alaraby-search
الجمعة 30/08/2019 م (آخر تحديث) الساعة 21:33 بتوقيت القدس 18:33 (غرينتش)
الطقس
errors

أنظر إلى البحر بمداه الشاسع

30 أغسطس 2019

نبذة عن المدون

هدى فنصة
مدوّنة
مهندسة معمارية سورية. حاصلة على ماجستير في العلوم، اختصاص البناء والتصميم العمراني في التنمية من "وحدة تخطيط التنمية" في كلية لندن الجامعية UCL، بالإضافة إلى درجة الماجستير التأهيلي في هندسة المدن، تنمية المدن المستدامة من سورية وفرنسا.
الأكثر مشاهدة

أنظر إلى البحر بمداه الشاسع، وأجد نفسي أبتسم للأفق ولطيور النورس، تتقاذف الأمواج العبّارة التي تنقلنا عبر بحر المانش، مبحرة بنا في طريق العودة إلى مرفأ نيو هيفن. أستنشق هواءً بحرياً نقياً بملء رئتي، يعكر صفوه رائحة الوقود، لكني لا أهتم، أعود فأتنفس بسرعة وأنا أبتسم. يجذبني صفاء في أذنيّ لم أعهده منذ زمن، صوت الموج فقط يعلوه طبعاً صوت المحرك. 

لكن ذلك لم يثنِني عن البقاء على سطحها، تعبث الريح بخصل شعري المجعد وأحسّ بالامتنان، ممتنة لقدرتي على زيارة أماكن غير مطروقة، وعلى الابتعاد ولو لوقت قصير عن أسباب التوتر، ربما ممتنة على الأخص لقدرتي على الابتسام بغير سبب، فقد أضحى الابتسام سلعة صعبة الشراء، وخاصة لمن يعيش ظروفاً صعبة، السوريون منهم لهم حظوة في عدم القدرة على الاستمتاع بالحياة.

أقلب حساباتي على منصات الأخبار الاجتماعية أو كما يسمونها منصات التواصل الاجتماعي، والتواصل منها براء، فيعتصرني قلبي من كثرة الأخبار السيئة في كل مكان، وندرة ما يمكن تداوله على أنه خبر مفرح.

أخبار تفوق العرق الأبيض والعنصرية تجاه الآخرين في أميركا، وأخبار قمع التظاهرات السلمية في هونغ كونغ وهدم المساجد وسجن أقلية الإيغور المسلمة في مخيمات نائية في الصين، وقتل الهندوس للمسلمين في كشمير، ناهيك عن أخبار القتل والقصف والفساد واللامنطق في بلاد المشرق من سورية واليمن، وأخبار الجنون في البحرين والعراق ولبنان ومصر، التي لا أودّ الخوض في تفاصيلها لأنها ستجعلني في يأس مدقع. وفوق كل هذا أخبار احتراق الغابات المستمر في أمازون وجزر الكناري. 

نعيش في عالم جنوني تزداد فيه وتيرة اللاعقلانية بقوة، لا أدري أيها أكثر إثارة للأسى، تلك الأخبار السوداء وتأثيرها المباشر وغير المباشر على أنفسنا أم رؤية رجل متشرد في الشارع بعمر أبي يصارع الحياة من أجل البقاء وهو لا يجد ما يأكله.

لا أخفيكم سراً أن التأثير مضاعف إذا كانت امرأة بعمر أمي يبتعد عنها الناس من رائحتها النفاذة، ذاك مشهد يفطر قلبي ويعتصر الدموع في عينيّ، وأعود فأسأل نفسي، هل اقترب اليوم الآخر، حيث تنعدم الشفقة من قلوب الناس ولا يعلم المقتول بأي ذنب قتل!؟

في صغري لطالما انتظرت أن يصبح العالم أجمل، لكني كلما مضيت قدماً في هذه الحياة وجدت أن العالم دار للشقاء حقاً، وأنه لا مكان لنا نحن الأشقياء في جنة السعادة.

منذ بدأت قراءة رواية "1984" لجورج أورويل وأنا أرى العالم من خلال عدسة هذه الرواية، نظام واحد يحكم العالم، فقر مدقع، موالاة حمقاء عمياء للنظام الحاكم والأكثرية، مقتل العديد من الناس في حروب بروباغندا لإثبات وجهات نظر فقط، وسحق لأي أقلية تبصر نور المنطق والحق.

لا ألوم أحداً وألوم كل الناس، وشعورا اللوم والذنب يجرّاني إلى الثقب الأسود في الحياة، التي أستيقظ معها كل يوم بدون رغبة في الحياة أو الإحساس بفائدة أي شيء في هذه الدنيا، لذا تغدو القدرة على الابتسام من دون سبب نعمة لا يراها إلا فاقدها.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: هدى فنصة البحر أدب سوري جورج أورويل العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 12 يوليو 2019 | رأيت منشوراً لأحد الأصدقاء يتكلم عن فلسفة "إن لم تكن معي فأنت حكماً ضدي"، وكيف أنه لا يمكنك أن تكون مسانداً لأمر ما، ومنتقداً لجزئية فيه، بل عليك أن تكون منقاداً وراءه بشكل أعمى مليون في المائة.
    • مشاركة
  • 4 يوليو 2019 | رسالتي هذه، هي خواطر أردت تسجيلها لدى قراءتي لكتابات وقعت على قلبي في الصميم وسألت أسئلة ربما لن أستطيع مواجهة نفسي بها في يوم من الأيام. تقبلها بصدر رحب.
    • مشاركة
  • 28 يونيو 2019 | تتملكني سعادة غريبة من نوعها عندما أستمع إلى الموسيقى، هي صديقتي الحميمة منذ طفولتي، ألجأ إليها عند حزني وفرحي، بكائي وضحكي، حبي وكراهيتي.. ألمي وضعفي.. أعتبرها فقاعتي الحاضنة التي أعيش داخلها.
    • مشاركة
  • 22 يونيو 2019 | في صبيحة يوم أحد لندني بارد ولكنه مشرق، أيقظني شعوري بتقلص أصابع قدمي من شدة البرد الذي كنت أشعر به طوال الليلة الماضية، ذلك أنني كنت متعبة جداً من رحلة اليوم السابق إلى مدينة كامبردج
    • مشاركة

نبذة عن المدون

هدى فنصة
مدوّنة
مهندسة معمارية سورية. حاصلة على ماجستير في العلوم، اختصاص البناء والتصميم العمراني في التنمية من "وحدة تخطيط التنمية" في كلية لندن الجامعية UCL، بالإضافة إلى درجة الماجستير التأهيلي في هندسة المدن، تنمية المدن المستدامة من سورية وفرنسا.
الأكثر مشاهدة

أنظر إلى البحر بمداه الشاسع

30 أغسطس 2019

نبذة عن المدون

هدى فنصة
مدوّنة
مهندسة معمارية سورية. حاصلة على ماجستير في العلوم، اختصاص البناء والتصميم العمراني في التنمية من "وحدة تخطيط التنمية" في كلية لندن الجامعية UCL، بالإضافة إلى درجة الماجستير التأهيلي في هندسة المدن، تنمية المدن المستدامة من سورية وفرنسا.
الأكثر مشاهدة

أنظر إلى البحر بمداه الشاسع، وأجد نفسي أبتسم للأفق ولطيور النورس، تتقاذف الأمواج العبّارة التي تنقلنا عبر بحر المانش، مبحرة بنا في طريق العودة إلى مرفأ نيو هيفن. أستنشق هواءً بحرياً نقياً بملء رئتي، يعكر صفوه رائحة الوقود، لكني لا أهتم، أعود فأتنفس بسرعة وأنا أبتسم. يجذبني صفاء في أذنيّ لم أعهده منذ زمن، صوت الموج فقط يعلوه طبعاً صوت المحرك. 

لكن ذلك لم يثنِني عن البقاء على سطحها، تعبث الريح بخصل شعري المجعد وأحسّ بالامتنان، ممتنة لقدرتي على زيارة أماكن غير مطروقة، وعلى الابتعاد ولو لوقت قصير عن أسباب التوتر، ربما ممتنة على الأخص لقدرتي على الابتسام بغير سبب، فقد أضحى الابتسام سلعة صعبة الشراء، وخاصة لمن يعيش ظروفاً صعبة، السوريون منهم لهم حظوة في عدم القدرة على الاستمتاع بالحياة.

أقلب حساباتي على منصات الأخبار الاجتماعية أو كما يسمونها منصات التواصل الاجتماعي، والتواصل منها براء، فيعتصرني قلبي من كثرة الأخبار السيئة في كل مكان، وندرة ما يمكن تداوله على أنه خبر مفرح.

أخبار تفوق العرق الأبيض والعنصرية تجاه الآخرين في أميركا، وأخبار قمع التظاهرات السلمية في هونغ كونغ وهدم المساجد وسجن أقلية الإيغور المسلمة في مخيمات نائية في الصين، وقتل الهندوس للمسلمين في كشمير، ناهيك عن أخبار القتل والقصف والفساد واللامنطق في بلاد المشرق من سورية واليمن، وأخبار الجنون في البحرين والعراق ولبنان ومصر، التي لا أودّ الخوض في تفاصيلها لأنها ستجعلني في يأس مدقع. وفوق كل هذا أخبار احتراق الغابات المستمر في أمازون وجزر الكناري. 

نعيش في عالم جنوني تزداد فيه وتيرة اللاعقلانية بقوة، لا أدري أيها أكثر إثارة للأسى، تلك الأخبار السوداء وتأثيرها المباشر وغير المباشر على أنفسنا أم رؤية رجل متشرد في الشارع بعمر أبي يصارع الحياة من أجل البقاء وهو لا يجد ما يأكله.

لا أخفيكم سراً أن التأثير مضاعف إذا كانت امرأة بعمر أمي يبتعد عنها الناس من رائحتها النفاذة، ذاك مشهد يفطر قلبي ويعتصر الدموع في عينيّ، وأعود فأسأل نفسي، هل اقترب اليوم الآخر، حيث تنعدم الشفقة من قلوب الناس ولا يعلم المقتول بأي ذنب قتل!؟

في صغري لطالما انتظرت أن يصبح العالم أجمل، لكني كلما مضيت قدماً في هذه الحياة وجدت أن العالم دار للشقاء حقاً، وأنه لا مكان لنا نحن الأشقياء في جنة السعادة.

منذ بدأت قراءة رواية "1984" لجورج أورويل وأنا أرى العالم من خلال عدسة هذه الرواية، نظام واحد يحكم العالم، فقر مدقع، موالاة حمقاء عمياء للنظام الحاكم والأكثرية، مقتل العديد من الناس في حروب بروباغندا لإثبات وجهات نظر فقط، وسحق لأي أقلية تبصر نور المنطق والحق.

لا ألوم أحداً وألوم كل الناس، وشعورا اللوم والذنب يجرّاني إلى الثقب الأسود في الحياة، التي أستيقظ معها كل يوم بدون رغبة في الحياة أو الإحساس بفائدة أي شيء في هذه الدنيا، لذا تغدو القدرة على الابتسام من دون سبب نعمة لا يراها إلا فاقدها.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: هدى فنصة البحر أدب سوري جورج أورويل العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 12 يوليو 2019 | رأيت منشوراً لأحد الأصدقاء يتكلم عن فلسفة "إن لم تكن معي فأنت حكماً ضدي"، وكيف أنه لا يمكنك أن تكون مسانداً لأمر ما، ومنتقداً لجزئية فيه، بل عليك أن تكون منقاداً وراءه بشكل أعمى مليون في المائة.
    • مشاركة
  • 4 يوليو 2019 | رسالتي هذه، هي خواطر أردت تسجيلها لدى قراءتي لكتابات وقعت على قلبي في الصميم وسألت أسئلة ربما لن أستطيع مواجهة نفسي بها في يوم من الأيام. تقبلها بصدر رحب.
    • مشاركة
  • 28 يونيو 2019 | تتملكني سعادة غريبة من نوعها عندما أستمع إلى الموسيقى، هي صديقتي الحميمة منذ طفولتي، ألجأ إليها عند حزني وفرحي، بكائي وضحكي، حبي وكراهيتي.. ألمي وضعفي.. أعتبرها فقاعتي الحاضنة التي أعيش داخلها.
    • مشاركة
  • 22 يونيو 2019 | في صبيحة يوم أحد لندني بارد ولكنه مشرق، أيقظني شعوري بتقلص أصابع قدمي من شدة البرد الذي كنت أشعر به طوال الليلة الماضية، ذلك أنني كنت متعبة جداً من رحلة اليوم السابق إلى مدينة كامبردج
    • مشاركة

نبذة عن المدون

هدى فنصة
مدوّنة
مهندسة معمارية سورية. حاصلة على ماجستير في العلوم، اختصاص البناء والتصميم العمراني في التنمية من "وحدة تخطيط التنمية" في كلية لندن الجامعية UCL، بالإضافة إلى درجة الماجستير التأهيلي في هندسة المدن، تنمية المدن المستدامة من سورية وفرنسا.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل