديمة، بكسر الجيم، وهو أولاً وآخر جار "حْجَرَة" بتسكين الحاء، كما يُقال بالعامية الرقّاوية، وعليه أن يتحمّل تبعات ذلك، ويكمل الدور فيما بعد صاحب خيمة العزاء حتى تنتهي فترة الأيام الثلاثة التي تلي الوفاة.

وفي الريف يأخذ المنحى ذاته، إلّا أنّه يمتدُّ إلى أكثر من ذلك، وقد يصل إلى نحو سبعة أيام، وبحسب مكانة الشخص المتوفى، وثقله الاجتماعي!

هذه الصور لطالما نشاهدها وبكثرة في مدينة "الرّقة"، حيث تمتدّ عادات العزاء وأنماطه المختلفة، وصرفياته المجحفة في المدينة وريفها إلى أيام وأيام بعد إزالة خيمة العزاء من أمام دار أهل أو أقارب المتوفى.. فضلاً، وهذا الأهم، أنَّه -ومن باب التباهي- يلجأ صاحب العزاء، سواء أكان ذلك أولاد المتوفي، أو أقاربه إلى وضع خيمة العَزَاء في وسط الشارع العام، في المدينة، لافتاً نظر الغير إلى المتوفي، بهدف التعريف والاهتمام به حتى ما بعد مماته، ما يَعني عرقلة سير الآليات والأشخاص، وفي شوارع رئيسة، ما أضفى على هذه الواقعة بعض البغضاء، فضلاً عن تناول حكايات التندّر التي أخذت صوراً مختلفة الأوجه طالما يتداولها المعزّون فيما بينهم، سواء أكانوا من المقرّبين، أو المبعدين من الجوار وغيرهم أثناء فترة التعزية، داخل بيت العزاء! وهذا ما يثير الكثير من التساؤل.

الاهتمام بهذه العادة ظل مجرد تباهٍ وتفاخر، فضلاً عن المصاريف الكثيرة التي يلزمها تفهم ووعي أكثر للجم أمثال هذه الصور المؤسية التي أخذت أبعاداً غير مقنعة نتيجة لجوء أهل المتوفى إلى بذل الغالي والنفيس، وصرف مبالغ كبيرة جداً، إن لم يصل الحال إلى مَد يَدِ العَون والاقتراض من هذا وذاك، إرضاءً للمعزّين المدلّلين، في الوقت الذي نُدرك فيه بأن "حاجة الناس غاية لا تُدرك"؟

إنَّ هذه العادات ما زالت - وللأسف - تُشكل هاجساً غير عادي بالنسبة لأبناء ريف "الرّقة"، وإن أخذت تَدرُجُ بعض الشيء نحو الزوال في المدينة، واختصار فترة بقاء خيمة العزاء لثلاثة أيام بعد أن كانت الفترة تَمتَدُ لأيام وأيام.. والمستقبل - بالتأكيد - كفيل بزوال هذه العادة التي صارت مجرّد حِمِل ثقيل على أهل المتوفى، والمواطن لم يَعُد بإمكانه تحمّل نفقات مصاريفها، في ظل تراجع الواقع الاقتصادي الذي بات يُعاني منه الكثيرون!

فهل نعيد النظر بهذه العادات والتقاليد التي يجبُ العودة عنها، والتي تركت حولها أكثر من إشارة استفهام، والهدف من ذلك ضغط الإنفاق بأبعاده الذي أضرَّ بالصالح العام؟!.

والسؤال كيف سيصير الاهتمام بالمعزّين، وما أكثرهم، في ظل ضيق ذات اليد، وإن كان هناك عدد لا بأس به منهم ما زالوا متشبثين ومتشدّدين بهذه العادة التي أرخت بظلالها السيئة عليهم.

والمطلوب هو ضرورة الاكتفاء باتباع أبسط الطرق، التي لا ضرر ولا ضرار فيها، وهذا ما يعني حلحلة تبعات هذه العادة، والسلوك الذي يسلكه الغير، والذي نريده أن يكون أقصر الطرق، بدلاً من المغالاة فيها، وبعيداً عن الترّهات، لتعود بالنفع على المواطن، بدلاً من تكبّده لمبالغ هو بغنى عنها!
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: خيمة العزاء الرقة سورية الموت التكاليف المدينة الريف العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 16 أكتوبر 2019 | هل كانت العلاقات مع الناس في فترة ركود بعض الشيء، وأبطأت حركتها مع بزوغ علامات فجر الثورة السورية وظهورها للعلن وتحويلها من جدار صامت كئيب إلى حمل وديع لم يعد يصعب الاقتراب منه والنيل من جلاديه..
    • مشاركة
  • 15 أكتوبر 2019 | أجدُ أنه من باب الاحترام والود، اللّذين أعلقهما وساماً على صدري، وهذا طبع متجذّر فينا، وما تعلّمناه من تجارب شخصية أن أحافظ على هذه العلاقة من الترهّل مهما أصابها من فتور..
    • مشاركة
  • 13 أكتوبر 2019 | للسعادة وجهها الحقيقي في مختلف الأماكن ومفاصلها المختلفة، وأياً كانت رؤاها وتطلعاتها ومفرزاتها، ففي رأيي الشخصي، في حال حاولنا اﻻمتثال للواقع وحفرنا يمكن أن ننهل بعض ما نبحث عن أنواعها ومفرداتها المتعددة..
    • مشاركة
  • 11 أكتوبر 2019 | ماذا يمكنُ أن نقول عن صنف من الناس اعتادوا في طباعهم أن يُكثروا في معاتبتك، ويتوغلوا أكثر في تأليف الكذبة ومن ثم تبرير حدوثها والضرب بصورةٍ دائمة على الحافر، متناسين أنَّ المسمار هو الأولى بالضرب!
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة

خَيمة العَزاء

17 سبتمبر 2019

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة
إن ما يُصرف على المتوفى، في مدينة الرّقة السورية، يَنأى عنه أصحاب العزاء أنفسهم، وما يتحمّلون من مبالغ إضافية لإرضاء المعزِّين المدلّلين، أصبح مرهقاً للأسرة وللجيب معاً، فضلاً عن تحوّل عادة تقديم ولائم العَزَاء إلى مجرد تفاخر بين الأهل والعشيرة والأصدقاء، والإبقاء على خيمة العزاء ثلاثة أيام بلياليها في وسط الشوارع العامّة في المدينة!

إنَّ مشكلة تنصيب خيمة العزاء في شوارع رئيسة في المدينة أثارت فضول الكثيرين، وإن كان في الأفق ما يشير إلى تراجع لافت لهذه العادة غير المستحبّة، وهذا ما أخذ يُؤسّس لواقع يرى فيه كثيرون أنّه يَلزمه اتخاذ إجراء حازم وحاسم من الجميع لإيقاف زحف هذه العادات والتقاليد التي يَعتقدُ العامّة أنَها صارت في عداد النسيان، ومن الضرورة بمكان عدم الأخذ بها، لما تعكسه من نتائج سلبية ومثيرة للتساؤل، وإن لجأ البعض من سكان المدينة في الفترة الأخيرة إلى عدم الاهتمام بها، وبالكاد صار يُؤخذ بها من قبل آخرين ما زالوا مقتنعين بهذه العادات التي يرى، بالمقابل، الكثيرون أنها يجب أن "تَبْطُل" وبشكلٍ نهائي، إن لم نقل الإقلال منها لتبعاتها المادية الضخمة، واحتضانها والاهتمام بها، وبهذا الزخم من قبل البعض، لا سيما وأنهم وحدهم المستفيدون من إقامتها، بهدف التباهي والتفاخر ليس إلا! وهذا يلزمه الوقت الكافي لتكون أكثر إقناعاً لدى الغالبية من الناس، وفي مقدمتهم حالُ أبناء الريف الذين ما زالوا متشبّثين بها تحت ذرائع مختلفة، وأوّلها ذريعة لم الشَمْل. شَمل الأهل، والأصدقاء والأحبّة، الذين يَزيدُ اهتمامهم بهذه المسائل التي يتغنّون باحتضانها، ولطالما يُجهزّون لها الأجواء الخاصة بها لتكون أنموذجاً يُحتذى من قبل الآخرين مستقبلاً.

إنَّ عادة تقديم ولائم العَزاء في الرّقة السورية، في الوقت الحالي، وإن كان لها أشخاصها المهتمون والمحتفون بها، آخذة بالتَدَرّج نحو الزوال، ولجوء أهل المتوفى إلى بقاء خيمة العَزاء، واحتضان المعزِّين لأيام طوال، وأقلّها سبعة أيام بلياليها منذ بدء العزاء.


في هذه الأيام السبعة، والتي تُسمى بالليالي السود، أو الليالي العَصِيبَة على الشخص الذي فُرضَ عَليه القيام بتقديم ولائم العزاء، فهو مطالب بتهيئة وتأمين أشياء كثيرة جداً، ومكلفة، كل ذلك بهدف إرضاء المعزِّين.

هذه الحالة تركت أبعاداً لها طابعها السلبي على أهل المتوفى الذين بالكاد يَقدرون على تحمّل تبعة نفقات احتياجات المعزِّين الذين تتجاوز أعدادهم المئات، وقد تصل إلى الآلاف، وهذا يلزمه إمكانات كبيرة جداً، وجهد جاهد، ومتسع من الوقت حتى يخرجُ صاحب التَعزية برضا المعزِّين الذين يأتون من كل حدبٍ وصوب للقيام بواجب العزاء، وإن كانت لهذا الموقف حساسيته الخاصة، وأثره على كل من المعزَّى الملّزم بالحضور، وتقديم ما كان قد جمعه وادخر به من إمكانات مادية لإرضاء الطرف الآخر، في حين أنَّ المعني بالعَزاء مطلوب منه - في الوقت نفسه - توفير أكبر قدر من الاحتياجات لإرضاء ذاك الشخص القريب، ومن حضر معه!

لقد أخذت عادة تقديم ولائم العزاء، في حال فقدان أخ عزيز أو صديق قريب ـــ وللأسف ـــ أبعاداً ذات طابع خاص جداً، الخاسر الوحيد فيها أهل المتوفى، والسبب هو الصرفيات غير الاعتيادية التي يضخّونها في الأيام التي تلي حالة الوفاة، وهذا الواقع دفع بالكثيرين إلى الاهتمام بهذه المسألة، حيث يلجأون إلى صرف مبالغ لا يُستهان بها.. وهذه المبالغ ما هي إلّا مجرد تبذير في غير محلّه، في الوقت الذي كان يجبُ فيه أن يتمَّ صرفها في مناحٍ مفيدة لأسرة أهل المتوفى.

إنَّ ما سمعناه حيال هذه المسألة الكثير، فضلاً عمّا تناقله العديد من المواطنين عن مراسم العزاء، وقد سمعت في ذات مرّة أنّه تجاوز ما صرف على عزاء أحد الأشخاص المتوفين مبالغ خيالية، وذلك حسب مكانة الرجل بين ربعه وعشيرته، إلّا أنّه تمنينا أن يتمُّ دفع هذه المبالغ في أماكن أخرى لها محاسنها، وفوائدها بدلاً من صرفها على الشراب والطعام وتقديم الحلوى، والهدف منها تبييض الوجوه والتفاخر ليس إلّا!

إنّ هذه الأجواء كانت حتى وقتٍ قريب وما زالت مرسومة في أذهان أبناء "الرَّقة"، حيث صبّ جلّ اهتمامهم حيال خيمة العزاء، إذ صارت عبارة عن تفاخر بين العشيرة والأهل والأصدقاء، وقد ولّدت هذه العادة حالات غريبة نتيجة الصرفيات التي لم تَعُد تُلبّي احتياجات أهل المتوفى، بقدر ما تُحقّق احتياجات الضيوف الثقلاء الذين يُصرّون على البقاء ساعات وساعات لكسب لقمة العيش التي أتوا من أجل الفوز بها!

إنَّ الفترة قد تطول. بمعنى أنهم يبقون حتى يُقدم لهم أهل المتوفى "الثريد واللحَم"! طبعاً كل هذا من أجل "العزيَّة"، أو "الذبيحة"، التي أتوا بها، فإنّه لا تمكن لهم مغادرة الخيمة "اللعنة" حتى يُبادر صاحبها إلى تقديم ما لذَّ وطاب من الطعام والشراب، سواء طالت الفترة أم قصرت، ويبقى لها ضررها أكثر من نفعها، وصارت بعيدة عن اهتمام الغالبية من الأشخاص، في الوقت الحاضر، وبصورةٍ خاصة، ممن يعانون العوز والفاقة، وزيادة الاهتمام بهذه العادات، التي بدأت تتلاشى، وأفرزت الكثير من المواقف المحزنة، فضلاً عن أنَّ البعض بات يمتعضُ من وجودها -بهذا الزخم- الكثير من الأشخاص غير القادرين على تأمين لقمة العيش لأبنائهم، ولأسرهم التي تحتاجُ إلى المزيد من المصاريف الزائدة، ويبقى الواقع الاقتصادي، وبحكم العادة مرتبطة بهذا الاتجاه وغيره!

وإن أكثر من يعنى بهذه المسألة ويتحمّل نفقاتها جارُ المتوفى. فمهما كانت صلة القرابة التي تربط بين الشخص المتوفى وجاره، فإنّه يضطر إلى القيام بواجب العزاء في اليوم الأول من حدوث حالة الوفاة، ويقتصر ذلك في حال كانت الرابطة بين الجار والمتوفى عادية جداً، وهذا ما يعني أنه يتخلى عن هذا الحِمل الثقيل المكلف مادياً، وقد يكون مرتبطاً بدَين سابق، يجبُ عليه، بالمقابل، تعويضه والوفاء به، ما يعني أنه سيقوم بواجب التعزية على أكمل وجه، وهذا ما يضطرّه إلى تأمين احتياجات بيت العزاء في ذلك اليوم، ولمرة واحدة، إكراماً لجاره المتوفى، إن رغب، وهذا ليس من باب الإلزام، وإنما الأعراف والتقاليد المتبعة وحدها تفرض عليه القيام بهذا الواجب الأخلاقي.

وقد يقوم بالغرض نفسه، وبالصورة ذاتها، الجار التالي، القريب من بيت المتوفى الذي تربطه به علاقة صداقة حميمية، أو "جيرة" قديمة، بكسر الجيم، وهو أولاً وآخر جار "حْجَرَة" بتسكين الحاء، كما يُقال بالعامية الرقّاوية، وعليه أن يتحمّل تبعات ذلك، ويكمل الدور فيما بعد صاحب خيمة العزاء حتى تنتهي فترة الأيام الثلاثة التي تلي الوفاة.

وفي الريف يأخذ المنحى ذاته، إلّا أنّه يمتدُّ إلى أكثر من ذلك، وقد يصل إلى نحو سبعة أيام، وبحسب مكانة الشخص المتوفى، وثقله الاجتماعي!

هذه الصور لطالما نشاهدها وبكثرة في مدينة "الرّقة"، حيث تمتدّ عادات العزاء وأنماطه المختلفة، وصرفياته المجحفة في المدينة وريفها إلى أيام وأيام بعد إزالة خيمة العزاء من أمام دار أهل أو أقارب المتوفى.. فضلاً، وهذا الأهم، أنَّه -ومن باب التباهي- يلجأ صاحب العزاء، سواء أكان ذلك أولاد المتوفي، أو أقاربه إلى وضع خيمة العَزَاء في وسط الشارع العام، في المدينة، لافتاً نظر الغير إلى المتوفي، بهدف التعريف والاهتمام به حتى ما بعد مماته، ما يَعني عرقلة سير الآليات والأشخاص، وفي شوارع رئيسة، ما أضفى على هذه الواقعة بعض البغضاء، فضلاً عن تناول حكايات التندّر التي أخذت صوراً مختلفة الأوجه طالما يتداولها المعزّون فيما بينهم، سواء أكانوا من المقرّبين، أو المبعدين من الجوار وغيرهم أثناء فترة التعزية، داخل بيت العزاء! وهذا ما يثير الكثير من التساؤل.

الاهتمام بهذه العادة ظل مجرد تباهٍ وتفاخر، فضلاً عن المصاريف الكثيرة التي يلزمها تفهم ووعي أكثر للجم أمثال هذه الصور المؤسية التي أخذت أبعاداً غير مقنعة نتيجة لجوء أهل المتوفى إلى بذل الغالي والنفيس، وصرف مبالغ كبيرة جداً، إن لم يصل الحال إلى مَد يَدِ العَون والاقتراض من هذا وذاك، إرضاءً للمعزّين المدلّلين، في الوقت الذي نُدرك فيه بأن "حاجة الناس غاية لا تُدرك"؟

إنَّ هذه العادات ما زالت - وللأسف - تُشكل هاجساً غير عادي بالنسبة لأبناء ريف "الرّقة"، وإن أخذت تَدرُجُ بعض الشيء نحو الزوال في المدينة، واختصار فترة بقاء خيمة العزاء لثلاثة أيام بعد أن كانت الفترة تَمتَدُ لأيام وأيام.. والمستقبل - بالتأكيد - كفيل بزوال هذه العادة التي صارت مجرّد حِمِل ثقيل على أهل المتوفى، والمواطن لم يَعُد بإمكانه تحمّل نفقات مصاريفها، في ظل تراجع الواقع الاقتصادي الذي بات يُعاني منه الكثيرون!

فهل نعيد النظر بهذه العادات والتقاليد التي يجبُ العودة عنها، والتي تركت حولها أكثر من إشارة استفهام، والهدف من ذلك ضغط الإنفاق بأبعاده الذي أضرَّ بالصالح العام؟!.

والسؤال كيف سيصير الاهتمام بالمعزّين، وما أكثرهم، في ظل ضيق ذات اليد، وإن كان هناك عدد لا بأس به منهم ما زالوا متشبثين ومتشدّدين بهذه العادة التي أرخت بظلالها السيئة عليهم.

والمطلوب هو ضرورة الاكتفاء باتباع أبسط الطرق، التي لا ضرر ولا ضرار فيها، وهذا ما يعني حلحلة تبعات هذه العادة، والسلوك الذي يسلكه الغير، والذي نريده أن يكون أقصر الطرق، بدلاً من المغالاة فيها، وبعيداً عن الترّهات، لتعود بالنفع على المواطن، بدلاً من تكبّده لمبالغ هو بغنى عنها!
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: خيمة العزاء الرقة سورية الموت التكاليف المدينة الريف العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 16 أكتوبر 2019 | هل كانت العلاقات مع الناس في فترة ركود بعض الشيء، وأبطأت حركتها مع بزوغ علامات فجر الثورة السورية وظهورها للعلن وتحويلها من جدار صامت كئيب إلى حمل وديع لم يعد يصعب الاقتراب منه والنيل من جلاديه..
    • مشاركة
  • 15 أكتوبر 2019 | أجدُ أنه من باب الاحترام والود، اللّذين أعلقهما وساماً على صدري، وهذا طبع متجذّر فينا، وما تعلّمناه من تجارب شخصية أن أحافظ على هذه العلاقة من الترهّل مهما أصابها من فتور..
    • مشاركة
  • 13 أكتوبر 2019 | للسعادة وجهها الحقيقي في مختلف الأماكن ومفاصلها المختلفة، وأياً كانت رؤاها وتطلعاتها ومفرزاتها، ففي رأيي الشخصي، في حال حاولنا اﻻمتثال للواقع وحفرنا يمكن أن ننهل بعض ما نبحث عن أنواعها ومفرداتها المتعددة..
    • مشاركة
  • 11 أكتوبر 2019 | ماذا يمكنُ أن نقول عن صنف من الناس اعتادوا في طباعهم أن يُكثروا في معاتبتك، ويتوغلوا أكثر في تأليف الكذبة ومن ثم تبرير حدوثها والضرب بصورةٍ دائمة على الحافر، متناسين أنَّ المسمار هو الأولى بالضرب!
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل