alaraby-search
الخميس 04/07/2019 م (آخر تحديث) الساعة 22:51 بتوقيت القدس 19:51 (غرينتش)
الطقس
errors

عندما كانت أمي صغيرة

4 يوليو 2019

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة
في تلك الأيام العجاف من أعوام الحرب العالمية الثانية كانت بلاد الشام تعيش ضائقة اقتصادية ضنكة أصابت البشر والحيوان في مقتل..

كانت أمي عيوش دهنين فتاة في الثامنة أو التاسعة من عمرها تخرج آنذاك مع أهلها الذين يعملون في الزراعة إلى براري مدينة إدلب في الشمال السوري لقطاف ثمار الزيتون من كرومهم وبساتينهم. أو "حواش الزيتون" كما يقال عندنا في إدلب، وهي من كلمة "الحَشُّ" بفتح الحاء وضمها أي البستان، والجمع حُشُوش.

عيوش دهنين 


كان والدها مصطفى دهنين -جدي لأمي- قد أنجب العديد من الأولاد، توفي بعضهم وعاش منهم من لم تقتله الشِّدة. تُرافق أمي عائلتها الكادحة في عملها المُضني في السراء والضراء على صغر سنها.


تلك الأيام كان على الجميع أن يعمل لتأمين لقمة العيش. وكانت هذه اللقمة مغمسة بزيت الزيتون ورشة ملح ونعناع أو كمّون وبصلة يابسة غالب الأوقات والحمد لله رب العالمين على نعمه الدائمة.

كان شتاء ذلك العام بارداً، وقطاف الزيتون لا يكون إلا في الشتاء، وقد كان شتاء تلك الأيام في بلاد الشام أشد برداً ومطراً وثلجاً من أيامنا هذه، حيث كان يصل سمك الثلج في بعض الأوقات إلى الزنار. فكان الفلاح يخرج إلى بساتين شجر الزيتون ويحمل بيده "مساساً" من عود الشجر لضرب الثلج المُتراكم على أشجار الزيتون دائم الخضرة حتى لا "تنشلخ" أغصانها وتتكسر من ثقل الثلج المتراكم عليها.

وتقول المرويات: في ليلة حالكة السواد من أواخر أعوام الأربعينات من القرن العشرين حدثت الفاجعة، استيقظ أهل المدينة على عاصفة ثلجية جاوز برودها الحد، فقد أصبح الثلج جليداً. لم يستطع شجر الزيتون الصمود في وجه عاصفة الجليد هذه، فيبس عوده حتى الجذور، واسودت أوراقه الخضراء. خسر الفلاحون آلاف أشجار الزيتون. ولكن الحياة لا توقفها كارثة مهما كانت عظيمة، قلع الفلاحون الأشجار اليابسة من شروشها للاستفادة من حطبها ونصبوا مكانها أشجاراً فتية في عمر السنة، وها نحن نأكل من ثمرها اليوم. وشاع عند أهل إدلب تأريخ الوقت بسنة يباس الزيتون.

أضاف هذا البرد عذاباً وكدراً وبؤساً فوق رؤوس الصغار، فعندما كانت أمي صغيرة في تلك البراري تبكي -فدتك نفسي يا أمي- من شيئين نَغّصا عيشها وكدره، البرد والزوّادة.. والزوّادة لمن لا يعلم، تتكون في غالب الأوقات من رغيفين مدهونين بالزيت والكمون من خبز الشعير ينتظرانها على الغداء، وخبز الشعير قاس في العلك لا تستسيغه حلوق الصغار، كأنه قطع مُكسّرة من فخار. ما العمل؟ على حدِّ قول لينين.

لا مشكل مع البرد وقيد الزيتون في متناول اليد، أما الشيء الآخر فكان لا بد من البكاء حتى يبادلها أحدهم خبزه بخبزها: رغيفان من خبزها الشعير برغيف من خبزه الحنطة.. رحم الله أمهاتنا جميعاً.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: سورية إدلب الأم العمل لقمة العيش الزيتون الذكريات العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 7 يوليو 2019 | كُنا نراقبها حين سقطت كتل الاسمنت تلك التي تزن أكثر من طنين، لا نراها حين سقوطها في الليل بل نسمع صوتها، ومن سمع ليس كمن رأى: كتلة اسمنتيَّة ساقطة من طائرة سمتيَّة حربيَّة تُحلِّق في سماء المدينة..
    • مشاركة
  • 3 يوليو 2019 | لما انصرف الإسكندر المقدوني عن الهند، ملَّك عليهم رجلاً من ثقاته، فلما بَعُد عن الهند بجيوشه، تغير الهنود عما كانوا عليه من طاعة الرجل..
    • مشاركة
  • 1 يوليو 2019 | تغمركَ دهشة الفرح وأنتَ تُشاهد لوحات التشكيلي السوري سمير حميدي المرسومة بحرفية فنان عالمي مغمور، هو الشعور ذاته الذي يتلبَّسكَ دوماً عندما تشاهد أعمالاً فنية تنمُّ عن ذوقٍ رفيع وموهبة هائلةٍ تنضح من إناءٍ معرفيٍّ لا ينضب.. رامبرانت مثلاً..
    • مشاركة
  • 20 يونيو 2019 | يُروى أن أبا سعيد المكفوف مؤدب ولد عبد الله بن طاهر قال: يا حبيب لم لا تقول من الشعر ما يُفهم؟ فأجاب حبيب: وأنت يا أبا سعيد لم لا تفهم من الشعر ما يقال؟..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة

عندما كانت أمي صغيرة

4 يوليو 2019

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة
في تلك الأيام العجاف من أعوام الحرب العالمية الثانية كانت بلاد الشام تعيش ضائقة اقتصادية ضنكة أصابت البشر والحيوان في مقتل..

كانت أمي عيوش دهنين فتاة في الثامنة أو التاسعة من عمرها تخرج آنذاك مع أهلها الذين يعملون في الزراعة إلى براري مدينة إدلب في الشمال السوري لقطاف ثمار الزيتون من كرومهم وبساتينهم. أو "حواش الزيتون" كما يقال عندنا في إدلب، وهي من كلمة "الحَشُّ" بفتح الحاء وضمها أي البستان، والجمع حُشُوش.

عيوش دهنين 


كان والدها مصطفى دهنين -جدي لأمي- قد أنجب العديد من الأولاد، توفي بعضهم وعاش منهم من لم تقتله الشِّدة. تُرافق أمي عائلتها الكادحة في عملها المُضني في السراء والضراء على صغر سنها.


تلك الأيام كان على الجميع أن يعمل لتأمين لقمة العيش. وكانت هذه اللقمة مغمسة بزيت الزيتون ورشة ملح ونعناع أو كمّون وبصلة يابسة غالب الأوقات والحمد لله رب العالمين على نعمه الدائمة.

كان شتاء ذلك العام بارداً، وقطاف الزيتون لا يكون إلا في الشتاء، وقد كان شتاء تلك الأيام في بلاد الشام أشد برداً ومطراً وثلجاً من أيامنا هذه، حيث كان يصل سمك الثلج في بعض الأوقات إلى الزنار. فكان الفلاح يخرج إلى بساتين شجر الزيتون ويحمل بيده "مساساً" من عود الشجر لضرب الثلج المُتراكم على أشجار الزيتون دائم الخضرة حتى لا "تنشلخ" أغصانها وتتكسر من ثقل الثلج المتراكم عليها.

وتقول المرويات: في ليلة حالكة السواد من أواخر أعوام الأربعينات من القرن العشرين حدثت الفاجعة، استيقظ أهل المدينة على عاصفة ثلجية جاوز برودها الحد، فقد أصبح الثلج جليداً. لم يستطع شجر الزيتون الصمود في وجه عاصفة الجليد هذه، فيبس عوده حتى الجذور، واسودت أوراقه الخضراء. خسر الفلاحون آلاف أشجار الزيتون. ولكن الحياة لا توقفها كارثة مهما كانت عظيمة، قلع الفلاحون الأشجار اليابسة من شروشها للاستفادة من حطبها ونصبوا مكانها أشجاراً فتية في عمر السنة، وها نحن نأكل من ثمرها اليوم. وشاع عند أهل إدلب تأريخ الوقت بسنة يباس الزيتون.

أضاف هذا البرد عذاباً وكدراً وبؤساً فوق رؤوس الصغار، فعندما كانت أمي صغيرة في تلك البراري تبكي -فدتك نفسي يا أمي- من شيئين نَغّصا عيشها وكدره، البرد والزوّادة.. والزوّادة لمن لا يعلم، تتكون في غالب الأوقات من رغيفين مدهونين بالزيت والكمون من خبز الشعير ينتظرانها على الغداء، وخبز الشعير قاس في العلك لا تستسيغه حلوق الصغار، كأنه قطع مُكسّرة من فخار. ما العمل؟ على حدِّ قول لينين.

لا مشكل مع البرد وقيد الزيتون في متناول اليد، أما الشيء الآخر فكان لا بد من البكاء حتى يبادلها أحدهم خبزه بخبزها: رغيفان من خبزها الشعير برغيف من خبزه الحنطة.. رحم الله أمهاتنا جميعاً.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: سورية إدلب الأم العمل لقمة العيش الزيتون الذكريات العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 7 يوليو 2019 | كُنا نراقبها حين سقطت كتل الاسمنت تلك التي تزن أكثر من طنين، لا نراها حين سقوطها في الليل بل نسمع صوتها، ومن سمع ليس كمن رأى: كتلة اسمنتيَّة ساقطة من طائرة سمتيَّة حربيَّة تُحلِّق في سماء المدينة..
    • مشاركة
  • 3 يوليو 2019 | لما انصرف الإسكندر المقدوني عن الهند، ملَّك عليهم رجلاً من ثقاته، فلما بَعُد عن الهند بجيوشه، تغير الهنود عما كانوا عليه من طاعة الرجل..
    • مشاركة
  • 1 يوليو 2019 | تغمركَ دهشة الفرح وأنتَ تُشاهد لوحات التشكيلي السوري سمير حميدي المرسومة بحرفية فنان عالمي مغمور، هو الشعور ذاته الذي يتلبَّسكَ دوماً عندما تشاهد أعمالاً فنية تنمُّ عن ذوقٍ رفيع وموهبة هائلةٍ تنضح من إناءٍ معرفيٍّ لا ينضب.. رامبرانت مثلاً..
    • مشاركة
  • 20 يونيو 2019 | يُروى أن أبا سعيد المكفوف مؤدب ولد عبد الله بن طاهر قال: يا حبيب لم لا تقول من الشعر ما يُفهم؟ فأجاب حبيب: وأنت يا أبا سعيد لم لا تفهم من الشعر ما يقال؟..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب سوري.. بدأ الكتابة عام 1980 في مجلة الهدف التي أسسها غسان كنفاني.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل