alaraby-search
الأحد 28/04/2019 م (آخر تحديث) الساعة 19:25 بتوقيت القدس 16:25 (غرينتش)
الطقس
errors

يقين المساكين (2 – 2)

28 أبريل 2019

نبذة عن المدون

طبيب وشاعر وكاتب قصص قصيرة ومقالات متنوعة فى الفلسفة والتاريخ والأدب الساخر.. ابن الحارة المصرية وعابر سبيل فى دنيا الله.
الأكثر مشاهدة
ليتني أرى هذا الـ"طاهر الجيلي" الذي غيّر الحارة بهذا الشكل المريب، أيكون حقاً فقيهاً مباركاً من ذوي البركات، فيلتمس الناس لديه الدعاء ويتقربون منه لعل نفحاته تمسّهم، أم أنه فتوة، أفتى من المعلم شحتة، لذلك يوقره ويشيع في الناس أخباره؟!

تتجول هذه الترهلات الفكرية في خاطري وأنا أقترب من المستشفى الذي بدت ملامحه، حتى أجال ناظري عنه مشهد عن بعد، حيث يقف شيخ الحارة أمام المسجد ويصافح رجلاً أربعينياً مهترئاً حاله، يرتدي جلباباً قصيراً مرصعاً بالرقع، متوسط القامة، ولكن يغلب الأربعيني الصمت ولا ينظر لأحد، فقط يستمع.

يهمس من حولهما بأن الشيخ عبدالقوي، شيخ الحارة وإمام مسجد المنجويشي، قد تخلى عن إمامة المسجد لسيدنا الطاهر الجيلي وهو الذي سيلقي علينا الخطبة من بعده.

انقضى الدرب وبدأت وصلة العمل المتكررة، وأنا في المستشفى ظلت تراودني فكرة معرفة هذا الرجل وأروّدها، لكن يلاكمني الفضول لمعرفة الطاهر الذي يعلمه كل من في حارتنا حتى شيخون، صبي المعلم إلا أنا الجاهل الوحيد بينهم.

بعد العصر في العيادة كان على غير العادة، قلّ الزائرون، فهل الناس قد سئمت العلاج وملت الحاجة ومنعهم سوء أحوالهم أم بخلوا بدعائهم مقابل الكشف؟

لم يأت أحد للعيادة حتى أذان المغرب الذي ناداه في الناس الشيخ الجيلي، عرفت صوته الجهوري المختلف عن صوت المؤذن المعتاد، فترجلت عن السلم ثم رحت إلى قهوة المنجويشي ولم ألاقِ أياً من الناس.

حارة المنجويشي التي لم تعرف أبداً طريقها إلى المسجد صارت لا تفوت صلاة، وشيخ الحارة صاحب العنجهية المفرطة والنظرة المبهرجة بالزهو والكبرياء أصبح وكأنه ولي من الأولياء، أصبح صفراً على الشمال بجانب سيدنا الطاهر الجيلي الذي انتزع مشيخة الحارة برغبته وصار شيخاً لها.

بقي حالُ اليوم كما كان أمسه، في العيادة لم يأت أحد، فسألت المعلم عن السبب.
فقال سيدنا الطاهر: ربنا يبارك له.. بيقوم بالواجب مع كل واحد، وبيقول لهم على وصفات، لكن يا دكتور بتقوّم زي الحصان، ثم غمز وهمز بكلمات تمتمها فى أذني بأن: "كل رجالة الحارة بيصلوا وراه ويدعوا له بعد ما نجاهم من ليلة الخميس".

دخل علينا شيخون وقال له: سيدنا الجيلي يطلب منك بأن تتخلى عن فتوة الحارة وتترك الأمور له، ويطلب مقابلتك. قال ذلك بدون أي مقدمات ولا أسباب، فتبعه المعلم شحته برده: "نعم! أنت عارف اللي بتقوله يا هباب الحلل انت.. هو اتجنن ولا إيه؟!".

ثم تنفس آخر أنفاس النارجيلة وهو يصدمها بعرض الحائط، وكأنها كلام الجيلي واختلفت نبرته الحنون إلى الفتوة المجنون وكأنه شخص آخر، ارتسمت خريطة العالم على وجه المعلم شحتة وتغير لونه وامتعض، وانطلق وفي ذيله شيخون وهو في حالة جنون لا تدل على أي خير.

أتعجب مما يدور بحارتنا، فلم تصبح حارة المنجويشى التي باتت أعرفها، كل شيء تبدل على يد الشيخ الجيلي.

قررت أن أسعى لمعرفة سر الشيخ الطاهر الجيلي وتتابع الزمن، حتى تخطيت منطقة الدرب الأحمر، وسألت إن كان هناك أحد يعرف اسم الطاهر الجيلي، وأتعجب وأنا أسمع إجابات بأن الشيخ طاهر الجيلي إمام وخطيب مسجد المغربي قد توفي منذ خمسة أعوام!.. إذاً فمن هذا الأربعيني الصامت؟ من هو وكيف آمنته عقول الحي؟!

لا بد أن يعرف أهل الحارة الحقيقة ونعلم من هذا المحتال، فرجعت للحارة وفوجئت بزحام غير معهود في تلك الآونة؛ أصوات تتعالى وأجساد تنثر العرق، والشمس تتعامد فوق رؤوسنا، وسمعت ضجة تتقدم من الوراء، واقتربت مجموعة من الرجال يرأسهم المعلم شحتة حتى بلغوا موضع الرجل الأربعيني، ثم حضنه اثنان بشدة ثم تعاون الكل على إلباسه جلباب المجانين الهاربين وقال رئيسهم: "يا لك من رجل متعب"، وظلت حارتنا وكراً للمجاذيب والأكاذيب وأصحاب الخطوة الميامين..!

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الحارة الفتوة الحقيقة الكرامات الاحتيال المجاذيب المساكين اليقين العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 5 سبتمبر 2019 | نظر إليه إدريس متعجباً مما يقوله، حتى تابعه: تحقق حلمك الغريب وصورتك ستكون على أول جنيه تصدره حكومتي. وفي يوم 4 يوليو/ تموز 1924 صدر أول جنيه مصري يحمل صورة إدريس الأقصري..
    • مشاركة
  • 28 أغسطس 2019 | طبيعة المقال تحمل النكهة المعلوماتية التي فرضت عليّ هذا الأسلوب في السرد، لذلك لا تشتم وتسب إذا خيبت أملك في رسم ابتسامتك بعض اللحظات التي أصاحبك فيها لتغيب عن عالمك البائس
    • مشاركة
  • 22 أغسطس 2019 | التاريخ هو الشاهد الصامت على الأفعال، و الأديب هو الذي يُنطق ذلك الصامت، مهما كان نوع الأدب الذي يحذق في نسج كلماته سواء كان شعراً أو رواية أو قصة وغيرها من ألوانه المتعددة.
    • مشاركة
  • 21 أغسطس 2019 | وكأن الناس والدنيا غلبتهم الرغبة في أن يعلموني الفلسفة قبل الطريق للمدرسة، فتركوني بزحمة أفكار أتعثر فيها بين القيلِ والقال، ولا أجد ما يزجها ويزيحها عن البال أو حتى يخفف وطأة الصدمات على ناصيتي لكن من مثلي يتحمل هذه الهرطقة؟!..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

طبيب وشاعر وكاتب قصص قصيرة ومقالات متنوعة فى الفلسفة والتاريخ والأدب الساخر.. ابن الحارة المصرية وعابر سبيل فى دنيا الله.
الأكثر مشاهدة

يقين المساكين (2 – 2)

28 أبريل 2019

نبذة عن المدون

طبيب وشاعر وكاتب قصص قصيرة ومقالات متنوعة فى الفلسفة والتاريخ والأدب الساخر.. ابن الحارة المصرية وعابر سبيل فى دنيا الله.
الأكثر مشاهدة
ليتني أرى هذا الـ"طاهر الجيلي" الذي غيّر الحارة بهذا الشكل المريب، أيكون حقاً فقيهاً مباركاً من ذوي البركات، فيلتمس الناس لديه الدعاء ويتقربون منه لعل نفحاته تمسّهم، أم أنه فتوة، أفتى من المعلم شحتة، لذلك يوقره ويشيع في الناس أخباره؟!

تتجول هذه الترهلات الفكرية في خاطري وأنا أقترب من المستشفى الذي بدت ملامحه، حتى أجال ناظري عنه مشهد عن بعد، حيث يقف شيخ الحارة أمام المسجد ويصافح رجلاً أربعينياً مهترئاً حاله، يرتدي جلباباً قصيراً مرصعاً بالرقع، متوسط القامة، ولكن يغلب الأربعيني الصمت ولا ينظر لأحد، فقط يستمع.

يهمس من حولهما بأن الشيخ عبدالقوي، شيخ الحارة وإمام مسجد المنجويشي، قد تخلى عن إمامة المسجد لسيدنا الطاهر الجيلي وهو الذي سيلقي علينا الخطبة من بعده.

انقضى الدرب وبدأت وصلة العمل المتكررة، وأنا في المستشفى ظلت تراودني فكرة معرفة هذا الرجل وأروّدها، لكن يلاكمني الفضول لمعرفة الطاهر الذي يعلمه كل من في حارتنا حتى شيخون، صبي المعلم إلا أنا الجاهل الوحيد بينهم.

بعد العصر في العيادة كان على غير العادة، قلّ الزائرون، فهل الناس قد سئمت العلاج وملت الحاجة ومنعهم سوء أحوالهم أم بخلوا بدعائهم مقابل الكشف؟

لم يأت أحد للعيادة حتى أذان المغرب الذي ناداه في الناس الشيخ الجيلي، عرفت صوته الجهوري المختلف عن صوت المؤذن المعتاد، فترجلت عن السلم ثم رحت إلى قهوة المنجويشي ولم ألاقِ أياً من الناس.

حارة المنجويشي التي لم تعرف أبداً طريقها إلى المسجد صارت لا تفوت صلاة، وشيخ الحارة صاحب العنجهية المفرطة والنظرة المبهرجة بالزهو والكبرياء أصبح وكأنه ولي من الأولياء، أصبح صفراً على الشمال بجانب سيدنا الطاهر الجيلي الذي انتزع مشيخة الحارة برغبته وصار شيخاً لها.

بقي حالُ اليوم كما كان أمسه، في العيادة لم يأت أحد، فسألت المعلم عن السبب.
فقال سيدنا الطاهر: ربنا يبارك له.. بيقوم بالواجب مع كل واحد، وبيقول لهم على وصفات، لكن يا دكتور بتقوّم زي الحصان، ثم غمز وهمز بكلمات تمتمها فى أذني بأن: "كل رجالة الحارة بيصلوا وراه ويدعوا له بعد ما نجاهم من ليلة الخميس".

دخل علينا شيخون وقال له: سيدنا الجيلي يطلب منك بأن تتخلى عن فتوة الحارة وتترك الأمور له، ويطلب مقابلتك. قال ذلك بدون أي مقدمات ولا أسباب، فتبعه المعلم شحته برده: "نعم! أنت عارف اللي بتقوله يا هباب الحلل انت.. هو اتجنن ولا إيه؟!".

ثم تنفس آخر أنفاس النارجيلة وهو يصدمها بعرض الحائط، وكأنها كلام الجيلي واختلفت نبرته الحنون إلى الفتوة المجنون وكأنه شخص آخر، ارتسمت خريطة العالم على وجه المعلم شحتة وتغير لونه وامتعض، وانطلق وفي ذيله شيخون وهو في حالة جنون لا تدل على أي خير.

أتعجب مما يدور بحارتنا، فلم تصبح حارة المنجويشى التي باتت أعرفها، كل شيء تبدل على يد الشيخ الجيلي.

قررت أن أسعى لمعرفة سر الشيخ الطاهر الجيلي وتتابع الزمن، حتى تخطيت منطقة الدرب الأحمر، وسألت إن كان هناك أحد يعرف اسم الطاهر الجيلي، وأتعجب وأنا أسمع إجابات بأن الشيخ طاهر الجيلي إمام وخطيب مسجد المغربي قد توفي منذ خمسة أعوام!.. إذاً فمن هذا الأربعيني الصامت؟ من هو وكيف آمنته عقول الحي؟!

لا بد أن يعرف أهل الحارة الحقيقة ونعلم من هذا المحتال، فرجعت للحارة وفوجئت بزحام غير معهود في تلك الآونة؛ أصوات تتعالى وأجساد تنثر العرق، والشمس تتعامد فوق رؤوسنا، وسمعت ضجة تتقدم من الوراء، واقتربت مجموعة من الرجال يرأسهم المعلم شحتة حتى بلغوا موضع الرجل الأربعيني، ثم حضنه اثنان بشدة ثم تعاون الكل على إلباسه جلباب المجانين الهاربين وقال رئيسهم: "يا لك من رجل متعب"، وظلت حارتنا وكراً للمجاذيب والأكاذيب وأصحاب الخطوة الميامين..!

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الحارة الفتوة الحقيقة الكرامات الاحتيال المجاذيب المساكين اليقين العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 5 سبتمبر 2019 | نظر إليه إدريس متعجباً مما يقوله، حتى تابعه: تحقق حلمك الغريب وصورتك ستكون على أول جنيه تصدره حكومتي. وفي يوم 4 يوليو/ تموز 1924 صدر أول جنيه مصري يحمل صورة إدريس الأقصري..
    • مشاركة
  • 28 أغسطس 2019 | طبيعة المقال تحمل النكهة المعلوماتية التي فرضت عليّ هذا الأسلوب في السرد، لذلك لا تشتم وتسب إذا خيبت أملك في رسم ابتسامتك بعض اللحظات التي أصاحبك فيها لتغيب عن عالمك البائس
    • مشاركة
  • 22 أغسطس 2019 | التاريخ هو الشاهد الصامت على الأفعال، و الأديب هو الذي يُنطق ذلك الصامت، مهما كان نوع الأدب الذي يحذق في نسج كلماته سواء كان شعراً أو رواية أو قصة وغيرها من ألوانه المتعددة.
    • مشاركة
  • 21 أغسطس 2019 | وكأن الناس والدنيا غلبتهم الرغبة في أن يعلموني الفلسفة قبل الطريق للمدرسة، فتركوني بزحمة أفكار أتعثر فيها بين القيلِ والقال، ولا أجد ما يزجها ويزيحها عن البال أو حتى يخفف وطأة الصدمات على ناصيتي لكن من مثلي يتحمل هذه الهرطقة؟!..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

طبيب وشاعر وكاتب قصص قصيرة ومقالات متنوعة فى الفلسفة والتاريخ والأدب الساخر.. ابن الحارة المصرية وعابر سبيل فى دنيا الله.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل