alaraby-search
الإثنين 08/04/2019 م (آخر تحديث) الساعة 20:08 بتوقيت القدس 17:08 (غرينتش)
الطقس
errors

في الفَقد والكرم

8 أبريل 2019

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة
لا شكَّ أنَّ الفقد، بمفهومه العام، من أصعب الحالات التي يمكن أن يكون لها أثرها العكسي على طابع الحياة التي نعيش، فكيف إذا كان الفقيد من أعزّ الأعزّاء، ومن الأصدقاء الأكثر قرباً ومحبةً إلى القلب؟!

إنَّ العلاقة التي تربطني مع صديقيّ العزيزين الفقيدين عبد الكريم البو حبال، وعبد الكريم النعيمي ليست وليدة اللحظة وإنما تعود إلى أيام الزمن الجميل، ومنذ ما يزيد عن الخمسة والثلاثين عاماً ونيّف عشنا أيامها بحلوها ومرها، وتزامن ذلك على مقاعد الدراسة الأولى، وفي المرحلة الثانوية.

وهكذا، وبلمح البصر، وعبر صفحات فيسبوك، فوجئت بالخبر المدوي ناقلاً خبر وفاة الصديق والأخ العزيز عبد الكريم الحسن الدرويش البوحبال، وهو المعروف بزين الشباب، إن لم أقل هو الشباب كلّه!

لم أصدق الخبر الذي وقع عليَّ كالصاعقة. رحيل شاب بعمر الورود، نتيجة انفجار لغم أرضي من مخلفات عصابات "جرذان داعش" في مدينة الرّقة. المدينة التي أصرَّ وألحَّ أبو درويش - طيّب الله ثراه، على البقاء فيها على الرغم مما أصابها من دمار كبير، وتهجير أكثر من نصف سكانها، ولبسها ثوب السواد حزناً على أبنائها الذين فقدوا، والآخر من تشبث وبقي فيها على الرغم من الخوف والرعب، والحالات المرضية التي أصابت الجميع في مقتل!.


الصديق المحب الوفي المرحوم عبد الكريم الدرويش وحده الذي اختزل كل ذلك، وصار اليوم من عداد الشباب الذين آلمنا فقدانهم وخسرناهم، والى الأبد!.

هكذا هو القدر الذي لم يترك لنا رأياً حيال هذا الأخ الصديق الذي لم يفد معه نحيبنا، ولا نزيف جرحنا، وقادته منيته رغم أنف الجميع إلى ذاك المكان، حيث موته، وهو الشاب الطموح، الرياضي المعروف بولائه وعشقه للعبة كرة اليد، التي سبق أن مارسها، أضف إلى تعلّقه بقراءة المقال والتحقيق الرياضي، ومتابعته لما كان ينشر في مجلة "الصقر" الرياضية التي لم يفته اقتناء أي عددٍ من أعدادها، في مراحل دراسته في الإعدادية وفي الثانوية، وفي ما بعد قبل توقفها وبصورة نهائية، عن الصدور في صيف عام 2006، وهو المدرب الرياضي الذي اختار مهنة التدريب، والتحق بدراسة الرياضة أكاديمياً، وبشوق كبير، في المعهد الرياضي للمعلمين في مدينة حلب الشهباء، التي تبعد عن الرّقة نحو 195 كيلومترا ونجح في ذلك.. أضف إلى أنه يثريك بحديثه المشوّق، وخبرته الواسعة في الحياة، فضلاً عن ثقافته وسعة اطلاعه في معرفة الناس وطباعهم، وهو الذي يعي، وبذكائه الفطري، الذي جبل عليه ما يرمون إليه، فضلاً عن كرمه وحبه للآخر.

المرحوم عبد الكريم البو حبال، المعروف عنه ابتسامته الصادقة اللافتة التي تحمل بذرة الخير لزملائه ومحبيه.. إنه العارف بخفايا الكثير من مفاهيم الناس، ناهيك عن معرفته بعشائر مدينته، الرّقة وأهلها وانتماءاتهم.. لقد فقدنا أخاً وصديقاً كان محباً لأصدقائه وباراً بوالديه ومتفائلاً بالمستقبل.

لم يمضِ على الخبر الأول أسابيع قليلة حتى تبعه خبر صادم آخر، وهو انتقال أخي وصديقي عبد الكريم النعيمي - أبو إبراهيم إلى الرفيق الأعلى. كان وقعه علينا كالصاعقة، نحن الذين عرفناه بطبعه وبقلبه الكبير المحب والمخلص للجميع. وفاة من نوع آخر، وبطعم العلقم شربنا كأسها رغماً عناً، هكذا..

مفاجأة الموت كانت قاسية على كل من عرف هذه القامة المتواضعة، وهو الإنسان البريء كطفل ما زال في سنّ اليفاع.. في الغربة التي احتضنته وعاشها، ولأكثر من ثلاثين عاماً خارج أسوار مدينته الرَّقة التي عاش فيها طفولته وبعضاً من شبابه المزهر.. وكان يُمني النفس أن يقضي بقية عمره على ترابها الطاهر.

استوقفني خبر الوفاة الصدمة، وهو الإنسان الذي كان دائماً وأبداً محباً للجميع، وهو الكريم في مواقفه، النبيل في تعامله، وأكثر ما يأسرك باحترامه ووده، وهو المضياف في طبعه، والوفي في خدماته الجليلة التي تبدأ ولا تنتهي..

هكذا هي الحياة، نسير على هداها، كما تريد أن تكون، لا كما نحب ونشتهي نحن. فالحياة بما فيها من ألوان مزركشة مفرحة، وأخرى كئيبة، وما تحمله من أضغاث أحلام، تودعنا اليوم بانتقال من كان يوماً رفيقاً وصديقاً وأخاً مودّاً وباراً بوالديه، وباذلاً الغالي والنفيس في سبيل رضاهما، وخدمة أخوته، ومد يد العون لهم في تشرّدهم وحاجتهم، ودعمهم مادياً، رغم ضيق ذات اليد، والحال البائس، والفقر المدقع الذي يعيشه في مكان إقامته!.

رحم الله الصديقين المنصفين في تعاملهما، مع كل من عرفهما عن قرب، لأنهما ظلا مثالاً يُحتذى في الود والمحبة الخالصة، ورؤوفين ورحيمين بكل من عرفهما.

رحم الله الأخوين الصديقين الحبيبين الغاليين عبد الكريم البو حبال، والطيّب الذكر أبو إبراهيم، بواسع رحمته ووسّع قبريهما وألهم أهلهما وذويهما الصبر والسلوان.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الفقد الموت الصداقة الرقة الغربة الكرم العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 17 أبريل 2019 | عانى المواطن في الرَّقة، كغيره من أبناء المحافظات السورية، المزيد من حالات الإحباط والتوتر واللوعة، وهذا ما استدعى من أبنائها أن يعيدوا النظر بهذه الحالة المضطربة التي تركت بالنسبة لهم أكثر من إشارة استفهام..
    • مشاركة
  • 3 أبريل 2019 | بعد أن قضت حليمة في رحاب النمسا، في ربوع عاصمتها فيينا ما يقارب ثلاث سنوات، فكرت في زيارة أخيها الوحيد وأخواتها الخمس المقيمات في مدن أقجة قلعة، أورفا، وعينتاب..
    • مشاركة
  • 27 مارس 2019 | سعت هنادي، وبكل جهدها، إلى أن تتخلّص من آخر شيء يربطها بمدينتها الرَّقة التي ولدت وعاشت فيها ردحاً من الزمن، حيث اضطرتها ظروفها المعيشية الصعبة أن تغادرها للحاق بأسرتها التي تعيش بعيدة عنها في إحدى المدن السورية الآمنة..
    • مشاركة
  • 12 مارس 2019 | حجزت للسفر، بعد أن أعلمت صديقي أبو حسن الذي أقيم معه، وسبق أن عشنا في بيت واحد ولفترة طويلة وأسرتي في سورية، بموعد السفر والاتجاه إلى موكب اللاجئين معللاً ذلك بلم شمل الأسرة مستقبلاً، واللقاء بأبنائي بعد غياب وعناء كبيرين!..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة

في الفَقد والكرم

8 أبريل 2019

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة
لا شكَّ أنَّ الفقد، بمفهومه العام، من أصعب الحالات التي يمكن أن يكون لها أثرها العكسي على طابع الحياة التي نعيش، فكيف إذا كان الفقيد من أعزّ الأعزّاء، ومن الأصدقاء الأكثر قرباً ومحبةً إلى القلب؟!

إنَّ العلاقة التي تربطني مع صديقيّ العزيزين الفقيدين عبد الكريم البو حبال، وعبد الكريم النعيمي ليست وليدة اللحظة وإنما تعود إلى أيام الزمن الجميل، ومنذ ما يزيد عن الخمسة والثلاثين عاماً ونيّف عشنا أيامها بحلوها ومرها، وتزامن ذلك على مقاعد الدراسة الأولى، وفي المرحلة الثانوية.

وهكذا، وبلمح البصر، وعبر صفحات فيسبوك، فوجئت بالخبر المدوي ناقلاً خبر وفاة الصديق والأخ العزيز عبد الكريم الحسن الدرويش البوحبال، وهو المعروف بزين الشباب، إن لم أقل هو الشباب كلّه!

لم أصدق الخبر الذي وقع عليَّ كالصاعقة. رحيل شاب بعمر الورود، نتيجة انفجار لغم أرضي من مخلفات عصابات "جرذان داعش" في مدينة الرّقة. المدينة التي أصرَّ وألحَّ أبو درويش - طيّب الله ثراه، على البقاء فيها على الرغم مما أصابها من دمار كبير، وتهجير أكثر من نصف سكانها، ولبسها ثوب السواد حزناً على أبنائها الذين فقدوا، والآخر من تشبث وبقي فيها على الرغم من الخوف والرعب، والحالات المرضية التي أصابت الجميع في مقتل!.


الصديق المحب الوفي المرحوم عبد الكريم الدرويش وحده الذي اختزل كل ذلك، وصار اليوم من عداد الشباب الذين آلمنا فقدانهم وخسرناهم، والى الأبد!.

هكذا هو القدر الذي لم يترك لنا رأياً حيال هذا الأخ الصديق الذي لم يفد معه نحيبنا، ولا نزيف جرحنا، وقادته منيته رغم أنف الجميع إلى ذاك المكان، حيث موته، وهو الشاب الطموح، الرياضي المعروف بولائه وعشقه للعبة كرة اليد، التي سبق أن مارسها، أضف إلى تعلّقه بقراءة المقال والتحقيق الرياضي، ومتابعته لما كان ينشر في مجلة "الصقر" الرياضية التي لم يفته اقتناء أي عددٍ من أعدادها، في مراحل دراسته في الإعدادية وفي الثانوية، وفي ما بعد قبل توقفها وبصورة نهائية، عن الصدور في صيف عام 2006، وهو المدرب الرياضي الذي اختار مهنة التدريب، والتحق بدراسة الرياضة أكاديمياً، وبشوق كبير، في المعهد الرياضي للمعلمين في مدينة حلب الشهباء، التي تبعد عن الرّقة نحو 195 كيلومترا ونجح في ذلك.. أضف إلى أنه يثريك بحديثه المشوّق، وخبرته الواسعة في الحياة، فضلاً عن ثقافته وسعة اطلاعه في معرفة الناس وطباعهم، وهو الذي يعي، وبذكائه الفطري، الذي جبل عليه ما يرمون إليه، فضلاً عن كرمه وحبه للآخر.

المرحوم عبد الكريم البو حبال، المعروف عنه ابتسامته الصادقة اللافتة التي تحمل بذرة الخير لزملائه ومحبيه.. إنه العارف بخفايا الكثير من مفاهيم الناس، ناهيك عن معرفته بعشائر مدينته، الرّقة وأهلها وانتماءاتهم.. لقد فقدنا أخاً وصديقاً كان محباً لأصدقائه وباراً بوالديه ومتفائلاً بالمستقبل.

لم يمضِ على الخبر الأول أسابيع قليلة حتى تبعه خبر صادم آخر، وهو انتقال أخي وصديقي عبد الكريم النعيمي - أبو إبراهيم إلى الرفيق الأعلى. كان وقعه علينا كالصاعقة، نحن الذين عرفناه بطبعه وبقلبه الكبير المحب والمخلص للجميع. وفاة من نوع آخر، وبطعم العلقم شربنا كأسها رغماً عناً، هكذا..

مفاجأة الموت كانت قاسية على كل من عرف هذه القامة المتواضعة، وهو الإنسان البريء كطفل ما زال في سنّ اليفاع.. في الغربة التي احتضنته وعاشها، ولأكثر من ثلاثين عاماً خارج أسوار مدينته الرَّقة التي عاش فيها طفولته وبعضاً من شبابه المزهر.. وكان يُمني النفس أن يقضي بقية عمره على ترابها الطاهر.

استوقفني خبر الوفاة الصدمة، وهو الإنسان الذي كان دائماً وأبداً محباً للجميع، وهو الكريم في مواقفه، النبيل في تعامله، وأكثر ما يأسرك باحترامه ووده، وهو المضياف في طبعه، والوفي في خدماته الجليلة التي تبدأ ولا تنتهي..

هكذا هي الحياة، نسير على هداها، كما تريد أن تكون، لا كما نحب ونشتهي نحن. فالحياة بما فيها من ألوان مزركشة مفرحة، وأخرى كئيبة، وما تحمله من أضغاث أحلام، تودعنا اليوم بانتقال من كان يوماً رفيقاً وصديقاً وأخاً مودّاً وباراً بوالديه، وباذلاً الغالي والنفيس في سبيل رضاهما، وخدمة أخوته، ومد يد العون لهم في تشرّدهم وحاجتهم، ودعمهم مادياً، رغم ضيق ذات اليد، والحال البائس، والفقر المدقع الذي يعيشه في مكان إقامته!.

رحم الله الصديقين المنصفين في تعاملهما، مع كل من عرفهما عن قرب، لأنهما ظلا مثالاً يُحتذى في الود والمحبة الخالصة، ورؤوفين ورحيمين بكل من عرفهما.

رحم الله الأخوين الصديقين الحبيبين الغاليين عبد الكريم البو حبال، والطيّب الذكر أبو إبراهيم، بواسع رحمته ووسّع قبريهما وألهم أهلهما وذويهما الصبر والسلوان.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الفقد الموت الصداقة الرقة الغربة الكرم العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 17 أبريل 2019 | عانى المواطن في الرَّقة، كغيره من أبناء المحافظات السورية، المزيد من حالات الإحباط والتوتر واللوعة، وهذا ما استدعى من أبنائها أن يعيدوا النظر بهذه الحالة المضطربة التي تركت بالنسبة لهم أكثر من إشارة استفهام..
    • مشاركة
  • 3 أبريل 2019 | بعد أن قضت حليمة في رحاب النمسا، في ربوع عاصمتها فيينا ما يقارب ثلاث سنوات، فكرت في زيارة أخيها الوحيد وأخواتها الخمس المقيمات في مدن أقجة قلعة، أورفا، وعينتاب..
    • مشاركة
  • 27 مارس 2019 | سعت هنادي، وبكل جهدها، إلى أن تتخلّص من آخر شيء يربطها بمدينتها الرَّقة التي ولدت وعاشت فيها ردحاً من الزمن، حيث اضطرتها ظروفها المعيشية الصعبة أن تغادرها للحاق بأسرتها التي تعيش بعيدة عنها في إحدى المدن السورية الآمنة..
    • مشاركة
  • 12 مارس 2019 | حجزت للسفر، بعد أن أعلمت صديقي أبو حسن الذي أقيم معه، وسبق أن عشنا في بيت واحد ولفترة طويلة وأسرتي في سورية، بموعد السفر والاتجاه إلى موكب اللاجئين معللاً ذلك بلم شمل الأسرة مستقبلاً، واللقاء بأبنائي بعد غياب وعناء كبيرين!..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل