alaraby-search
الخميس 04/07/2019 م (آخر تحديث) الساعة 22:51 بتوقيت القدس 19:51 (غرينتش)
الطقس
errors

إشكالية السبق والأفضلية

4 يوليو 2019

نبذة عن المدون

كاتب مقال ومدون
الأكثر مشاهدة
إن واتتك الفرصة وزرت مكتبة جامعة وارسو البولندية، ستقف مبهوتًا أمام نصٍ بالعربية، على ارتفاع يتخطى عشرة أمتار، لنصٍ من كتاب "الحيوان" لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، ومنه قوله "والكتاب هو الذي إذا نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوَّد بنانك، وفخَّم ألفاظك".

والجاحظ أيقونة في عالم الأدب، جاء بعد أبي عمرو بن العلاء والفراهيدي ويونس بن حبيب والأصمعي، ودخل دنيا الأدب منافسًا لقامات سامقة، لكنه لم يرهب الأسماء الكبيرة، ولم يتخاذل أمام التحديات الرهيبة، وآمن أن السوق لم تكسد بعد، وأن الأقلام المميزة ستشق طريقها آجلًا أو عاجلًا إلى ساحة الخلود.

في إشكالية الأسبقية والأفضلية، يتذرع بعضهم بأن السوق تغص بالبضاعة، وأن لا مكان لهم في هذا الزحام الخانق، يطل علينا الجاحظ محدثًا نفسه وهؤلاء: (إذا سمعت الرجل يقول "ما ترك الأول للآخر"؛ فاعلم أنه ما يريد أن يُفلح). ربما يكون الجاحظ قاسيًا في ملاحظته، لكنه محقٌ في كلامه إلى أبعد حد محتمل.


الرجل نفسه -والجاحظ أقصد- لم يبتكر الكتابة عن البخلاء، إنما سبقه في هذا المضمار أناس كثر، على رأسهم الأصمعي وأبو الحسن المدائني وأبو عبيدة معمر بن المثنى، ومع ذلك فإن كتابه "البخلاء" علامة بارزة في أدبنا العربي بل والعالمي، ولو أنه تعلل بسبق هؤلاء، ما ألّف هذا الكتاب المتفرد في دنيا الأدب. ليس كل من سبقك أفضل منك، وإن أردت دليلًا موجزًا؛ فإن إبليس سبق آدم عليه السلام، ولا قيمة لأسبقيته على الإطلاق، بل كانت وبالًا عليه؛ أليس كذلك؟!

ولعلك تسأل: ما القيمة المضافة التي قدمها الجاحظ في البخلاء وتميز بها عن غيره؟ أدرك الجاحظ أن سابقيه وضعوا كتبهم لغاية سياسية، وكانت بعيدة عن تصوير الحياة الاجتماعية؛ فعمد إلى معالجة الموضوع من زاوية أدبية، وأثبت الحياة الاجتماعية في مؤلفه، وهذه قيمة مضافة تحسب له، ولم يُسبق إليها بحال.

والجاحظ نشأ وترعرع في البصرة، موطن التجارة لموقعها المتميز، المعبر البحري الأول في العراق، وتقاطر إليها التجار طلبًا للكسب، وها هو أبو منصور الثعالبي يقرن التجارة بالبخل؛ فيقول "ومعلوم أن البخل والنظر الطفيف مقرون بالتجارة، والتجار هم أصحاب التربيح والتكسب والتدنيق". نفهم من ذلك أن الجاحظ ينقل عن بيئته، ولم يكن مقبولًا أن يتعامى عن تناول البخلاء، وأن يتعذر لنفسه ولنا بأن من سبقوه قتلوا المسألة كتابة وتأليفا، وفي الوقت نفسه لم يكتف بالتكرار.

قبل الجاحظ، لو رجعنا بالزمن قليلًا، لرأينا أبا عمرو بن العلاء في حلقته، والناس من حوله، يقول لهم: "كان أوس بن حجر فحل مضر، حتى نشأ النابغة وزهيرٌ فأخملاه"؛ فإن واقفنا بين مقالة الجاحظ وما ذكره أبو العلاء؛ فإننا نلخص إلى صدق فرضية الجاحظ، وأن الأول قد ترك للآخر ما يبدع فيه، ولم يستأثر بالفضائل وحده، إنما زاد من تبعات الآخر وكثَّف التحديات أمامه.

ويأتي ابن قتيبة الدينوري (213- 276هـ)؛ فيقول: "وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله (وكأسٍ شربت على لذةٍ/ وأخرى تداويت منها بها)، حتى قال أبو نواس (دع عنك لومي فإن اللوم إغراء/ وداوني بالتي كانت هي الداء)؛ فسلخه وزاد فيه معنًى آخر، اجتمع له به الحسنُ في صدره وعجزه؛ فللأعشى فضل السبق، ولأبي نواس فضل الزيادة فيه".

المقارنة السريعة بين تاريخ الطبري وتجارب الأمم تصل بنا للنتيجة ذاتها؛ فابن جرير الطبري (224 – 310هـ) يتقدم مسكويه من جهة، لكن مسكويه (320 – 421هـ) يتفوق في نواحٍ أخرى؛ فمثلًا كان ابن جرير رجل دين مفسرًا للقرآن الكريم وفقيهًا مرموقًا، بينما مسكويه رجل دولة خدم في بلاط ركن الدولة بن بويه وعضد الدولة. هذه المؤهلات أتاحت لمسكويه الحصول على المعلومات من مصادرها، كما أنه يجيد قراءة الواقع وفق المعطيات السياسية والاقتصادية، بينما أهمل ابن جرير العامل الاقتصادي من حساباته بالكلية.

كما يأتي مسكويه متأخرًا زمنيًا عن ابن المقفع والجاحظ، لكنه تميز عنهما عبر عمله السياسي، فدرس فلسفة الأخلاق، وأدرك التعاطي مع الأخلاق العربية والفارسية والرومية وغيرها، ولم يعد الأمر قاصرًا على كتابات متفرقة لابن المقفع والجاحظ ونتف سريعة وموجزة، وحكم رشيقة غاب عنها التبويب؛ فكان مسكويه بحق من كبار مؤسسي فلسفة الأخلاق، وكان له ولأبي بكر الرازي فضل كبير في هذا المضمار، على غرار جهود أفلاطون وأرسطو في علم الأخلاق.

كتب ابن داود الأصبهاني "الزهرة"، وعرض فيه للحب وبواعثه وما يتعلق به، ثم جاء من بعده ابن حزم الأندلسي (384 – 456هـ)، وخرج على الدنيا برائعته "طوق الحمامة"، وتفوق على ابن داود لدرجة أن الغرب يعد طوق الحمامة رديف ألف ليلة وليلة في الشهرة والانتشار؛ فكانت الريادة لابن داود والأفضلية لابن حزم. تمر الأيام ويبتكر ابن حزم الكتابة في مجال مقارنة الأديان، ويحوز قصب الريادة بكتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل".

وكأنَّ ابن حزم ألهمَ الكتَّاب من بعده للجري في هذا المضمار، وظهر الشهرستاني (479 – 548هـ) وألّف "الملل والنحل"؛ فبز ابن حزم وفاقه وتسيّد المشهد، وقارن العلماء بين الكتابين، وعقدوا لواء الأفضلية للشهرستاني. أعابوا على ابن حزم الحدة التي عالج بها الفكرة، وخروجه في مواضع عديدة عن الموضوعية إلى الجدلية، لكنهم في الوقت نفسه لم يجرّده من صفة الأسبقية.

وجاء ياقوت الحموي (574 – 626هـ)، وابتكر "معجم الأدباء"، وتناول فيه الأدباء والنحويين واللغويين، ومن بعده ابن خلكان (608 – 681هـ) ووسّع الدائرة، ولم يقتصر على فئة بعينها، بل تناول مشاهير الدولة الإسلامية في مناحي الحياة، ودفعًا للتكرار فقد غض طرفه عن الجيلين الأول والثاني من الدولة؛ فإن كتبًا كثيرة تعرضت لهم وعرضت سيرهم، مثل "أسد الغابة" لابن الأثير، والذي جمع مادة حول 7500 صحابي جليل.

ومن هذا التطواف السريع، نخلص إلى حقيقة مفادها أن الأول لم يُجهز على آمال الآخر، وأن وُكْدَ الآخر يصل به إلى أبعد مما أدرك سابقوه، وعليه أن يجهد نفسه في طلب العلا، وألا يقعد اتكالًا على ضياع كل فرصة، وأن يُحسن الظن بقول عنترة الفوارس (هل غادر الشعراء من متردم/ أم هل عرفت الدار بعد توهُّم)، وليأخذ قول عنترة على سبيل التواضع، لا على سبيل الدعة والخمول.

لست في حاجة للحديث عن تفوق غي دو موباسان على أستاذه غوستاف فلوبير، ولن أمرَّ بك على تفوق نجيب محفوظ على أساتذته توفيق الحكيم ويحيى حقي وطه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل وغيرهم، وصفوة القول أن الأول فتح الباب، وتركه لمن يتابعه من أهل العزم والهمم، وأن بمقدورك أن تجاري الكبار إن شئت؛ فاخلع عنك ربقة الوهن وانهض بنفسك؛ فلكل مجتهد نصيب، وقد ترك الأول للآخر الشيء الكثير.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: السبق الأفضلية الجاحظ جامعة وارسو العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 11 يوليو 2019 | (إن السلاحَ جميعُ الناسِ تحمِلُهُ وليس كُلُ ذواتِ المِخلَبِ السَبِعُ)، قالها وهو يرى الشباب من حوله أمام جامعة عين شمس، ولم أفهم مغزى بيت أبي الطيب في هذا الوقت، ولا ارتباطه بهذا المكان..
    • مشاركة
  • 9 يوليو 2019 | في لقاء صحافي مع النحوي الكبير، تحدث أبو إسحاق الزجَّاج من القلب، وفي شهادته على العصر، أبدى تفاؤله بحماسة الشباب العربي وصبرهم الجميل، لا سيما مع ارتفاع الأسعار والتضييق الممنهج عليهم..
    • مشاركة
  • 7 يوليو 2019 | إن الصعلكة ليست فرعًا من فروع داعش يا سادة، ولا تدين لأبي بكر البغدادي، إنما الصعلكة نوعٌ من التمرد والصياعة، والصياعة أدب -مش هزَّ أكتاف- لا تقتضي أن يُسحل عروة ويُسجن..
    • مشاركة
  • 3 يوليو 2019 | جلست إلى أستاذنا يحيى حقي في مقهى ريش، وأخذنا الحديث إلى عالم الخطابة، وإذا بأحدهم يتأسف على زمن الخطباء المؤثرين، ولم نعد نسمع إلا صراخًا في صراخ؛ فلا رسالة واضحة ولا فكرة يدور الخطيب في فلكها..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب مقال ومدون
الأكثر مشاهدة

إشكالية السبق والأفضلية

4 يوليو 2019

نبذة عن المدون

كاتب مقال ومدون
الأكثر مشاهدة
إن واتتك الفرصة وزرت مكتبة جامعة وارسو البولندية، ستقف مبهوتًا أمام نصٍ بالعربية، على ارتفاع يتخطى عشرة أمتار، لنصٍ من كتاب "الحيوان" لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، ومنه قوله "والكتاب هو الذي إذا نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجوَّد بنانك، وفخَّم ألفاظك".

والجاحظ أيقونة في عالم الأدب، جاء بعد أبي عمرو بن العلاء والفراهيدي ويونس بن حبيب والأصمعي، ودخل دنيا الأدب منافسًا لقامات سامقة، لكنه لم يرهب الأسماء الكبيرة، ولم يتخاذل أمام التحديات الرهيبة، وآمن أن السوق لم تكسد بعد، وأن الأقلام المميزة ستشق طريقها آجلًا أو عاجلًا إلى ساحة الخلود.

في إشكالية الأسبقية والأفضلية، يتذرع بعضهم بأن السوق تغص بالبضاعة، وأن لا مكان لهم في هذا الزحام الخانق، يطل علينا الجاحظ محدثًا نفسه وهؤلاء: (إذا سمعت الرجل يقول "ما ترك الأول للآخر"؛ فاعلم أنه ما يريد أن يُفلح). ربما يكون الجاحظ قاسيًا في ملاحظته، لكنه محقٌ في كلامه إلى أبعد حد محتمل.


الرجل نفسه -والجاحظ أقصد- لم يبتكر الكتابة عن البخلاء، إنما سبقه في هذا المضمار أناس كثر، على رأسهم الأصمعي وأبو الحسن المدائني وأبو عبيدة معمر بن المثنى، ومع ذلك فإن كتابه "البخلاء" علامة بارزة في أدبنا العربي بل والعالمي، ولو أنه تعلل بسبق هؤلاء، ما ألّف هذا الكتاب المتفرد في دنيا الأدب. ليس كل من سبقك أفضل منك، وإن أردت دليلًا موجزًا؛ فإن إبليس سبق آدم عليه السلام، ولا قيمة لأسبقيته على الإطلاق، بل كانت وبالًا عليه؛ أليس كذلك؟!

ولعلك تسأل: ما القيمة المضافة التي قدمها الجاحظ في البخلاء وتميز بها عن غيره؟ أدرك الجاحظ أن سابقيه وضعوا كتبهم لغاية سياسية، وكانت بعيدة عن تصوير الحياة الاجتماعية؛ فعمد إلى معالجة الموضوع من زاوية أدبية، وأثبت الحياة الاجتماعية في مؤلفه، وهذه قيمة مضافة تحسب له، ولم يُسبق إليها بحال.

والجاحظ نشأ وترعرع في البصرة، موطن التجارة لموقعها المتميز، المعبر البحري الأول في العراق، وتقاطر إليها التجار طلبًا للكسب، وها هو أبو منصور الثعالبي يقرن التجارة بالبخل؛ فيقول "ومعلوم أن البخل والنظر الطفيف مقرون بالتجارة، والتجار هم أصحاب التربيح والتكسب والتدنيق". نفهم من ذلك أن الجاحظ ينقل عن بيئته، ولم يكن مقبولًا أن يتعامى عن تناول البخلاء، وأن يتعذر لنفسه ولنا بأن من سبقوه قتلوا المسألة كتابة وتأليفا، وفي الوقت نفسه لم يكتف بالتكرار.

قبل الجاحظ، لو رجعنا بالزمن قليلًا، لرأينا أبا عمرو بن العلاء في حلقته، والناس من حوله، يقول لهم: "كان أوس بن حجر فحل مضر، حتى نشأ النابغة وزهيرٌ فأخملاه"؛ فإن واقفنا بين مقالة الجاحظ وما ذكره أبو العلاء؛ فإننا نلخص إلى صدق فرضية الجاحظ، وأن الأول قد ترك للآخر ما يبدع فيه، ولم يستأثر بالفضائل وحده، إنما زاد من تبعات الآخر وكثَّف التحديات أمامه.

ويأتي ابن قتيبة الدينوري (213- 276هـ)؛ فيقول: "وكان الناس يستجيدون للأعشى قوله (وكأسٍ شربت على لذةٍ/ وأخرى تداويت منها بها)، حتى قال أبو نواس (دع عنك لومي فإن اللوم إغراء/ وداوني بالتي كانت هي الداء)؛ فسلخه وزاد فيه معنًى آخر، اجتمع له به الحسنُ في صدره وعجزه؛ فللأعشى فضل السبق، ولأبي نواس فضل الزيادة فيه".

المقارنة السريعة بين تاريخ الطبري وتجارب الأمم تصل بنا للنتيجة ذاتها؛ فابن جرير الطبري (224 – 310هـ) يتقدم مسكويه من جهة، لكن مسكويه (320 – 421هـ) يتفوق في نواحٍ أخرى؛ فمثلًا كان ابن جرير رجل دين مفسرًا للقرآن الكريم وفقيهًا مرموقًا، بينما مسكويه رجل دولة خدم في بلاط ركن الدولة بن بويه وعضد الدولة. هذه المؤهلات أتاحت لمسكويه الحصول على المعلومات من مصادرها، كما أنه يجيد قراءة الواقع وفق المعطيات السياسية والاقتصادية، بينما أهمل ابن جرير العامل الاقتصادي من حساباته بالكلية.

كما يأتي مسكويه متأخرًا زمنيًا عن ابن المقفع والجاحظ، لكنه تميز عنهما عبر عمله السياسي، فدرس فلسفة الأخلاق، وأدرك التعاطي مع الأخلاق العربية والفارسية والرومية وغيرها، ولم يعد الأمر قاصرًا على كتابات متفرقة لابن المقفع والجاحظ ونتف سريعة وموجزة، وحكم رشيقة غاب عنها التبويب؛ فكان مسكويه بحق من كبار مؤسسي فلسفة الأخلاق، وكان له ولأبي بكر الرازي فضل كبير في هذا المضمار، على غرار جهود أفلاطون وأرسطو في علم الأخلاق.

كتب ابن داود الأصبهاني "الزهرة"، وعرض فيه للحب وبواعثه وما يتعلق به، ثم جاء من بعده ابن حزم الأندلسي (384 – 456هـ)، وخرج على الدنيا برائعته "طوق الحمامة"، وتفوق على ابن داود لدرجة أن الغرب يعد طوق الحمامة رديف ألف ليلة وليلة في الشهرة والانتشار؛ فكانت الريادة لابن داود والأفضلية لابن حزم. تمر الأيام ويبتكر ابن حزم الكتابة في مجال مقارنة الأديان، ويحوز قصب الريادة بكتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل".

وكأنَّ ابن حزم ألهمَ الكتَّاب من بعده للجري في هذا المضمار، وظهر الشهرستاني (479 – 548هـ) وألّف "الملل والنحل"؛ فبز ابن حزم وفاقه وتسيّد المشهد، وقارن العلماء بين الكتابين، وعقدوا لواء الأفضلية للشهرستاني. أعابوا على ابن حزم الحدة التي عالج بها الفكرة، وخروجه في مواضع عديدة عن الموضوعية إلى الجدلية، لكنهم في الوقت نفسه لم يجرّده من صفة الأسبقية.

وجاء ياقوت الحموي (574 – 626هـ)، وابتكر "معجم الأدباء"، وتناول فيه الأدباء والنحويين واللغويين، ومن بعده ابن خلكان (608 – 681هـ) ووسّع الدائرة، ولم يقتصر على فئة بعينها، بل تناول مشاهير الدولة الإسلامية في مناحي الحياة، ودفعًا للتكرار فقد غض طرفه عن الجيلين الأول والثاني من الدولة؛ فإن كتبًا كثيرة تعرضت لهم وعرضت سيرهم، مثل "أسد الغابة" لابن الأثير، والذي جمع مادة حول 7500 صحابي جليل.

ومن هذا التطواف السريع، نخلص إلى حقيقة مفادها أن الأول لم يُجهز على آمال الآخر، وأن وُكْدَ الآخر يصل به إلى أبعد مما أدرك سابقوه، وعليه أن يجهد نفسه في طلب العلا، وألا يقعد اتكالًا على ضياع كل فرصة، وأن يُحسن الظن بقول عنترة الفوارس (هل غادر الشعراء من متردم/ أم هل عرفت الدار بعد توهُّم)، وليأخذ قول عنترة على سبيل التواضع، لا على سبيل الدعة والخمول.

لست في حاجة للحديث عن تفوق غي دو موباسان على أستاذه غوستاف فلوبير، ولن أمرَّ بك على تفوق نجيب محفوظ على أساتذته توفيق الحكيم ويحيى حقي وطه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل وغيرهم، وصفوة القول أن الأول فتح الباب، وتركه لمن يتابعه من أهل العزم والهمم، وأن بمقدورك أن تجاري الكبار إن شئت؛ فاخلع عنك ربقة الوهن وانهض بنفسك؛ فلكل مجتهد نصيب، وقد ترك الأول للآخر الشيء الكثير.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: السبق الأفضلية الجاحظ جامعة وارسو العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 11 يوليو 2019 | (إن السلاحَ جميعُ الناسِ تحمِلُهُ وليس كُلُ ذواتِ المِخلَبِ السَبِعُ)، قالها وهو يرى الشباب من حوله أمام جامعة عين شمس، ولم أفهم مغزى بيت أبي الطيب في هذا الوقت، ولا ارتباطه بهذا المكان..
    • مشاركة
  • 9 يوليو 2019 | في لقاء صحافي مع النحوي الكبير، تحدث أبو إسحاق الزجَّاج من القلب، وفي شهادته على العصر، أبدى تفاؤله بحماسة الشباب العربي وصبرهم الجميل، لا سيما مع ارتفاع الأسعار والتضييق الممنهج عليهم..
    • مشاركة
  • 7 يوليو 2019 | إن الصعلكة ليست فرعًا من فروع داعش يا سادة، ولا تدين لأبي بكر البغدادي، إنما الصعلكة نوعٌ من التمرد والصياعة، والصياعة أدب -مش هزَّ أكتاف- لا تقتضي أن يُسحل عروة ويُسجن..
    • مشاركة
  • 3 يوليو 2019 | جلست إلى أستاذنا يحيى حقي في مقهى ريش، وأخذنا الحديث إلى عالم الخطابة، وإذا بأحدهم يتأسف على زمن الخطباء المؤثرين، ولم نعد نسمع إلا صراخًا في صراخ؛ فلا رسالة واضحة ولا فكرة يدور الخطيب في فلكها..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب مقال ومدون
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل