alaraby-search
الأحد 07/04/2019 م (آخر تحديث) الساعة 19:55 بتوقيت القدس 16:55 (غرينتش)
الطقس
errors

هكذا يبدو يوم الأحد لأصحاب الذاكرة الحزينة

7 أبريل 2019

نبذة عن المدون

كاتب وتربوي
الأكثر مشاهدة
تشرق الشمس صباح الأحد كعادتها في بقية الأيام، أستيقظ متأخراً فهو يوم العطلة ويوم الراحة، هو يوم الذكرى يوم اللقاء ويوم الفراق! تتشابه الأيام، فاليوم يبدو عظيماً بحجم بؤسه والنكبات التي فيه.

الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول فيه نكبة، إذا هو يوم عظيم، والعاشر من يونيو/ حزيران نكبة موصل العراق عندما احتلها تنظيم "داعش" وخرجت المدينة عن الحياة، للوهلة الأولى سيبدو عظيماً، وليس بعيداً بل في القريب، الخامس عشر من مارس/ آذار، جريمة نيوزيلندا حين اعتدى هذا الأبله على المصلين. سيكتب في تاريخ الأجيال يوم الجريمة الشنعاء، وقبل عقد من زمان احتلت أميركا بغداد في التاسع من إبريل/ نيسان، يوم نكبة بلاد الرافدين، وفي الحادي والعشرين من مارس/ آذار غرق العبارة في مدينة الموصل، يوم يرحل فيه الناس بالجملة عن الحياة، إذا هو يوم عظيم.. مصائبنا، وما أدراك ما مصائبنا، ربيع العرب الذي لم يثمر سوى الخراب والدمار يعد تاريخ نكبة وفي رواية تاريخ نهضة، ولكل قومٍ أدلتهم وبراهينهم.

أكتب وفي هذه الأثناء أسمع صوت جارتي تصرخ بوجه بناتها وتوبخهم، سيكون يوماً شنيعاً في تاريخهم، لن يشفع لهم جمال وجوههن ولا رقة حديثهن، عندما تأتي النكبة لن تسأل، هذا لطيف أو خبيث، شرير أو خيّر، ستجرف كل من يقف بوجهها.


ألم أقل لكِ ذات أحدٍ بائس كبؤسنا البادي على وجوهنا، أننا لم نخلق للحب والسعادة، خلقنا لأداء مهمة الحياة البائسة، ملامحنا الجميلة وعيوننا السوداء وثيابنا المنسقة والمقهى الهادئ لن يشفع لنا، سنشرب الشاي لا أكثر، أو القهوة لا أكثر.

الكتب التي اشتريناها زادتنا تعاسة وشقاءً، فالإنسان كلما نضج تألم، فالوعي ضرب من الألم، لهذا يبدو القرّاء والواعون أكبر بكثير من أعمارهم، يبدو لك شكلاً من أبناء الأربعين، وهو لم يتجاوز الثلاثين، لقد شاخ قبل أوانه، إن المعرفة شيخوخة مبكرة.

الشهادات العليا بكالوريوس وماجستير ودكتوراه، هي مجرد أوراق يجتازها الإنسان للحصول على ترقية وظيفية، ولا علاقة لها بشيء من العلم إلا القليل، لهذا ترى كثيراً منهم في ريعان الشباب وإن بدا أمامك في الستين، فهو لم يقرأ كتاباً إلا منذ عشرين عاماً.

العلم هو الذي يأتي عن رغبة، أن تقتطع من طعامك لأجل كتابك، أن تدخر من مالك لأجل معرفتك، فمدارس وجامعات اليوم، هي محطة من محطات صناعة العبيد، فلا حرية رأي ولا سؤال ولا استفسار، والإدارة والمعلمون فيها دوماً على صواب، وإن جاء بما لا يتطابق مع الكتاب.

كعادتنا نحن المثقفين نتفلسف كثيراً وهذا ما لا ينسجم مع رغبة الكثيرين، لأن الفلسفة تبصرك بحقيقة الأشياء، وتنقلك من الوهم والظن إلى نور اليقين، والانتقال مكلفٌ على بني البشر. على كل حال أعود إليكِ مرة ثانية، لأنه على ما يبدو أن جارتنا تركت فتياتها بحالهن ولَم أعد أسمع لها صوتاً، ولربما شفع لهن جمالهن بعض الشيء هذه المرة..

تبدو حجرتي أهدأ مكان في إسطنبول، فاليوم تعج الحياة ويخرج الناس إلى السواحل، إلا أنا أرقد على سريري أكتب هذه الكلمات، وأنتِ لا أدري بأي حالٍ أصبحتِ أو أمسيتِ، سوى أن إشارة صفحتكِ في الفيسبوك تبدو خضراء بين الفينة والأخرى، وهنا اطمئن إليكِ وأعود مرة أخرى لأعمالي، لأني لن أقول لكِ تعالي لنخرج نزهة أو نجلس في مقهى أو نذهب نحدث البحر عن أوجاعنا، أو نذهب للمكتبة نلتهم بعض الكتب منها. لقد فعلنا كل هذا، فالبحر قد زرناه وعن حالنا شكونا، والمقهى احتسينا فيه الشاي معاً، وفي المكتبة التقينا وعلى مائدة المعرفة تجاذبنا الحديث، وأمام المعابد جلسنا، صليتُ في محراب الصلاة وخرجتُ لأصلي في محراب عينيك مرة أخرى، وتعلمين أن الصلاة أنواع، وجزءٌ منها في عينيك أو بين ذراعيك نعانق أحلامنا التي رحلت منذ الأحد الذي لم يعد بعدها.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: يوم الأحد الذاكرة الحزن النكبة الفلسفة الثقافة اللقاء الفراق العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 25 أبريل 2019 | كثيراً ما أدخل في نقاشات تخص قضايا تتعلق بالتربية والتعليم، نقاشات مطولة تبين حقائق كثيرة منها: أن بعضاً من التربويين ما زال يعيش حالة من المثالية لا يستطيع هو أن يزاولها، فيما لو كان في هذا الوقت طالباً أو متعلماً..
    • مشاركة
  • 9 أبريل 2019 | هذه خواطر شاب عراقي يحلم بوطن متطور مواكب للدول الناهضة، يرى بلده يتقدم باستمرار، خواطر أكتبها للمواطن سواء كان طالباً أو موظفاً أو أستاذاً أو عاملاً أو مثقفاً، أرسلها عبرهم إلى أصحاب القرار لعل وعسى أن تصحو ضمائرهم..
    • مشاركة
  • 24 مارس 2019 | لم يكن يخطر على بالي يوماً أن أرى المدن خالية من سكانها، خاوية على عروشها، يهجرها أهلها على حين غفلة من الحياة، مشهدٌ مهيبٌ لا يزال عالقاً في ذاكرتي البائسة التي تشكلت من حروب وفواجع وكوارث مستمرة..
    • مشاركة
  • 21 مارس 2019 | لقد وصلنا إلى المحطة المزمع لقاؤنا فيها، ولكنّي طوال الطريق ألمح فتاة جميلة تقف في ناحية من نواحي الحافلة، ترتدي نظارة وتعبث بشعرها بين الفينة والأخرى، كلما اقتربتُ من محطة الوصول أقول لنفسي: كيف سأنزل حينما أصل إلى المحطة؟
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب وتربوي
الأكثر مشاهدة

هكذا يبدو يوم الأحد لأصحاب الذاكرة الحزينة

7 أبريل 2019

نبذة عن المدون

كاتب وتربوي
الأكثر مشاهدة
تشرق الشمس صباح الأحد كعادتها في بقية الأيام، أستيقظ متأخراً فهو يوم العطلة ويوم الراحة، هو يوم الذكرى يوم اللقاء ويوم الفراق! تتشابه الأيام، فاليوم يبدو عظيماً بحجم بؤسه والنكبات التي فيه.

الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول فيه نكبة، إذا هو يوم عظيم، والعاشر من يونيو/ حزيران نكبة موصل العراق عندما احتلها تنظيم "داعش" وخرجت المدينة عن الحياة، للوهلة الأولى سيبدو عظيماً، وليس بعيداً بل في القريب، الخامس عشر من مارس/ آذار، جريمة نيوزيلندا حين اعتدى هذا الأبله على المصلين. سيكتب في تاريخ الأجيال يوم الجريمة الشنعاء، وقبل عقد من زمان احتلت أميركا بغداد في التاسع من إبريل/ نيسان، يوم نكبة بلاد الرافدين، وفي الحادي والعشرين من مارس/ آذار غرق العبارة في مدينة الموصل، يوم يرحل فيه الناس بالجملة عن الحياة، إذا هو يوم عظيم.. مصائبنا، وما أدراك ما مصائبنا، ربيع العرب الذي لم يثمر سوى الخراب والدمار يعد تاريخ نكبة وفي رواية تاريخ نهضة، ولكل قومٍ أدلتهم وبراهينهم.

أكتب وفي هذه الأثناء أسمع صوت جارتي تصرخ بوجه بناتها وتوبخهم، سيكون يوماً شنيعاً في تاريخهم، لن يشفع لهم جمال وجوههن ولا رقة حديثهن، عندما تأتي النكبة لن تسأل، هذا لطيف أو خبيث، شرير أو خيّر، ستجرف كل من يقف بوجهها.


ألم أقل لكِ ذات أحدٍ بائس كبؤسنا البادي على وجوهنا، أننا لم نخلق للحب والسعادة، خلقنا لأداء مهمة الحياة البائسة، ملامحنا الجميلة وعيوننا السوداء وثيابنا المنسقة والمقهى الهادئ لن يشفع لنا، سنشرب الشاي لا أكثر، أو القهوة لا أكثر.

الكتب التي اشتريناها زادتنا تعاسة وشقاءً، فالإنسان كلما نضج تألم، فالوعي ضرب من الألم، لهذا يبدو القرّاء والواعون أكبر بكثير من أعمارهم، يبدو لك شكلاً من أبناء الأربعين، وهو لم يتجاوز الثلاثين، لقد شاخ قبل أوانه، إن المعرفة شيخوخة مبكرة.

الشهادات العليا بكالوريوس وماجستير ودكتوراه، هي مجرد أوراق يجتازها الإنسان للحصول على ترقية وظيفية، ولا علاقة لها بشيء من العلم إلا القليل، لهذا ترى كثيراً منهم في ريعان الشباب وإن بدا أمامك في الستين، فهو لم يقرأ كتاباً إلا منذ عشرين عاماً.

العلم هو الذي يأتي عن رغبة، أن تقتطع من طعامك لأجل كتابك، أن تدخر من مالك لأجل معرفتك، فمدارس وجامعات اليوم، هي محطة من محطات صناعة العبيد، فلا حرية رأي ولا سؤال ولا استفسار، والإدارة والمعلمون فيها دوماً على صواب، وإن جاء بما لا يتطابق مع الكتاب.

كعادتنا نحن المثقفين نتفلسف كثيراً وهذا ما لا ينسجم مع رغبة الكثيرين، لأن الفلسفة تبصرك بحقيقة الأشياء، وتنقلك من الوهم والظن إلى نور اليقين، والانتقال مكلفٌ على بني البشر. على كل حال أعود إليكِ مرة ثانية، لأنه على ما يبدو أن جارتنا تركت فتياتها بحالهن ولَم أعد أسمع لها صوتاً، ولربما شفع لهن جمالهن بعض الشيء هذه المرة..

تبدو حجرتي أهدأ مكان في إسطنبول، فاليوم تعج الحياة ويخرج الناس إلى السواحل، إلا أنا أرقد على سريري أكتب هذه الكلمات، وأنتِ لا أدري بأي حالٍ أصبحتِ أو أمسيتِ، سوى أن إشارة صفحتكِ في الفيسبوك تبدو خضراء بين الفينة والأخرى، وهنا اطمئن إليكِ وأعود مرة أخرى لأعمالي، لأني لن أقول لكِ تعالي لنخرج نزهة أو نجلس في مقهى أو نذهب نحدث البحر عن أوجاعنا، أو نذهب للمكتبة نلتهم بعض الكتب منها. لقد فعلنا كل هذا، فالبحر قد زرناه وعن حالنا شكونا، والمقهى احتسينا فيه الشاي معاً، وفي المكتبة التقينا وعلى مائدة المعرفة تجاذبنا الحديث، وأمام المعابد جلسنا، صليتُ في محراب الصلاة وخرجتُ لأصلي في محراب عينيك مرة أخرى، وتعلمين أن الصلاة أنواع، وجزءٌ منها في عينيك أو بين ذراعيك نعانق أحلامنا التي رحلت منذ الأحد الذي لم يعد بعدها.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: يوم الأحد الذاكرة الحزن النكبة الفلسفة الثقافة اللقاء الفراق العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 25 أبريل 2019 | كثيراً ما أدخل في نقاشات تخص قضايا تتعلق بالتربية والتعليم، نقاشات مطولة تبين حقائق كثيرة منها: أن بعضاً من التربويين ما زال يعيش حالة من المثالية لا يستطيع هو أن يزاولها، فيما لو كان في هذا الوقت طالباً أو متعلماً..
    • مشاركة
  • 9 أبريل 2019 | هذه خواطر شاب عراقي يحلم بوطن متطور مواكب للدول الناهضة، يرى بلده يتقدم باستمرار، خواطر أكتبها للمواطن سواء كان طالباً أو موظفاً أو أستاذاً أو عاملاً أو مثقفاً، أرسلها عبرهم إلى أصحاب القرار لعل وعسى أن تصحو ضمائرهم..
    • مشاركة
  • 24 مارس 2019 | لم يكن يخطر على بالي يوماً أن أرى المدن خالية من سكانها، خاوية على عروشها، يهجرها أهلها على حين غفلة من الحياة، مشهدٌ مهيبٌ لا يزال عالقاً في ذاكرتي البائسة التي تشكلت من حروب وفواجع وكوارث مستمرة..
    • مشاركة
  • 21 مارس 2019 | لقد وصلنا إلى المحطة المزمع لقاؤنا فيها، ولكنّي طوال الطريق ألمح فتاة جميلة تقف في ناحية من نواحي الحافلة، ترتدي نظارة وتعبث بشعرها بين الفينة والأخرى، كلما اقتربتُ من محطة الوصول أقول لنفسي: كيف سأنزل حينما أصل إلى المحطة؟
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب وتربوي
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل