alaraby-search
الأربعاء 07/08/2019 م (آخر تحديث) الساعة 19:06 بتوقيت القدس 16:06 (غرينتش)
الطقس
errors

من قاسيون أُطلُّ يا وطني!

7 أغسطس 2019

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة

سبقنا الأوائل في القول: حبُّ الأوطان من الإيمان. نعم، بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة، هي مسقط رأسي، ومجمع أهلي وناسي، وملعب إخواني وخلاني. والشاعر يقول: شكوت وما الشكوى لمثلي عادة/ ولكن تفيض العين عند امتلائها. وعلمي أن محاسن الأوطان كثيرة لا تُستقصى. وأبو الطيب يُنشد: لا خَيْلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ/ فليُسْعِدِ النطقُ إن لم يُسعِدِ الحالُ. والسوريون يذهبون إلى البعيد مع نغمات لحن أغنية دلال الشمالي التي تنشد قصيدة خليل خوري: من قاسيون أطل يا وطني/ فأرى دمشق تُعانق السحبا.

كُلنا يعلم بأن آراء الناس تختلف من زمن إلى آخر، وهذا من حقهم، ولكنهم يحتاجون إلى التعاون من أجل نهضة الأوطان، وأساس التعاون والعيش المشترك هو التفاهم الذي يزيل الخلاف بين الأطراف ذات العلاقة في عالم متنوع. وأذهب معكم إلى قول فولتير العظيم ونحن في أشدِّ ما نكون إلى تمثله اليوم: "قد أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد لأدافع حتى الموت عن حقك في التعبير عن رأيك".

وكُلنا يعلم أيضاً بأن الوطنية هي هذا الشعور العميق الذي يحدو صاحبه إلى مؤاخاة جميع الناس، لأنهم يشاركونه في مُثُلٍ عليا يُقدسها وهي تستلزم حقوقاً وواجبات. فما الذي تغيَّر هكذا فجأة حتى ضاقت الأرض على أهلها؟ فأصبح الواحد منّا مثل طائر وحيد، أضاع اتجاهه، وها هو بلا عشّ، يحطُّ منكمشاً، على غصن أجرد يابس، يضايقه البقاء هنا، ولكن إلى أين يطير؟ ماذا حدث بين ليلة وضُحاها حتى فقدت الطيور أعشاشها وتاهت عن أشجارها؟ خربت الأرض وتغيرت معالمها، نكَّست الأزهار تيجانها بذلّ تاركة لرائحة الموت والحرائق الخانقة تلوين المدى. سمعت الغربان وعصائب البوم بهذا الخراب فتوافدت جماعات تتلو جماعات، وأخذت تنعق وتنعب مُمجّدة المذبحة. كانت بلادنا تتسع لمن يُغني كما تتسع لمن يُصلي. كيف انقلب المناخ العام وتغيرت درجات الحرارة على المقياس الوطني؟

وكيف بدأ هذا القحط في الوجدان الذي ضرب مساحة الوطن سبع سنين عجافاً؟ تسونامي من الرعب والخوف ضرب المشهد السوري، فاستيقظ على لوحة سريالية من لوحات سلفادور دالي.

تعود بي الذاكرة إلى لوحة أخرى حيَّة نضرة في ألوانها أواخر العقد السادس من القرن العشرين من خلال شخصية جدي الذي عاش ومات فلاحاً مرابعاً، وقد كنتُ قريباً منه في تلك الأيام قبل سنّ المدرسة، أذهب في أول فصل الصيف لمعاونته في شتل البندورة. كان الفلاح السوري يعيش ويحرص على أن لا تتجاوز مطالبه ما يمكن تحقيقه. يأكل خبزاً من حنطته وسمناً وجبناً ولبناً من بقراته وعنزاته الشامية، أو نعاجه العواس، ويأكل زيتوناً ودبساً وعسلاً إن توفر، ويحرص على مؤونة الشتاء من تين وزبيب وجوز ولوز وقمر الدين وملبن ودبس العنب، ويخفي عن أعين الثقلاء عرقه ونبيذه. وتعود بي الذاكرة أيضاً إلى العلّامة عبد الله بن محمد البدري، الذي عاش في الشام في القرن الرابع عشر من ميلاد السيد المسيح، إذ يُخبرنا في كتابه "نزهة الأنام في محاسن الشام" بأن أصحاب البساتين في ربوع الشام كانوا يضعون الفاكهة المتنوعة في أجران حجرية ضخمة على أبواب البساتين، ومن يحتاج من أبناء السبيل يأخذ منها حاجته.

وفي الشمال كان الفلاح السوري يزرع أشجاراً مثمرة: تين، رمان، لوز، جوز، مشمش، خوخ، سفرجل، زعرور، فستق حلبي، للفقراء والمساكين يعرفونها بالتكرار، وغالباً ما تزرع قرب الطرقات ليسهل تناولها. وكان جدي عثمان دحنون - رحمه الله - يستأجر الأرض ويأخذ ربع إنتاجها، ومع ذلك يحمل من حصته من ثمر التين والعنب وخضار الصيف إلى بيوت الفقراء والمساكين.

شعور المواطنة هذا كان مشتركاً عندنا، له قيمة وجدانية وفكرية وأخلاقية عالية تستوجب الدفاع عنها من أجل مصلحة الشعب، كل الشعب. وقد ربطنا الوطنية بالأخلاق الإيجابية التي تتطلب الجرأة والإقدام والعمل، والنهي عن التفرقة في المجتمع، والسعي لنقد الأخطاء وتقويم الاعوجاج وبث روح العدالة في الأفراد. فمن لا يستطيع أن يقول لأهل الظلم والعسف: كفّوا! فهو عبد فاقد لحريته، والمعتقل الحقيقي هو من اعتُقل لسانه عن قول الحق، والحر الحقيقي هو من يقول كلمة الحق، ولو كان قابعاً وراء القضبان.

إن الوطنية الحقة التي تلتزم الوجدان الجمعي لا تعني التقوقع على الإطلاق، ولا التمترس خلف الأوهام القومية أو الدينية أو العقائدية، التي تؤدي بدورها إلى الفاشية المقيتة. أعتقد أن الحميّة والحماسة والشعور الوطني الوقاد هي الدافع الحقيقي الذي يُساهم في الجمع ما بين الغيرة الوطنية والمعرفة المستنيرة والممارسة الهادفة إلى تحرير الإنسان والوطن، وتحرير العقل والفكر من الأوهام، والبحث عن أنجع السبل لتحقيق هذه الأهداف النبيلة. وفي الحق أن سهولة الاتصال بين أفراد الوطن الواحد أصبحت المعيار الحقيقي لقياس وطنية هذا الفرد، ومدى صحوة وجدانه حتى يرى بلاده تُعانق السُّحبا.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: قاسيون دمشق عبد الرزاق دحنون الوطنية العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 21 أغسطس 2019 | عُثر في حجرة مجاورة للمكتبة على رقم طينية وعلى جرة مملوءة بالطين وبعض أدوات الكتابة - أقلام من العظم - مما يُثبت أن هذه الحجرة كانت تُستخدم لكتابة الرقم الطينية..
    • مشاركة
  • 3 أغسطس 2019 | هل بوسع الإنسان، في حال غياب الجسارة الفكرية والروحية والأخلاقية، أن يستمر في استكشاف المعنى النهائي للوجود والحقائق وتصحيح بعضها أم أنه يفضي به الأمر في نهاية المطاف إلى الوقوع في الانحراف أو الخرافة؟
    • مشاركة
  • 28 يوليو 2019 | هل وقف فيلسوف المعرة موقفاً صريحاً من حُكّام عصره؟ أزعم، نعم، فأنت تجد فيما وصل إلينا من آثاره ما يدل على مذهبه في هذه المسألة. فقد سخط على ما رأى من ظلم الملوك والأمراء
    • مشاركة
  • 22 يوليو 2019 | أجمع المؤرخون الذين ترجموا حياة فيلسوف المعرة وعصره، أن حادثة سياسية كانت بينه وبين صالح بن مرداس أمير بني كلاب، جرت وقائعها في معرة النعمان،
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة

من قاسيون أُطلُّ يا وطني!

7 أغسطس 2019

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة

سبقنا الأوائل في القول: حبُّ الأوطان من الإيمان. نعم، بلادي وإن جارت عليَّ عزيزة، هي مسقط رأسي، ومجمع أهلي وناسي، وملعب إخواني وخلاني. والشاعر يقول: شكوت وما الشكوى لمثلي عادة/ ولكن تفيض العين عند امتلائها. وعلمي أن محاسن الأوطان كثيرة لا تُستقصى. وأبو الطيب يُنشد: لا خَيْلَ عندكَ تُهديها ولا مالُ/ فليُسْعِدِ النطقُ إن لم يُسعِدِ الحالُ. والسوريون يذهبون إلى البعيد مع نغمات لحن أغنية دلال الشمالي التي تنشد قصيدة خليل خوري: من قاسيون أطل يا وطني/ فأرى دمشق تُعانق السحبا.

كُلنا يعلم بأن آراء الناس تختلف من زمن إلى آخر، وهذا من حقهم، ولكنهم يحتاجون إلى التعاون من أجل نهضة الأوطان، وأساس التعاون والعيش المشترك هو التفاهم الذي يزيل الخلاف بين الأطراف ذات العلاقة في عالم متنوع. وأذهب معكم إلى قول فولتير العظيم ونحن في أشدِّ ما نكون إلى تمثله اليوم: "قد أختلف معك في الرأي، ولكني على استعداد لأدافع حتى الموت عن حقك في التعبير عن رأيك".

وكُلنا يعلم أيضاً بأن الوطنية هي هذا الشعور العميق الذي يحدو صاحبه إلى مؤاخاة جميع الناس، لأنهم يشاركونه في مُثُلٍ عليا يُقدسها وهي تستلزم حقوقاً وواجبات. فما الذي تغيَّر هكذا فجأة حتى ضاقت الأرض على أهلها؟ فأصبح الواحد منّا مثل طائر وحيد، أضاع اتجاهه، وها هو بلا عشّ، يحطُّ منكمشاً، على غصن أجرد يابس، يضايقه البقاء هنا، ولكن إلى أين يطير؟ ماذا حدث بين ليلة وضُحاها حتى فقدت الطيور أعشاشها وتاهت عن أشجارها؟ خربت الأرض وتغيرت معالمها، نكَّست الأزهار تيجانها بذلّ تاركة لرائحة الموت والحرائق الخانقة تلوين المدى. سمعت الغربان وعصائب البوم بهذا الخراب فتوافدت جماعات تتلو جماعات، وأخذت تنعق وتنعب مُمجّدة المذبحة. كانت بلادنا تتسع لمن يُغني كما تتسع لمن يُصلي. كيف انقلب المناخ العام وتغيرت درجات الحرارة على المقياس الوطني؟

وكيف بدأ هذا القحط في الوجدان الذي ضرب مساحة الوطن سبع سنين عجافاً؟ تسونامي من الرعب والخوف ضرب المشهد السوري، فاستيقظ على لوحة سريالية من لوحات سلفادور دالي.

تعود بي الذاكرة إلى لوحة أخرى حيَّة نضرة في ألوانها أواخر العقد السادس من القرن العشرين من خلال شخصية جدي الذي عاش ومات فلاحاً مرابعاً، وقد كنتُ قريباً منه في تلك الأيام قبل سنّ المدرسة، أذهب في أول فصل الصيف لمعاونته في شتل البندورة. كان الفلاح السوري يعيش ويحرص على أن لا تتجاوز مطالبه ما يمكن تحقيقه. يأكل خبزاً من حنطته وسمناً وجبناً ولبناً من بقراته وعنزاته الشامية، أو نعاجه العواس، ويأكل زيتوناً ودبساً وعسلاً إن توفر، ويحرص على مؤونة الشتاء من تين وزبيب وجوز ولوز وقمر الدين وملبن ودبس العنب، ويخفي عن أعين الثقلاء عرقه ونبيذه. وتعود بي الذاكرة أيضاً إلى العلّامة عبد الله بن محمد البدري، الذي عاش في الشام في القرن الرابع عشر من ميلاد السيد المسيح، إذ يُخبرنا في كتابه "نزهة الأنام في محاسن الشام" بأن أصحاب البساتين في ربوع الشام كانوا يضعون الفاكهة المتنوعة في أجران حجرية ضخمة على أبواب البساتين، ومن يحتاج من أبناء السبيل يأخذ منها حاجته.

وفي الشمال كان الفلاح السوري يزرع أشجاراً مثمرة: تين، رمان، لوز، جوز، مشمش، خوخ، سفرجل، زعرور، فستق حلبي، للفقراء والمساكين يعرفونها بالتكرار، وغالباً ما تزرع قرب الطرقات ليسهل تناولها. وكان جدي عثمان دحنون - رحمه الله - يستأجر الأرض ويأخذ ربع إنتاجها، ومع ذلك يحمل من حصته من ثمر التين والعنب وخضار الصيف إلى بيوت الفقراء والمساكين.

شعور المواطنة هذا كان مشتركاً عندنا، له قيمة وجدانية وفكرية وأخلاقية عالية تستوجب الدفاع عنها من أجل مصلحة الشعب، كل الشعب. وقد ربطنا الوطنية بالأخلاق الإيجابية التي تتطلب الجرأة والإقدام والعمل، والنهي عن التفرقة في المجتمع، والسعي لنقد الأخطاء وتقويم الاعوجاج وبث روح العدالة في الأفراد. فمن لا يستطيع أن يقول لأهل الظلم والعسف: كفّوا! فهو عبد فاقد لحريته، والمعتقل الحقيقي هو من اعتُقل لسانه عن قول الحق، والحر الحقيقي هو من يقول كلمة الحق، ولو كان قابعاً وراء القضبان.

إن الوطنية الحقة التي تلتزم الوجدان الجمعي لا تعني التقوقع على الإطلاق، ولا التمترس خلف الأوهام القومية أو الدينية أو العقائدية، التي تؤدي بدورها إلى الفاشية المقيتة. أعتقد أن الحميّة والحماسة والشعور الوطني الوقاد هي الدافع الحقيقي الذي يُساهم في الجمع ما بين الغيرة الوطنية والمعرفة المستنيرة والممارسة الهادفة إلى تحرير الإنسان والوطن، وتحرير العقل والفكر من الأوهام، والبحث عن أنجع السبل لتحقيق هذه الأهداف النبيلة. وفي الحق أن سهولة الاتصال بين أفراد الوطن الواحد أصبحت المعيار الحقيقي لقياس وطنية هذا الفرد، ومدى صحوة وجدانه حتى يرى بلاده تُعانق السُّحبا.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: قاسيون دمشق عبد الرزاق دحنون الوطنية العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 21 أغسطس 2019 | عُثر في حجرة مجاورة للمكتبة على رقم طينية وعلى جرة مملوءة بالطين وبعض أدوات الكتابة - أقلام من العظم - مما يُثبت أن هذه الحجرة كانت تُستخدم لكتابة الرقم الطينية..
    • مشاركة
  • 3 أغسطس 2019 | هل بوسع الإنسان، في حال غياب الجسارة الفكرية والروحية والأخلاقية، أن يستمر في استكشاف المعنى النهائي للوجود والحقائق وتصحيح بعضها أم أنه يفضي به الأمر في نهاية المطاف إلى الوقوع في الانحراف أو الخرافة؟
    • مشاركة
  • 28 يوليو 2019 | هل وقف فيلسوف المعرة موقفاً صريحاً من حُكّام عصره؟ أزعم، نعم، فأنت تجد فيما وصل إلينا من آثاره ما يدل على مذهبه في هذه المسألة. فقد سخط على ما رأى من ظلم الملوك والأمراء
    • مشاركة
  • 22 يوليو 2019 | أجمع المؤرخون الذين ترجموا حياة فيلسوف المعرة وعصره، أن حادثة سياسية كانت بينه وبين صالح بن مرداس أمير بني كلاب، جرت وقائعها في معرة النعمان،
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل