alaraby-search
الثلاثاء 04/06/2019 م (آخر تحديث) الساعة 10:26 بتوقيت القدس 07:26 (غرينتش)
الطقس
errors

فض اعتصام السودان... متى يستفيق عبد المأمور؟

4 يونيو 2019

نبذة عن المدون

كاتب واستشاري تحاليل طبية من مصر.
الأكثر مشاهدة
استوقفتني كثيراً، صورة ذلك الجندي السوداني رث الهيئة، الملتحف ببؤسه، يحمل بندقيته ذات الطراز العتيق ويصوبها إلى صدر أخيه المعتصم ليرديه قتيلاً، هكذا وبكل بساطة كأنه يصوب على صيد ليأكله، بلا أدنى تردد، وفي غير اكتراث، كأنه عدو لدود، ولا أدري في الحقيقة بأي ذنب قنصه؛ إنه ما وقف في وقفته هذه إلا طلباً لحقوقه وحقوقك، ودفاعاً عن إنسانيته وإنسانيتك التي اندثرت أو أوشكت في زمن البشير.

حاولت مرارا أثناء كتابة هذه السطور أن ألتمس لك أيها الجندي عذراً، فتشت وبحثت كثيراً حتى أضناني البحث، ولم أصل إلى سبب يشفي غليل حيرتي، فأنت أيها القاتل وذلك الذي أرديته للتو، تتجرعان المرارة من نفس الكأس سواءً بسواء، فلا كهرباء ولا وقود ولا حتى خبز.

هل امتطيت عربتك في صندوقها الخلفي كما تُحمل البهائم، وتوسدت سلاحك في آخر صباح من رمضان، حماية للبنية التحتية غير الموجودة، أم أملاً في المشاريع المستقبلية التي لم يتكلم عنها أو يتعهد بها أحد.


خرجت وأنت صائم تقتل ذلك الذي يبحث في ركام الوطن عن كرامته التي أُهدرت، وعن حريته التي كُبلت، نعم، أتدري أنه كان يحلم ببناء "يوتوبيا" لأبنائك قبل أبنائه، لعائلتك قبل عائلته، لقومك قبل قومه، كان يرنو إلى دولة يعمها الخير والحب، ويسودها الحق والقانون.

لا أجد لك مفراً إلا أن تقول لنفسك: "ما أنا إلا عبد المأمور، وما باليد حيلة".. لعل هذا ذكرني بما حدث.. انتصب بشار بن برد الشاعر الأعمى بين يدي الخليفة المهدي وبعد حوار طال بينهما، حينذاك أحس بشار أنه مقتول لا محالة فسأل الخليفة: علام تقتلني؟!
فأجابه على قولك: لو أني أظهرت للناس ديني/ لم يكن لي في حبسي أكل.
فقال بشار لقد كنت زنديقا وتبت.
فباغته المهدي بقوله: وكيف وأنت القائل؟
والشيخ لا يترك عاداته/ حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى غاية/ كذي الضنى عاد إلى نكسه

ثم أمر بضربه بالسياط حتى الموت وإلقاء جثته في نهر دجله، وهذا السبب المعلن لقتله، أنه زنديق كافر، ولعلك تتعجب عندما تعرف أن السبب الحقيقي الذي أورده الأصفهاني وابن المعتز هو أن بشار أنشد أبياتا في هجاء الخليفة فكان مما قال فيها: خليفة يزني بعماته/ يلعب بالدبوق والصولجان.

فلما طارت إلى مسامع الخليفة اشتد به الغضب وتملكه الغيظ وأمر بقتله. وهذه حيلة الحاكم في كل عصر ومصر كما يقول الجابري: إنه الشرك في السياسة الذي يرفضه الحاكم، ويحاكم عليه باسم الشرك في الألوهية.

دعنا نتخطى الخليفة ونعبر إلى حامل السوط الذي سمع لتوه توبة الشاعر أمامه؛ ولم تأخذه به رأفة أو رحمة، وراح بكل أريحية يسومه سوء العذاب حتى مات، ولا أرى له مهربا من ضمير نفسه سوى ما أنا إلا عبد المأمور.

كذلك الذي لقم المنجنيق استجابة لأمر الحجاج لضرب الكعبة قبلة المسلمين وقبلته هو، ماذا كان يقول لنفسه.. ما أنا إلا عبد المأمور؟

كذا سائق الدبابة التي قمعت المتظاهرين السلميين ودهستهم تحت جنازيرها في الميدان السماوي الصيني 1989، وهم ما خرجوا إلا مطالبين بإصلاح سياسي واقتصادي سيستفيد منه هو وأبناؤه من بعده ماذا كان يقول غير أنه: ما أنا إلا عبد المأمور.

والقائمة تطول، ولكن الملفت فيها ذلك الذي كان يُقطع الجثة على أصوات الموسيقى، لا أدري أيضا ماذا برر ذلك لنفسه.. إلا ما أنا إلا عبد المأمور وما باليد حيلة.

ولا أرى تلك الكلمات إلا محاولة لتبرير تلك السقطة أمام محكمة ضميرك التي انعقدت اليوم في جنبات نفسك.. وستبقى في انعقاد دائم ما حيت؛ تؤرق عليك نومك، وتفسد عليك معيشتك.

واثق بالله أنا، أن لعنة الدماء ستظل تطاردك، تلازمك كظلك.. فما أتعسك! يا هذا وإن حيزت لك الدنيا بحذافيرها، وكأني بالتاريخ متكئ على عصاه يحدثنا بصوته الجهوري بقوله متعجباً:
"غالباً ما يكون توحش عبد المأمور أشد فتكاً وأكثر بطشا من المأمور نفسه".

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print

نبذة عن المدون

كاتب واستشاري تحاليل طبية من مصر.
الأكثر مشاهدة

فض اعتصام السودان... متى يستفيق عبد المأمور؟

4 يونيو 2019

نبذة عن المدون

كاتب واستشاري تحاليل طبية من مصر.
الأكثر مشاهدة
استوقفتني كثيراً، صورة ذلك الجندي السوداني رث الهيئة، الملتحف ببؤسه، يحمل بندقيته ذات الطراز العتيق ويصوبها إلى صدر أخيه المعتصم ليرديه قتيلاً، هكذا وبكل بساطة كأنه يصوب على صيد ليأكله، بلا أدنى تردد، وفي غير اكتراث، كأنه عدو لدود، ولا أدري في الحقيقة بأي ذنب قنصه؛ إنه ما وقف في وقفته هذه إلا طلباً لحقوقه وحقوقك، ودفاعاً عن إنسانيته وإنسانيتك التي اندثرت أو أوشكت في زمن البشير.

حاولت مرارا أثناء كتابة هذه السطور أن ألتمس لك أيها الجندي عذراً، فتشت وبحثت كثيراً حتى أضناني البحث، ولم أصل إلى سبب يشفي غليل حيرتي، فأنت أيها القاتل وذلك الذي أرديته للتو، تتجرعان المرارة من نفس الكأس سواءً بسواء، فلا كهرباء ولا وقود ولا حتى خبز.

هل امتطيت عربتك في صندوقها الخلفي كما تُحمل البهائم، وتوسدت سلاحك في آخر صباح من رمضان، حماية للبنية التحتية غير الموجودة، أم أملاً في المشاريع المستقبلية التي لم يتكلم عنها أو يتعهد بها أحد.


خرجت وأنت صائم تقتل ذلك الذي يبحث في ركام الوطن عن كرامته التي أُهدرت، وعن حريته التي كُبلت، نعم، أتدري أنه كان يحلم ببناء "يوتوبيا" لأبنائك قبل أبنائه، لعائلتك قبل عائلته، لقومك قبل قومه، كان يرنو إلى دولة يعمها الخير والحب، ويسودها الحق والقانون.

لا أجد لك مفراً إلا أن تقول لنفسك: "ما أنا إلا عبد المأمور، وما باليد حيلة".. لعل هذا ذكرني بما حدث.. انتصب بشار بن برد الشاعر الأعمى بين يدي الخليفة المهدي وبعد حوار طال بينهما، حينذاك أحس بشار أنه مقتول لا محالة فسأل الخليفة: علام تقتلني؟!
فأجابه على قولك: لو أني أظهرت للناس ديني/ لم يكن لي في حبسي أكل.
فقال بشار لقد كنت زنديقا وتبت.
فباغته المهدي بقوله: وكيف وأنت القائل؟
والشيخ لا يترك عاداته/ حتى يوارى في ثرى رمسه
إذا ارعوى عاد إلى غاية/ كذي الضنى عاد إلى نكسه

ثم أمر بضربه بالسياط حتى الموت وإلقاء جثته في نهر دجله، وهذا السبب المعلن لقتله، أنه زنديق كافر، ولعلك تتعجب عندما تعرف أن السبب الحقيقي الذي أورده الأصفهاني وابن المعتز هو أن بشار أنشد أبياتا في هجاء الخليفة فكان مما قال فيها: خليفة يزني بعماته/ يلعب بالدبوق والصولجان.

فلما طارت إلى مسامع الخليفة اشتد به الغضب وتملكه الغيظ وأمر بقتله. وهذه حيلة الحاكم في كل عصر ومصر كما يقول الجابري: إنه الشرك في السياسة الذي يرفضه الحاكم، ويحاكم عليه باسم الشرك في الألوهية.

دعنا نتخطى الخليفة ونعبر إلى حامل السوط الذي سمع لتوه توبة الشاعر أمامه؛ ولم تأخذه به رأفة أو رحمة، وراح بكل أريحية يسومه سوء العذاب حتى مات، ولا أرى له مهربا من ضمير نفسه سوى ما أنا إلا عبد المأمور.

كذلك الذي لقم المنجنيق استجابة لأمر الحجاج لضرب الكعبة قبلة المسلمين وقبلته هو، ماذا كان يقول لنفسه.. ما أنا إلا عبد المأمور؟

كذا سائق الدبابة التي قمعت المتظاهرين السلميين ودهستهم تحت جنازيرها في الميدان السماوي الصيني 1989، وهم ما خرجوا إلا مطالبين بإصلاح سياسي واقتصادي سيستفيد منه هو وأبناؤه من بعده ماذا كان يقول غير أنه: ما أنا إلا عبد المأمور.

والقائمة تطول، ولكن الملفت فيها ذلك الذي كان يُقطع الجثة على أصوات الموسيقى، لا أدري أيضا ماذا برر ذلك لنفسه.. إلا ما أنا إلا عبد المأمور وما باليد حيلة.

ولا أرى تلك الكلمات إلا محاولة لتبرير تلك السقطة أمام محكمة ضميرك التي انعقدت اليوم في جنبات نفسك.. وستبقى في انعقاد دائم ما حيت؛ تؤرق عليك نومك، وتفسد عليك معيشتك.

واثق بالله أنا، أن لعنة الدماء ستظل تطاردك، تلازمك كظلك.. فما أتعسك! يا هذا وإن حيزت لك الدنيا بحذافيرها، وكأني بالتاريخ متكئ على عصاه يحدثنا بصوته الجهوري بقوله متعجباً:
"غالباً ما يكون توحش عبد المأمور أشد فتكاً وأكثر بطشا من المأمور نفسه".

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print

نبذة عن المدون

كاتب واستشاري تحاليل طبية من مصر.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل