alaraby-search
الإثنين 22/04/2019 م (آخر تحديث) الساعة 22:03 بتوقيت القدس 19:03 (غرينتش)
الطقس
errors

في مقهى ريش

22 أبريل 2019

نبذة عن المدون

طبيبة بشرية، ومدونة ومحررة حرة.
الأكثر مشاهدة
عزيزي زائر الليل،،
صباح/ مساء الخير حسب التوقيت المحلي الذي تقع فيه عيناك على هذا النص..

كنت أحتسي قهوة الصباح منذ قليل، لتوي أنهيت آخر رشفة من الكوب. أعلم أنك ستُفاجأ من قولي هذا، فأنت تعلم سلفا أنني لست من جماهير محبي القهوة الغفيرة، ولا أحب أولئك المصطنعين الذين يتباهون بعشقهم القهوة، ولا يستطيعون بدء يومهم من دون احتساء قهوتهم المفضلة على أنغام أغاني فيروز.

أنا شخصية بسيطة، لا أحب التكلف والاصطناع، ولم أحب أبدا مظاهر الغلو والمبالغة في أي شيء سواء كان نافعا أم ضارا. المبالغة تفقد الشيء مغزاه، وتجعلني أنفر من صاحبها، وأتشمم رائحة إحساس بالنقص في داخله يحاول مُواراته.

لم أحب القهوة أبدا، ولم أكن أفهم سر ذلك الهيام بها من مُحبيها. ذات مرة، جربت أن أحتسي فنجانا رغبة في سبر أغوار الأسرار الكامنة وراء شعبيتها الطاغية؛ فكانت النتيجة مخيبة لآمالي. لم أستسغ ذلك المشروب على الإطلاق، وشعرت بالنفور الشديد من مذاقها، ولم أدرِ كيف يمكن أن يحب أي كائن على وجه الأرض هذا الشراب المرير.


هجرتها منذ ذلك الحين، وبدأت أقتنع أنها محض موضة رائجة يفاخر بها جماعات المثقفين الجدد، الذين لا تتعدى قراءتهم بضعة روايات وكتيبات من تلك التي ظهرت في السنوات الأخيرة، ولا تحمل في طياتها أي مقومات أدبية تجعلنا نصنفها رواياتٍ أو أي نوع من العمل الأدبي. إنما فقط بضعة صفحات مسطر عليها نصوص، تفوح منها رائحة المتاجرة والاستخفاف بالعقول، ولا تهدف سوى لتقديم ما يرغبه السوق هذه الأيام لتحقيق الأرباح المادية، تماما مثل الأفلام التجارية التي لا تقدم فنا ولا تخدم قضية، إنما أنتجت من أجل درّ المال من شبابيك التذاكر. "شغل سوق" من الآخر.

بالطبع لا يعني هذا أن جميع محبي القهوة يصنفون ضمن هؤلاء، ولا أعمد أبدا إلى التقليل ممن يحبها، فلكل أسبابه، ولكل احترامه، وللجميع الحق في أن يحب ما يشاء ويكره ما يشاء. إنما فقط أتحدث عن تجربة شخصية. وللحق، فأنا لم أهجر القهوة تماما، فقد كنت أضطر للجوء إليها في بعض الأوقات، أيام الامتحانات، وليالي السهر على إنجاز عمل اقترب موعد تسليمه، وكلما احتجت أن أجمع عقلي وأصب تركيزي على مهمة ما.. مؤخرا لجأت إليها لغرض آخر، غرض غريب ربما لكنه حدث، ولا أعلم كيف..

أذكر حديثا من أحاديثنا السابقة، آه لكم يؤلمني أن أصفها بالسابقة وأصوغها في زمن الماضي، على كل حال، أذكر جيدا حديثك عن حبك للقهوة. أذكر ذلك الفنجان الذي لم يغادر صورة مكتبك في العمل، وفي المنزل، وفي كل مكان. أذكر عندما أخبرتني كيف جعلت والديك يُدمنانها بعد أن كانا عازفين عنها مثلي تماما. أذكر حبك للجلوس مع أصدقائك في المقهى البلدي، الذي كنت تراه أفضل مكان في العالم للخروج وقضاء الوقت، وكأنها زوجة أصيلة تحتوي كل من يلجأ إليها من دون أن تشكو أو تتذمر أبدا، وأذكر الكثير، والكثير..

أتذكر عندما أخبرتك أنني لن أتداعى مثل والديك، ولن أقع في حب القهوة مهما حاولت التأثير عليّ؟ أتذكر كم حاولت أن تتحداني، وقُلت لي "أنا هخليكي تتدمنيها"، وسخرت منك حينها، وقلت لي "هنشوف"؟

وظللت ثابتة على موقفي، متمسكة برأيي، عازفة عن الاقتراب من القهوة بأنواعها، التي كنت تحترف معرفة أصلها، وصناعتها، وتاريخها، وكل ما يتعلق بها، ولا تمل من شربها، وتتبع أفضل أماكن شراء أجود أنواعها. بينما أنا احتفظت بمسافة آمنة بعيدا عن الوقوع في شراك التعلق بالمشروب الساحر الذي يأسر قلوب الملايين في العالم، ولم تفلح محاولاتك معي التي كانت أشد سحرا وأسرا.

كنت أظن أني ربحت التحدي، وشعرت بالفخر لقوة ثباتي، لكني لم أدرك أنني وقعت في شرك آخر. بلا وعي مني، وجدتني أسيرة ما هو أقوى وأعمق من القهوة، لم تكن القهوة سوى ستار تتخفى خلفه جذور، أخذت تتسلل وتلتف حولي وتُكوّن شبكة متماسكة من الأغلال تُقيدني.. نعم، لم تجعلني تلك الأغلال أدمن القهوة، ولكنها جعلتني أُدمنك أنت!

الآن، وقد صار ما بيننا في حدث "كان"، باتت القهوة ملاذي الوحيد للتشبث بأي شيء يُشعرني بأن الأمور لم تنتهِ، بأن هناك بصيص أمل قد يُعيد المياه إلى مجراها، بأنك ما زالت إلى جانبي، وأنني لم أفقدك إلى الأبد..

ذلك الفنجان الذي أحتسيه صباحا إنما أحتسيه عوضا عن رسائلك التي كانت تُنير صباحي، وتُنعش يومي. وذاك الفنجان الذي أتجرعه ليلا، إنما أتجرعه عوضا عن صوتك الذي كنت أنام عليه، وكان أحبّ صوت أؤثر أن أختم به ليلتي بعد عناء يوم شاق.

أتعلم أني لم أعد أجد مذاقها مريرا في فمي؟.. بعد أن تجرعت مرارة فقدك، لم أجد أي شيء آخر أكثر مرارة. لم تعد القهوة ذلك المشروب المرير الذي امتعضت منه، بل باتت رفيقي الأثير، وجليس أحزاني، وصندوق ذكرياتي، الذي يُبقيك حيّا داخلي. وبالتأكيد ليست القهوة وحدها، بل غيرها الكثير مما اعتدنا مشاركته معا. ولكنها الشيء الفعلي الذي يمكنني مشاركته معك حاليا ولو في البُعد، فالزمن لم يسمح لنا أن نتشارك ما حلمنا بتجربته معا، ولم يمنحنا الفرصة لتحقيق أي مما خططنا له.. لقد خذلنا الحاضر، وأدار لنا المستقبل ظهره، ولم يعد أمامي سوى استرجاع الماضي، والبكاء على الأطلال.

أحاول منع مقلتي عن البكاء، لكنهما تُغالبانني وتتساقط عَبَراتهما دون إذن مني. أحاول منع عقلي عن التفكير بك، وبكل ما كان يمكننا فعله، بكل ما أردنا مشاركته، بكل ما حلمنا بإنجازه، بكل خطوة رغبنا أن نخطوها معا.. وبكل، وبكل، وبكل.. لكنني لا أجد لذلك سبيلا..

يسبقني سيل الذكريات، يمر أمامي كشريط سينمائي عتيق بالأبيض والأسود، تتخلله كثير من لحظات الفرح، والبهجة الخالصة في كل مرة كنا نشعر فيها بأننا نملك العالم طالما أنه لدينا أحدنا الآخر، وفي كل مرة ضحكنا من أعماق قلبينا، وكأننا لم نحزن قط، وكأن العالم لم يخذلنا قط..

عجبا يمر ذلك الشريط وهو يتغاضى عن لحظات الشجار، ويقتطع تلك الشهور والأيام والساعات التي كنا نقضيها في خلاف وخصام. أذكر كم كنت أشعر بالضيق الشديد حينها، ويتملكني غضب عارم منك، وأقاطعك وأتجاهلك من شدة غيظي، حتى تأتي لمصالحتي، وتعيب عليّ أنني كثيرة القلق، والغضب لأبسط الأسباب..

"متزعليش"، "حقك عليا"، "أنا آسف"،.. آه لتلك الكلمات اللعينة التي كنت أرضى لمجرد سماعها، وأنسى كل شيء، ونعود لمَرحنا وهزلنا وكأن شيئا لم يكن.. ألا يمكن لأي من هذا أن يعود؟

أحاول أن أهون على نفسي، وأقول لها "لستما أول اثنين يُفرَّق بينهما، ولن تكونا الأخيرين". عادة ما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، بيد أن سفينتنا لم تأخذ فرصة الإقلاع، وجرى وأد محاولتها مذ أن كانت في الميناء.. إلى متى ستظل راسية في الميناء؟ وهل سيأتي وقت تُرفع فيه مرساتها، وتُحركها الرياح، وتغادر إلى حال سبيلها؟

لا أعلم.. لكن ما أعلمه هو أنني سأظل أشرب القهوة، وأذكرك مع كل فنجان، وكل ذرة بُنّ، وكل رشفة.. ستظل حيّا داخلي ولن تخمد ذكراك، مهما مرت السنون، والشهور، والأيام.

سأظل أحلم باليوم الذي تدعوني فيه لتناول فنجان في مقهى "ريش" الشهير، الذي كان على قائمة الأماكن التي نود زيارتها سويا، بصحبتي رواية للعم نجيب، أخفيها في حقيبتي حتى نصل هناك، ثم أهديها لك -كما خططت منذ زمن لم يسمح لي-، ثم نغادر المقهى ونخرج للسير على كورنيش النيل، ونحن نستمع سويا إلى عبد الوهاب وهو يقول "إمتى الزمان يسمح يا جميل.."

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print

نبذة عن المدون

طبيبة بشرية، ومدونة ومحررة حرة.
الأكثر مشاهدة

في مقهى ريش

22 أبريل 2019

نبذة عن المدون

طبيبة بشرية، ومدونة ومحررة حرة.
الأكثر مشاهدة
عزيزي زائر الليل،،
صباح/ مساء الخير حسب التوقيت المحلي الذي تقع فيه عيناك على هذا النص..

كنت أحتسي قهوة الصباح منذ قليل، لتوي أنهيت آخر رشفة من الكوب. أعلم أنك ستُفاجأ من قولي هذا، فأنت تعلم سلفا أنني لست من جماهير محبي القهوة الغفيرة، ولا أحب أولئك المصطنعين الذين يتباهون بعشقهم القهوة، ولا يستطيعون بدء يومهم من دون احتساء قهوتهم المفضلة على أنغام أغاني فيروز.

أنا شخصية بسيطة، لا أحب التكلف والاصطناع، ولم أحب أبدا مظاهر الغلو والمبالغة في أي شيء سواء كان نافعا أم ضارا. المبالغة تفقد الشيء مغزاه، وتجعلني أنفر من صاحبها، وأتشمم رائحة إحساس بالنقص في داخله يحاول مُواراته.

لم أحب القهوة أبدا، ولم أكن أفهم سر ذلك الهيام بها من مُحبيها. ذات مرة، جربت أن أحتسي فنجانا رغبة في سبر أغوار الأسرار الكامنة وراء شعبيتها الطاغية؛ فكانت النتيجة مخيبة لآمالي. لم أستسغ ذلك المشروب على الإطلاق، وشعرت بالنفور الشديد من مذاقها، ولم أدرِ كيف يمكن أن يحب أي كائن على وجه الأرض هذا الشراب المرير.


هجرتها منذ ذلك الحين، وبدأت أقتنع أنها محض موضة رائجة يفاخر بها جماعات المثقفين الجدد، الذين لا تتعدى قراءتهم بضعة روايات وكتيبات من تلك التي ظهرت في السنوات الأخيرة، ولا تحمل في طياتها أي مقومات أدبية تجعلنا نصنفها رواياتٍ أو أي نوع من العمل الأدبي. إنما فقط بضعة صفحات مسطر عليها نصوص، تفوح منها رائحة المتاجرة والاستخفاف بالعقول، ولا تهدف سوى لتقديم ما يرغبه السوق هذه الأيام لتحقيق الأرباح المادية، تماما مثل الأفلام التجارية التي لا تقدم فنا ولا تخدم قضية، إنما أنتجت من أجل درّ المال من شبابيك التذاكر. "شغل سوق" من الآخر.

بالطبع لا يعني هذا أن جميع محبي القهوة يصنفون ضمن هؤلاء، ولا أعمد أبدا إلى التقليل ممن يحبها، فلكل أسبابه، ولكل احترامه، وللجميع الحق في أن يحب ما يشاء ويكره ما يشاء. إنما فقط أتحدث عن تجربة شخصية. وللحق، فأنا لم أهجر القهوة تماما، فقد كنت أضطر للجوء إليها في بعض الأوقات، أيام الامتحانات، وليالي السهر على إنجاز عمل اقترب موعد تسليمه، وكلما احتجت أن أجمع عقلي وأصب تركيزي على مهمة ما.. مؤخرا لجأت إليها لغرض آخر، غرض غريب ربما لكنه حدث، ولا أعلم كيف..

أذكر حديثا من أحاديثنا السابقة، آه لكم يؤلمني أن أصفها بالسابقة وأصوغها في زمن الماضي، على كل حال، أذكر جيدا حديثك عن حبك للقهوة. أذكر ذلك الفنجان الذي لم يغادر صورة مكتبك في العمل، وفي المنزل، وفي كل مكان. أذكر عندما أخبرتني كيف جعلت والديك يُدمنانها بعد أن كانا عازفين عنها مثلي تماما. أذكر حبك للجلوس مع أصدقائك في المقهى البلدي، الذي كنت تراه أفضل مكان في العالم للخروج وقضاء الوقت، وكأنها زوجة أصيلة تحتوي كل من يلجأ إليها من دون أن تشكو أو تتذمر أبدا، وأذكر الكثير، والكثير..

أتذكر عندما أخبرتك أنني لن أتداعى مثل والديك، ولن أقع في حب القهوة مهما حاولت التأثير عليّ؟ أتذكر كم حاولت أن تتحداني، وقُلت لي "أنا هخليكي تتدمنيها"، وسخرت منك حينها، وقلت لي "هنشوف"؟

وظللت ثابتة على موقفي، متمسكة برأيي، عازفة عن الاقتراب من القهوة بأنواعها، التي كنت تحترف معرفة أصلها، وصناعتها، وتاريخها، وكل ما يتعلق بها، ولا تمل من شربها، وتتبع أفضل أماكن شراء أجود أنواعها. بينما أنا احتفظت بمسافة آمنة بعيدا عن الوقوع في شراك التعلق بالمشروب الساحر الذي يأسر قلوب الملايين في العالم، ولم تفلح محاولاتك معي التي كانت أشد سحرا وأسرا.

كنت أظن أني ربحت التحدي، وشعرت بالفخر لقوة ثباتي، لكني لم أدرك أنني وقعت في شرك آخر. بلا وعي مني، وجدتني أسيرة ما هو أقوى وأعمق من القهوة، لم تكن القهوة سوى ستار تتخفى خلفه جذور، أخذت تتسلل وتلتف حولي وتُكوّن شبكة متماسكة من الأغلال تُقيدني.. نعم، لم تجعلني تلك الأغلال أدمن القهوة، ولكنها جعلتني أُدمنك أنت!

الآن، وقد صار ما بيننا في حدث "كان"، باتت القهوة ملاذي الوحيد للتشبث بأي شيء يُشعرني بأن الأمور لم تنتهِ، بأن هناك بصيص أمل قد يُعيد المياه إلى مجراها، بأنك ما زالت إلى جانبي، وأنني لم أفقدك إلى الأبد..

ذلك الفنجان الذي أحتسيه صباحا إنما أحتسيه عوضا عن رسائلك التي كانت تُنير صباحي، وتُنعش يومي. وذاك الفنجان الذي أتجرعه ليلا، إنما أتجرعه عوضا عن صوتك الذي كنت أنام عليه، وكان أحبّ صوت أؤثر أن أختم به ليلتي بعد عناء يوم شاق.

أتعلم أني لم أعد أجد مذاقها مريرا في فمي؟.. بعد أن تجرعت مرارة فقدك، لم أجد أي شيء آخر أكثر مرارة. لم تعد القهوة ذلك المشروب المرير الذي امتعضت منه، بل باتت رفيقي الأثير، وجليس أحزاني، وصندوق ذكرياتي، الذي يُبقيك حيّا داخلي. وبالتأكيد ليست القهوة وحدها، بل غيرها الكثير مما اعتدنا مشاركته معا. ولكنها الشيء الفعلي الذي يمكنني مشاركته معك حاليا ولو في البُعد، فالزمن لم يسمح لنا أن نتشارك ما حلمنا بتجربته معا، ولم يمنحنا الفرصة لتحقيق أي مما خططنا له.. لقد خذلنا الحاضر، وأدار لنا المستقبل ظهره، ولم يعد أمامي سوى استرجاع الماضي، والبكاء على الأطلال.

أحاول منع مقلتي عن البكاء، لكنهما تُغالبانني وتتساقط عَبَراتهما دون إذن مني. أحاول منع عقلي عن التفكير بك، وبكل ما كان يمكننا فعله، بكل ما أردنا مشاركته، بكل ما حلمنا بإنجازه، بكل خطوة رغبنا أن نخطوها معا.. وبكل، وبكل، وبكل.. لكنني لا أجد لذلك سبيلا..

يسبقني سيل الذكريات، يمر أمامي كشريط سينمائي عتيق بالأبيض والأسود، تتخلله كثير من لحظات الفرح، والبهجة الخالصة في كل مرة كنا نشعر فيها بأننا نملك العالم طالما أنه لدينا أحدنا الآخر، وفي كل مرة ضحكنا من أعماق قلبينا، وكأننا لم نحزن قط، وكأن العالم لم يخذلنا قط..

عجبا يمر ذلك الشريط وهو يتغاضى عن لحظات الشجار، ويقتطع تلك الشهور والأيام والساعات التي كنا نقضيها في خلاف وخصام. أذكر كم كنت أشعر بالضيق الشديد حينها، ويتملكني غضب عارم منك، وأقاطعك وأتجاهلك من شدة غيظي، حتى تأتي لمصالحتي، وتعيب عليّ أنني كثيرة القلق، والغضب لأبسط الأسباب..

"متزعليش"، "حقك عليا"، "أنا آسف"،.. آه لتلك الكلمات اللعينة التي كنت أرضى لمجرد سماعها، وأنسى كل شيء، ونعود لمَرحنا وهزلنا وكأن شيئا لم يكن.. ألا يمكن لأي من هذا أن يعود؟

أحاول أن أهون على نفسي، وأقول لها "لستما أول اثنين يُفرَّق بينهما، ولن تكونا الأخيرين". عادة ما تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، بيد أن سفينتنا لم تأخذ فرصة الإقلاع، وجرى وأد محاولتها مذ أن كانت في الميناء.. إلى متى ستظل راسية في الميناء؟ وهل سيأتي وقت تُرفع فيه مرساتها، وتُحركها الرياح، وتغادر إلى حال سبيلها؟

لا أعلم.. لكن ما أعلمه هو أنني سأظل أشرب القهوة، وأذكرك مع كل فنجان، وكل ذرة بُنّ، وكل رشفة.. ستظل حيّا داخلي ولن تخمد ذكراك، مهما مرت السنون، والشهور، والأيام.

سأظل أحلم باليوم الذي تدعوني فيه لتناول فنجان في مقهى "ريش" الشهير، الذي كان على قائمة الأماكن التي نود زيارتها سويا، بصحبتي رواية للعم نجيب، أخفيها في حقيبتي حتى نصل هناك، ثم أهديها لك -كما خططت منذ زمن لم يسمح لي-، ثم نغادر المقهى ونخرج للسير على كورنيش النيل، ونحن نستمع سويا إلى عبد الوهاب وهو يقول "إمتى الزمان يسمح يا جميل.."

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print

نبذة عن المدون

طبيبة بشرية، ومدونة ومحررة حرة.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل