alaraby-search
الثلاثاء 06/08/2019 م (آخر تحديث) الساعة 01:53 بتوقيت القدس 22:53 (غرينتش)
الطقس
errors

خيري شلبي وناصريّو المنّ والأذى!

6 أغسطس 2019

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة
لا يمكن لكاتب أن يضيع فرصة لإثبات وجهة نظره، لكن ربما كان ينبغي أن يجتهد الكاتب بعض الشيء لإثبات وجهة نظره، فيقرأ لمن يستشهد بهم، بدلاً من أن يستشهد بهم "عمياني"، فقط لكي يثبت أن هناك أسماء كبيرة تشاركه في وجهة نظره، التي كان يمكن أن يجتهد في إثباتها دون الحاجة إلى مساندة من "مشاهير" يعتقد أنهم يمثلون سطوة معنوية لدى قرائه؟

قلت ذلك لنفسي، حين قرأت مُعلّقة رَزَعها صديق قديم على حائطه الفيسبوكي، يهاجم فيها بضراوة بعض الذين انتقدوا ثورة يوليو/تموز 1952 في ذكراها التعيسة الماضية، وكالعادة لجأ صديقي إلى حجة الناصريين المفضلة في المَنّ على فقراء المصريين الذين أغنتهم الثورة وعلمتهم وعالجتهم، ولم تتركهم حفاة عراة يرعون الشاء ويأكلون ورق الشجر، وهي حجة بليدة تشكل جوهر العقلية السلطوية التي تتخفى خلف القناع الناصري حيناً وخلف القناع الساداتي حيناً، بل إنها تتخفى خلف القناع المباركي في صيغة "ما كنا عايشين وراضيين" الأتعس. وفي الطبعات المختلفة لتلك الفكرة السلطوية، على المواطن أن يرفع شعار "كل واشكر" لأنه حصل على أبسط حقوقه، حتى لو كان ما حصل عليه ليس سوى الفتات الذي تناثر من موائد السلطة العامرة بالمكاسب والمغانم، وليس عليه بعد ذلك إلا أن يُسبّح بحمد الحاكم الذي أطعمه من جوع وآمنه من خوف، دون أن يحاسب الحاكم على الفرص التي أهدرها والهزائم التي تسبب فيها والكوارث التي ورّثها لمن بعده.

المشكلة هذه المرة أن صديقي قرر أن يرهب قراءه بالإشارة إلى أسماء بعض الكتاب "الأوفياء الذين حفظوا للثورة المجيدة الجميل"، فلم يقصروا في التسبيح بحمدها، ولم يتورطوا في جريمة محاسبتها ونقدها، كما فعل غيرهم من المارقين، وكان من الطبيعي أن يكون أغلب من استشهد بهم من أسياخ الناصرية المنتمين إلى "رابطة ناصريّو المنّ والأذى"، والذين يعتقدون أن أي مكسب أو حق حصل عليه المصريون في الفترة الناصرية، جميل وإحسان، يجب ألّا يكتفوا عليه بشكر عبد الناصر، بل يجب أن يلعنوا سنسفيل من يهاجمه أو يطالب بحقه في نقد سياسات عبد الناصر وقراراته التي أفضت بمصر إلى ما صارت عليه، حتى لو فعل ذلك دون أن يقع في فخ الحنين الكاذب إلى زمن الملكية الذي لم يكن جميلاً كما يتصور البعض، ودون أن يردد التشنيعات البلهاء التي تصور عبد الناصر بوصفه عدواً للإسلام جنده الاتحاد السوفييتي الشيوعي، أو عميلاً زرعه اليهود في جسم الأمة العربية منذ أن تربى معهم في حارة اليهود، وما إلى ذلك من ترهات لا يكف كثير من أنصار جماعة الإخوان عن ترديدها عمّال على بطّال، ليساهموا في تسميم أجواء أي نقاش حقيقي عن حقيقة ما جرى في العهد الناصري، وكيف تأثرت به أحوالنا حتى الآن، والأهم كيف يمكننا الخلاص من تبعات هذا الإرث الثقيل؟  

مع أولئك الكتاب الذين وصفهم صديقي بأنهم حماة تراث عبد الناصر، والذين يجب أن يقتدي بهم الكتاب المتأثرون بالدعاية الاستعمارية والذين يقفون ضد الرجل الوحيد الذي أنصف أهاليهم الفقراء والغلابة، وضع صديقي اسم الكاتب الكبير خيري شلبي، مع أنه لو كان قد أجهد نفسه في قراءة كتب أستاذنا خيري شلبي، وأغلبها متاح على شبكة الإنترنت، لأدرك خطأ استشهاده بخيري شلبي، وسأضرب له مثلاً واحداً فقط من كتاب (أوراق البنفسج)، وهو من الكتب القليلة التي جمع فيها العم خيري مقالاته التي يعتز بها من بين آلاف المقالات التي كتبها في عشرات الصحف والمجلات، وقد نُشِر الكتاب في سلسلة (كتاب الهلال) في حياة الأستاذ خيري، في فترة كانت نغمة تمجيد الفترة الناصرية قد تصاعدت ووصلت إلى واحدة من ذراها العالية، وسأحيل صديقي بالتحديد إلى صفحة رقم 40 التي يقول فيها خيري شلبي ما نصه:

"ورغم أن حركة يوليو التي انتحلت الثورة قد نطحت مؤسسات الدولة كلها نطح الكباش الهائجة فزعزعت استقرارها وزلزلت الأرض من تحتها حيث أطيح برؤوس عبقرية دونما ذنب جنته، وتبوأ السفلة الأدنياء مراكزهم بدلا منهم، وبذريعة تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة ـ بشرعية ثورية مغتصبة ـ فُرِّغت المؤسسات كلها من العقول النيرة ومن أصحاب الرأي المناهض لعسكرة حكم البلاد، ناهيك عن خوف وفزع ضربت أطنابهما على مساحات عريضة جدا من نفوس الشعب المصري الذي تم عزله وتعطيل عقول جميع أبنائه عن العمل والاجتهاد بعد ضم الجميع قسرا إلى عضوية الحزب الواحد.

ولسنا هنا بسبيل التأريخ لذلك التنين الخرافي الذي جثم على صدر مصر طوال خمسة وخمسين عاماً دمرت خلالها نفسية المواطنين وفكرة المواطنة من أساسها، إنما أنا بسبيل التأريخ للعرق الإنساني المصري المقدس، العرق الذي يسفحه رجال أصلاء هيهات أن تموت فيهم روح المواطنة أو يضمحل الشعور بالمسؤولية مهما تعرضوا للقهر والأذى. إنهم في العصور الاستبدادية الكابوسية الظلماء يأخذون مواقع البدر والنجوم في سمائنا المدلهمة، فإذا نورهم يسري في الأفئدة قبل أن يطاول افتقادهم للبدر المحجوب وراء البزّات العسكرية الخفاشية، في ظل القهر والاستبداد كان هناك رجال عظماء في كل الأماكن والمجالات آثروا أن يقاوموا بالسلاح الذي يجيدون استخدامه: سلاح الفن والعلم والتربية، آثروا تأدية واجبهم التربوي بأساليب من الأنشطة الثقافية المتنوعة كتعويض يملأ الفراغ السياسي الذي ران على الجامعات فأصبح الاشتغال بالسياسة أو حتى مجرد الاهتمام بها يقود إلى غياهب السجون وربما الموت".

بالطبع، يمكن أن تختلف مع كل ما كتبه الأستاذ خيري شلبي في هذا المقال، وتكتفي بمحبة ما أعجبك من كتاباته الإبداعية المتنوعة، يمكن أن تفعل مثلاً مثلما فعل بعض المعلقين عند صديقي، فتختلف مع المقال القصير الذي كتبه الأستاذ خيري في صحيفة (الأهرام) في مديح حسني مبارك، بعد أن دُعي إلى لقاء مبارك بعدد محدود من الكتاب في سنته الأخيرة في الحكم، لكنك ستكون ظالماً إن اختزلت مشوار الأستاذ خيري الحافل وعطاءه الكبير في موقف وحيد قام بمراجعته حين أعلن تأييده لثورة يناير منذ أول لحظة، وقد كان بالتأكيد واحداً من الذين أثّروا في وجدان الملايين الذين شاركوا فيها وانحازوا إليها.

يمكن أيضاً أن تختلف مع استخدام الأستاذ خيري في السطور السابقة لتعبير "العرق المصري المقدس"، فترفضه، أو تعتبره مجرد مبالغة دراماتيكية من كاتب أحرق قلبه أن يرى ما وصلت إليه بلاده التي حلم بخلاصها، وأوجعه أن يشهد العديد من التجارب المريرة التي خاضها الكثير من العظماء والموهوبين، الذين دفعوا ثمناً غالياً من أعمارهم وأرزاقهم وأمانهم وصحتهم، ليس فقط لأنهم عارضوا نظام عبد الناصر، بل أحياناً لأنهم لم يؤيدوه بالشكل الكافي الذي يرضي ضباطه الذين زرعهم في جميع مواقع المسؤولية، وهو ما أشار إليه الأستاذ خيري أيضاً في العديد من قصصه ورواياته الجميلة، قبل أن يعود للإشارة إليه في هذه السطور المليئة بالغضب والحزن، والتي اختار أن ينشرها في سنواته الأخيرة كشهادة على الفترة الناصرية التي عاش أحلامها وكوابيسها، ربما ليكفر عن إحسانه الظن بها في السابق، وتصوره أن خيراً يمكن أن يرتجى من ضباطها عديمي الموهبة والخيال.

على أية حال، لا أطمع في أن يخفف صديقي المتحمس من لهجته الحادة تجاه كل من ينتقد سياسات عبد الناصر، فإذا لم يكن قد أدرك بعد كل ما حدث لبعض أصدقائه المعارضين من تنكيل وقمع، أن نظام السيسي عاد ليكرر السياسات الأمنية القمعية التي ابتدعها نظام عبد الناصر، والتي لم تجلب للبلاد إلا الانحطاط والتردي، فلا أتوقع أن كلمات خيري شلبي ستؤثر فيه، بل ستدفعه فقط لاستبعاد الأستاذ خيري من قائمة من يستخدمهم كنماذج للكتاب الذين يستحقون وصفهم بأنهم شرفاء وأحرار، فقط لأنهم يعرفون قيمة عبد الناصر جيداً، فصديقي الذي بدأت كراهيته لعبد الفتاح السيسي متأخراً وعلى استحياء بعد بيعه لجزيرتي تيران وصنافير، ثم تضاعفت بعد سياساته الاقتصادية الساحقة لأغلبية المصريين، لا زال حتى الآن يعتقد أن عبد الناصر لم يكن مخطئاً في سحقه لحريات المصريين وحقوقهم السياسية، لأنه كان يحاول بناء دولة قوية وحديثة تضمن حقوق المصريين الاقتصادية والاجتماعية، مع أن أنصار السيسي يستخدمون نفس المنطق لتبرير سحق زعيمهم المفدى لحريات المصريين وحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يثير سخرية صديقي الذي يتسع تفكيره السياسي، للعديد من الطرق المزدوجة التي تتجاور فيها المعاني ونقائضها دون أدنى مشكلة.

كل ما أتمناه ألا يقوم صديقي بضم أستاذنا خيري شلبي إلى قائمة الكتاب "اللا أحرار" الذين يهاجمهم كلما انتقدوا عبد الناصر وحكمه العسكري، فيتهمهم بالانسحاق أمام الأسرة المالكة، والإصابة بعقدة النقص التي تجعلهم يفضلون الاحتلال على الاستقلال، أو يسخر من محاولتهم التشبه بذوي الدماء الزرقاء، مع أنهم من أولاد الفقراء الذين علمتهم الثورة كيف يستحمّون ويسيرون على قدمين، ولعله إن وسوس إليه الشيطان بذلك، يستعين عليه بأن يقرأ شيئاً لخيري شلبي بجد، أو يقرأ عنه، لكي لا يرتكب هذه الفعلة التي ستكون أكثر حمقاً ووقاحة من سابقتها، ومن يدري ربما دفعه ما حدث إلى توسيع دائرة قراءاته السياسية والتاريخية، فتتحقق حينها المعجزة، ولا أعني بالمعجزة هنا أن يرفض صديقي الاستبداد أياً كان مصدره ومهما كانت نوايا المستبدين حسنة، بل أعني بها أن يعتبر صديقي أن ما حصل عليه كثير من المصريين في عهد عبد الناصر من حقوق وامتيازات، لم يكن صدقة أخرجها عبد الناصر من جيبه، بل كان جزءاً مما يحلمون به، وأقل بكثير مما كانوا يستحقونه.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 14 نوفمبر 2019 | يعني، كنا على وشك أن تنظر إلينا الحاجّة أم عادل من فوق لتحت ونحن واقفان على عتبتها، وتقول لنا بأداء أفلام الأبيض والأسود: "القانون لا يحمي المغفلين يا حضرات".
    • مشاركة
  • 13 نوفمبر 2019 | أتحدث عن مسرحية (700 يوم أحد) التي كتبها وقام ببطولتها منفرداً على خشبة المسرح النجم الكوميدي بيلي كريستال، الذي أحبه الملايين ممثلاً سينمائياً وتلفزيونياً، ومخرجاً ومؤلفاً ومنتجاً سينمائياً.
    • مشاركة
  • 12 نوفمبر 2019 | يواصل المخرج الكبير كمال الشيخ حكاية المحطة الأولى في رحلته مع السينما، والتي بدأت في أروقة ستديو مصر، بعد أن قام الرائد السينمائي أحمد سالم بإحالته إلى قسم المونتاج على عكس ما كان يتمنى..
    • مشاركة
  • 11 نوفمبر 2019 | بفضل المخرج الكبير كمال الشيخ بدأت أفكر قبل أكثر من عشرين عاماً في إجراء حوارات مطولة مع صناع السينما المصرية، يتحدثون فيها عن تجاربهم السينمائية باستفاضة، بعيداً عما كان سائداً وقتها في الصحافة..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة

خيري شلبي وناصريّو المنّ والأذى!

6 أغسطس 2019

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة
لا يمكن لكاتب أن يضيع فرصة لإثبات وجهة نظره، لكن ربما كان ينبغي أن يجتهد الكاتب بعض الشيء لإثبات وجهة نظره، فيقرأ لمن يستشهد بهم، بدلاً من أن يستشهد بهم "عمياني"، فقط لكي يثبت أن هناك أسماء كبيرة تشاركه في وجهة نظره، التي كان يمكن أن يجتهد في إثباتها دون الحاجة إلى مساندة من "مشاهير" يعتقد أنهم يمثلون سطوة معنوية لدى قرائه؟

قلت ذلك لنفسي، حين قرأت مُعلّقة رَزَعها صديق قديم على حائطه الفيسبوكي، يهاجم فيها بضراوة بعض الذين انتقدوا ثورة يوليو/تموز 1952 في ذكراها التعيسة الماضية، وكالعادة لجأ صديقي إلى حجة الناصريين المفضلة في المَنّ على فقراء المصريين الذين أغنتهم الثورة وعلمتهم وعالجتهم، ولم تتركهم حفاة عراة يرعون الشاء ويأكلون ورق الشجر، وهي حجة بليدة تشكل جوهر العقلية السلطوية التي تتخفى خلف القناع الناصري حيناً وخلف القناع الساداتي حيناً، بل إنها تتخفى خلف القناع المباركي في صيغة "ما كنا عايشين وراضيين" الأتعس. وفي الطبعات المختلفة لتلك الفكرة السلطوية، على المواطن أن يرفع شعار "كل واشكر" لأنه حصل على أبسط حقوقه، حتى لو كان ما حصل عليه ليس سوى الفتات الذي تناثر من موائد السلطة العامرة بالمكاسب والمغانم، وليس عليه بعد ذلك إلا أن يُسبّح بحمد الحاكم الذي أطعمه من جوع وآمنه من خوف، دون أن يحاسب الحاكم على الفرص التي أهدرها والهزائم التي تسبب فيها والكوارث التي ورّثها لمن بعده.

المشكلة هذه المرة أن صديقي قرر أن يرهب قراءه بالإشارة إلى أسماء بعض الكتاب "الأوفياء الذين حفظوا للثورة المجيدة الجميل"، فلم يقصروا في التسبيح بحمدها، ولم يتورطوا في جريمة محاسبتها ونقدها، كما فعل غيرهم من المارقين، وكان من الطبيعي أن يكون أغلب من استشهد بهم من أسياخ الناصرية المنتمين إلى "رابطة ناصريّو المنّ والأذى"، والذين يعتقدون أن أي مكسب أو حق حصل عليه المصريون في الفترة الناصرية، جميل وإحسان، يجب ألّا يكتفوا عليه بشكر عبد الناصر، بل يجب أن يلعنوا سنسفيل من يهاجمه أو يطالب بحقه في نقد سياسات عبد الناصر وقراراته التي أفضت بمصر إلى ما صارت عليه، حتى لو فعل ذلك دون أن يقع في فخ الحنين الكاذب إلى زمن الملكية الذي لم يكن جميلاً كما يتصور البعض، ودون أن يردد التشنيعات البلهاء التي تصور عبد الناصر بوصفه عدواً للإسلام جنده الاتحاد السوفييتي الشيوعي، أو عميلاً زرعه اليهود في جسم الأمة العربية منذ أن تربى معهم في حارة اليهود، وما إلى ذلك من ترهات لا يكف كثير من أنصار جماعة الإخوان عن ترديدها عمّال على بطّال، ليساهموا في تسميم أجواء أي نقاش حقيقي عن حقيقة ما جرى في العهد الناصري، وكيف تأثرت به أحوالنا حتى الآن، والأهم كيف يمكننا الخلاص من تبعات هذا الإرث الثقيل؟  

مع أولئك الكتاب الذين وصفهم صديقي بأنهم حماة تراث عبد الناصر، والذين يجب أن يقتدي بهم الكتاب المتأثرون بالدعاية الاستعمارية والذين يقفون ضد الرجل الوحيد الذي أنصف أهاليهم الفقراء والغلابة، وضع صديقي اسم الكاتب الكبير خيري شلبي، مع أنه لو كان قد أجهد نفسه في قراءة كتب أستاذنا خيري شلبي، وأغلبها متاح على شبكة الإنترنت، لأدرك خطأ استشهاده بخيري شلبي، وسأضرب له مثلاً واحداً فقط من كتاب (أوراق البنفسج)، وهو من الكتب القليلة التي جمع فيها العم خيري مقالاته التي يعتز بها من بين آلاف المقالات التي كتبها في عشرات الصحف والمجلات، وقد نُشِر الكتاب في سلسلة (كتاب الهلال) في حياة الأستاذ خيري، في فترة كانت نغمة تمجيد الفترة الناصرية قد تصاعدت ووصلت إلى واحدة من ذراها العالية، وسأحيل صديقي بالتحديد إلى صفحة رقم 40 التي يقول فيها خيري شلبي ما نصه:

"ورغم أن حركة يوليو التي انتحلت الثورة قد نطحت مؤسسات الدولة كلها نطح الكباش الهائجة فزعزعت استقرارها وزلزلت الأرض من تحتها حيث أطيح برؤوس عبقرية دونما ذنب جنته، وتبوأ السفلة الأدنياء مراكزهم بدلا منهم، وبذريعة تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة ـ بشرعية ثورية مغتصبة ـ فُرِّغت المؤسسات كلها من العقول النيرة ومن أصحاب الرأي المناهض لعسكرة حكم البلاد، ناهيك عن خوف وفزع ضربت أطنابهما على مساحات عريضة جدا من نفوس الشعب المصري الذي تم عزله وتعطيل عقول جميع أبنائه عن العمل والاجتهاد بعد ضم الجميع قسرا إلى عضوية الحزب الواحد.

ولسنا هنا بسبيل التأريخ لذلك التنين الخرافي الذي جثم على صدر مصر طوال خمسة وخمسين عاماً دمرت خلالها نفسية المواطنين وفكرة المواطنة من أساسها، إنما أنا بسبيل التأريخ للعرق الإنساني المصري المقدس، العرق الذي يسفحه رجال أصلاء هيهات أن تموت فيهم روح المواطنة أو يضمحل الشعور بالمسؤولية مهما تعرضوا للقهر والأذى. إنهم في العصور الاستبدادية الكابوسية الظلماء يأخذون مواقع البدر والنجوم في سمائنا المدلهمة، فإذا نورهم يسري في الأفئدة قبل أن يطاول افتقادهم للبدر المحجوب وراء البزّات العسكرية الخفاشية، في ظل القهر والاستبداد كان هناك رجال عظماء في كل الأماكن والمجالات آثروا أن يقاوموا بالسلاح الذي يجيدون استخدامه: سلاح الفن والعلم والتربية، آثروا تأدية واجبهم التربوي بأساليب من الأنشطة الثقافية المتنوعة كتعويض يملأ الفراغ السياسي الذي ران على الجامعات فأصبح الاشتغال بالسياسة أو حتى مجرد الاهتمام بها يقود إلى غياهب السجون وربما الموت".

بالطبع، يمكن أن تختلف مع كل ما كتبه الأستاذ خيري شلبي في هذا المقال، وتكتفي بمحبة ما أعجبك من كتاباته الإبداعية المتنوعة، يمكن أن تفعل مثلاً مثلما فعل بعض المعلقين عند صديقي، فتختلف مع المقال القصير الذي كتبه الأستاذ خيري في صحيفة (الأهرام) في مديح حسني مبارك، بعد أن دُعي إلى لقاء مبارك بعدد محدود من الكتاب في سنته الأخيرة في الحكم، لكنك ستكون ظالماً إن اختزلت مشوار الأستاذ خيري الحافل وعطاءه الكبير في موقف وحيد قام بمراجعته حين أعلن تأييده لثورة يناير منذ أول لحظة، وقد كان بالتأكيد واحداً من الذين أثّروا في وجدان الملايين الذين شاركوا فيها وانحازوا إليها.

يمكن أيضاً أن تختلف مع استخدام الأستاذ خيري في السطور السابقة لتعبير "العرق المصري المقدس"، فترفضه، أو تعتبره مجرد مبالغة دراماتيكية من كاتب أحرق قلبه أن يرى ما وصلت إليه بلاده التي حلم بخلاصها، وأوجعه أن يشهد العديد من التجارب المريرة التي خاضها الكثير من العظماء والموهوبين، الذين دفعوا ثمناً غالياً من أعمارهم وأرزاقهم وأمانهم وصحتهم، ليس فقط لأنهم عارضوا نظام عبد الناصر، بل أحياناً لأنهم لم يؤيدوه بالشكل الكافي الذي يرضي ضباطه الذين زرعهم في جميع مواقع المسؤولية، وهو ما أشار إليه الأستاذ خيري أيضاً في العديد من قصصه ورواياته الجميلة، قبل أن يعود للإشارة إليه في هذه السطور المليئة بالغضب والحزن، والتي اختار أن ينشرها في سنواته الأخيرة كشهادة على الفترة الناصرية التي عاش أحلامها وكوابيسها، ربما ليكفر عن إحسانه الظن بها في السابق، وتصوره أن خيراً يمكن أن يرتجى من ضباطها عديمي الموهبة والخيال.

على أية حال، لا أطمع في أن يخفف صديقي المتحمس من لهجته الحادة تجاه كل من ينتقد سياسات عبد الناصر، فإذا لم يكن قد أدرك بعد كل ما حدث لبعض أصدقائه المعارضين من تنكيل وقمع، أن نظام السيسي عاد ليكرر السياسات الأمنية القمعية التي ابتدعها نظام عبد الناصر، والتي لم تجلب للبلاد إلا الانحطاط والتردي، فلا أتوقع أن كلمات خيري شلبي ستؤثر فيه، بل ستدفعه فقط لاستبعاد الأستاذ خيري من قائمة من يستخدمهم كنماذج للكتاب الذين يستحقون وصفهم بأنهم شرفاء وأحرار، فقط لأنهم يعرفون قيمة عبد الناصر جيداً، فصديقي الذي بدأت كراهيته لعبد الفتاح السيسي متأخراً وعلى استحياء بعد بيعه لجزيرتي تيران وصنافير، ثم تضاعفت بعد سياساته الاقتصادية الساحقة لأغلبية المصريين، لا زال حتى الآن يعتقد أن عبد الناصر لم يكن مخطئاً في سحقه لحريات المصريين وحقوقهم السياسية، لأنه كان يحاول بناء دولة قوية وحديثة تضمن حقوق المصريين الاقتصادية والاجتماعية، مع أن أنصار السيسي يستخدمون نفس المنطق لتبرير سحق زعيمهم المفدى لحريات المصريين وحقوقهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يثير سخرية صديقي الذي يتسع تفكيره السياسي، للعديد من الطرق المزدوجة التي تتجاور فيها المعاني ونقائضها دون أدنى مشكلة.

كل ما أتمناه ألا يقوم صديقي بضم أستاذنا خيري شلبي إلى قائمة الكتاب "اللا أحرار" الذين يهاجمهم كلما انتقدوا عبد الناصر وحكمه العسكري، فيتهمهم بالانسحاق أمام الأسرة المالكة، والإصابة بعقدة النقص التي تجعلهم يفضلون الاحتلال على الاستقلال، أو يسخر من محاولتهم التشبه بذوي الدماء الزرقاء، مع أنهم من أولاد الفقراء الذين علمتهم الثورة كيف يستحمّون ويسيرون على قدمين، ولعله إن وسوس إليه الشيطان بذلك، يستعين عليه بأن يقرأ شيئاً لخيري شلبي بجد، أو يقرأ عنه، لكي لا يرتكب هذه الفعلة التي ستكون أكثر حمقاً ووقاحة من سابقتها، ومن يدري ربما دفعه ما حدث إلى توسيع دائرة قراءاته السياسية والتاريخية، فتتحقق حينها المعجزة، ولا أعني بالمعجزة هنا أن يرفض صديقي الاستبداد أياً كان مصدره ومهما كانت نوايا المستبدين حسنة، بل أعني بها أن يعتبر صديقي أن ما حصل عليه كثير من المصريين في عهد عبد الناصر من حقوق وامتيازات، لم يكن صدقة أخرجها عبد الناصر من جيبه، بل كان جزءاً مما يحلمون به، وأقل بكثير مما كانوا يستحقونه.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 14 نوفمبر 2019 | يعني، كنا على وشك أن تنظر إلينا الحاجّة أم عادل من فوق لتحت ونحن واقفان على عتبتها، وتقول لنا بأداء أفلام الأبيض والأسود: "القانون لا يحمي المغفلين يا حضرات".
    • مشاركة
  • 13 نوفمبر 2019 | أتحدث عن مسرحية (700 يوم أحد) التي كتبها وقام ببطولتها منفرداً على خشبة المسرح النجم الكوميدي بيلي كريستال، الذي أحبه الملايين ممثلاً سينمائياً وتلفزيونياً، ومخرجاً ومؤلفاً ومنتجاً سينمائياً.
    • مشاركة
  • 12 نوفمبر 2019 | يواصل المخرج الكبير كمال الشيخ حكاية المحطة الأولى في رحلته مع السينما، والتي بدأت في أروقة ستديو مصر، بعد أن قام الرائد السينمائي أحمد سالم بإحالته إلى قسم المونتاج على عكس ما كان يتمنى..
    • مشاركة
  • 11 نوفمبر 2019 | بفضل المخرج الكبير كمال الشيخ بدأت أفكر قبل أكثر من عشرين عاماً في إجراء حوارات مطولة مع صناع السينما المصرية، يتحدثون فيها عن تجاربهم السينمائية باستفاضة، بعيداً عما كان سائداً وقتها في الصحافة..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة