alaraby-search
الخميس 11/04/2019 م (آخر تحديث) الساعة 20:05 بتوقيت القدس 17:05 (غرينتش)
الطقس
errors

مكر الساسة في "كرسيّ الرئاسة"

11 أبريل 2019

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مغربي، يعمل في المجال الإعلامي وينشر في عدد من المنابر الوطنية والعربية.
الأكثر مشاهدة
حينما اندلعت الأزمة الفنزويلية، التي لم تتشابك خيوطها وتحتد بعد، لبروز أوليات أخرى جعلت الولايات المتحدة الأميركية تؤجل ضربات المقصّ الحاسمة، وجدت نفسي أعيد استحضار أجواء رواية "كرسيّ الرئاسة"، ورسم ملامح شخصياتها المتصارعة بخبث ومكر على السلطة.

كنت قرأت هذه الرواية المكسيكية للروائي المعروف كارلوس فوينتس، الصادرة عن دار رؤية في طبعتها الأولى 2009 بترجمة خالد الجبيلي، لكن تصدّر فنزويلا للأخبار العالمية دفعني مرة ثانية وفي محاولة لفهم ما يجري، للبحث في رفوف مكتبتي عن هذه الرواية التي كنت اقتنيتها من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء ذات يوم.

إعلان خوان غوايدو نفسه أمام الجماهير رئيساً مؤقتاً لفنزويلا، واعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب به في تغريدة له بعد دقائق قليلة على تويتر، أمام رئيس البلاد نيكولاس مادورو الذي لا يزال يقاوم، جعل الأمر شبيهاً برواية، وهذا ما حثّني أكثر كي أعيد قراءة هذه الرواية وأدقق في ما بين سطورها.


فبالرغم من أن "عرش النسر"، العنوان الأصلي للرواية، وهو بالمناسبة إحالة على الشعار الوطني المكسيكي، الذي يمثل نسراً يجثم بمخالبه فوق نبات الصبار ويلتهم ثعباناً، بالرغم من أن الرواية لا تتحدث عن فنزويلا، إلا أن حضور اللاعب القوي الولايات المتحدة الأميركية في "كرسيّ الرئاسة"، جعلني أعيد قراءتها أكثر من مرة، بل أحملها معي في محفظتي، وأتحين أي فرصة كي أقرأ بعض صفحاتها لأفهم عالم السياسة الموبوء، الذي لا يعرف الأخلاق.

الرواية بدت لي وصفة ناجعة لفهم ما يجري خلف الستارة، حيث الصراع على أشدّه على "كرسيّ الرئاسة"، لا فقط في فنزويلا والمكسيك وإنما في كافة بلدان العالم.

في المكسيك أحد بلدان أميركا اللاتينية، التي كثيراً ما اعتبرتها الولايات المتحدة "حديقتها الخلفية" تدور أحداث الرواية، أما زمنها فهو عام 2020، وهو بالطبع تاريخ افتراضي، أما فكرتها الرئيسة التي تنطلق منها فتتلخص في أنّ رئيس جمهورية المكسيك لورنزو تيران صاحب النزعة المثالية، يندفع ويصوّت خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي ضد احتلال الولايات المتحدة الأميركية لكولومبيا، كما أنه سوف يدعو إلى وقف تصدير النفط المكسيكي إلى الولايات المتحدة، إذا لم توافق واشنطن على رفع أسعار النفط التي حددتها منظمة الدول المصدّرة للنفط (الأوبك).

وبالطبع فإنّ رد أميركا يأتي سريعاً وهي التي لم تعتد أن يقف أحد في وجهها، فتقرر الانتقام بواسطة رئيستها كوندوليزا رايس، كما يفترض فوينتس، هكذا يتم قطع نظام الاتصالات في المكسيك، على اعتبار أن هذا النظام مرتبط بالقمر الاصطناعي الأميركي. فتتوقف كل الاتصالات الهاتفية والفاكسات والبريد الإلكتروني والإنترنت في المكسيك، ويغوص البلد في كابوس إداري لا حدود له، ويصبح تبادل الرسائل التقليدية الوسيلة الوحيدة للتواصل. وسرعان ما يبرز المتنافسون الذين سيسعون للاستيلاء على السلطة، من خلال الرسائل التي سيتبادلونها، فتظهر ألاعيب السياسيين ومكرهم للاستيلاء على "كرسيّ الرئاسة".

في إحدى الرسائل تكتب إحدى الشخصيات لأخرى: "لا توجد بدايات في السياسة. لحظات فقط. والقدرة على الإمساك بها قبل أن تفلت منك"، ونقرأ أيضاً: "لا توجد سياسة بدون أوغاد، لا يوجد مجتمع بدون شياطين. ففي بعض الأحيان، إما التسامح إزاء الخطايا وإما التستر عليها، لا لحماية الدولة بقدر ما هو لحماية المجتمع من سلطاته الشيطانية".

إن طريقة الرسائل التي اعتمدها الكاتب طريقة ذكية فضح بها السياسيين الأوغاد، لكن الرابح الأكبر في الأول والأخير كان القارئ الذي سيكشف الصورة الحقيقة لأولئك الذين سلّمهم الشعب رأسه وهو يصفق، وهذا ولا شك أهم ما هدف إليه الكاتب، الذي ليس غريباً عن عالم السياسة، فقد كان فوينتس سفيراً لبلاده في فرنسا منتصف سبعينيات القرن الماضي. كما درس لفترة في تشيلي، حيث تأثر بشعرائها مثل بابلو نيرودا وغابرييلا ميسترال. وهو يعدّ واحداً من أهم كتّاب أميركا اللاتينية، إذ تم ترشيحه لنيل جائزة نوبل في الأدب في عدة مناسبات. كما حصل على عدد من الجوائز من بينها جائزة أمير أستورياس للأدب 1994، كما تم تعيينه عضواً شرفياً لأكاديمية المكسيك للّغة في 2001.

الرواية مكوّنة من سبعين رسالة تتبادلها مجموعة من المتناحرين على السلطة، إذ يبدأ أبطالها في تبادل الرسائل التي يبثّون فيها اعترافاتهم ووشاياتهم بعضهم ببعض، وتهديداتهم وأشكال تحالفاتهم وكذبهم وتورطهم في الاغتيالات، وضربهم من تحت الحزام للوصول إلى "كرسي النسر".

في رسالة إحدى الشخصيات نقرأ: "أظن أنه من الأفضل أن أكون رجلاً عجوزاً ماكراً لكن جاهلاً، لأن السياسي المثقف والجيد التعليم لا يدخل الثقة إلى نفس الإنسان العادي. ففي الولايات المتحدة، لم يقبل أدلاي ستيفينسون لأنه كان على درجة عالية من الثقافة والتعليم. وكانوا يدعونه "المثقف الأصلع". وكان على بيل كلينتون أن يخفي درجة تعليمه عن الجمهور بينما أظهر بوش الابن، من الناحية الأخرى، جهله بالفعل".. وفي رسالة أخرى نقرأ: "إننا ضعفاء أمام الحب، وضعفاء أمام السلطة إذا لم نكن معاً".

حقيقة الرواية قد تكفي أحياناً لفهم ما يجري في عالم السياسة، دون أن نكون طرفاً فيها أو سفلة وقتلة.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: كرسي الرئاسة الساسة فنزويلا عرش النسر أميركا الصراع السلطة العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 2 أبريل 2019 | نعرف نحن العرب أن أكبر لعنة لحقتنا ولا تزال هي هزيمتنا في حرب الستة أيام، حرب حزيران، فلو كان الانتصار حليفنا لكان الواقع اليوم غير هذا الواقع الخانع، فالمنتصر هو من يفرض شروطه لا المهزوم المنكسر الذي يجر أذيال الخيبة..
    • مشاركة
  • 25 مارس 2019 | الغريب العجيب أن الديك فعلاً باض هذه المرة وبالفعل، لكن الأغرب والأعجب منه أن هذا الديك الذي يلبسه المسلمون هالة القداسة، لكونه ينبههم لأوقات صلواتهم، لم يختر بلدانهم ليبيض فيها..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مغربي، يعمل في المجال الإعلامي وينشر في عدد من المنابر الوطنية والعربية.
الأكثر مشاهدة

مكر الساسة في "كرسيّ الرئاسة"

11 أبريل 2019

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مغربي، يعمل في المجال الإعلامي وينشر في عدد من المنابر الوطنية والعربية.
الأكثر مشاهدة
حينما اندلعت الأزمة الفنزويلية، التي لم تتشابك خيوطها وتحتد بعد، لبروز أوليات أخرى جعلت الولايات المتحدة الأميركية تؤجل ضربات المقصّ الحاسمة، وجدت نفسي أعيد استحضار أجواء رواية "كرسيّ الرئاسة"، ورسم ملامح شخصياتها المتصارعة بخبث ومكر على السلطة.

كنت قرأت هذه الرواية المكسيكية للروائي المعروف كارلوس فوينتس، الصادرة عن دار رؤية في طبعتها الأولى 2009 بترجمة خالد الجبيلي، لكن تصدّر فنزويلا للأخبار العالمية دفعني مرة ثانية وفي محاولة لفهم ما يجري، للبحث في رفوف مكتبتي عن هذه الرواية التي كنت اقتنيتها من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء ذات يوم.

إعلان خوان غوايدو نفسه أمام الجماهير رئيساً مؤقتاً لفنزويلا، واعتراف الرئيس الأميركي دونالد ترامب به في تغريدة له بعد دقائق قليلة على تويتر، أمام رئيس البلاد نيكولاس مادورو الذي لا يزال يقاوم، جعل الأمر شبيهاً برواية، وهذا ما حثّني أكثر كي أعيد قراءة هذه الرواية وأدقق في ما بين سطورها.


فبالرغم من أن "عرش النسر"، العنوان الأصلي للرواية، وهو بالمناسبة إحالة على الشعار الوطني المكسيكي، الذي يمثل نسراً يجثم بمخالبه فوق نبات الصبار ويلتهم ثعباناً، بالرغم من أن الرواية لا تتحدث عن فنزويلا، إلا أن حضور اللاعب القوي الولايات المتحدة الأميركية في "كرسيّ الرئاسة"، جعلني أعيد قراءتها أكثر من مرة، بل أحملها معي في محفظتي، وأتحين أي فرصة كي أقرأ بعض صفحاتها لأفهم عالم السياسة الموبوء، الذي لا يعرف الأخلاق.

الرواية بدت لي وصفة ناجعة لفهم ما يجري خلف الستارة، حيث الصراع على أشدّه على "كرسيّ الرئاسة"، لا فقط في فنزويلا والمكسيك وإنما في كافة بلدان العالم.

في المكسيك أحد بلدان أميركا اللاتينية، التي كثيراً ما اعتبرتها الولايات المتحدة "حديقتها الخلفية" تدور أحداث الرواية، أما زمنها فهو عام 2020، وهو بالطبع تاريخ افتراضي، أما فكرتها الرئيسة التي تنطلق منها فتتلخص في أنّ رئيس جمهورية المكسيك لورنزو تيران صاحب النزعة المثالية، يندفع ويصوّت خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي ضد احتلال الولايات المتحدة الأميركية لكولومبيا، كما أنه سوف يدعو إلى وقف تصدير النفط المكسيكي إلى الولايات المتحدة، إذا لم توافق واشنطن على رفع أسعار النفط التي حددتها منظمة الدول المصدّرة للنفط (الأوبك).

وبالطبع فإنّ رد أميركا يأتي سريعاً وهي التي لم تعتد أن يقف أحد في وجهها، فتقرر الانتقام بواسطة رئيستها كوندوليزا رايس، كما يفترض فوينتس، هكذا يتم قطع نظام الاتصالات في المكسيك، على اعتبار أن هذا النظام مرتبط بالقمر الاصطناعي الأميركي. فتتوقف كل الاتصالات الهاتفية والفاكسات والبريد الإلكتروني والإنترنت في المكسيك، ويغوص البلد في كابوس إداري لا حدود له، ويصبح تبادل الرسائل التقليدية الوسيلة الوحيدة للتواصل. وسرعان ما يبرز المتنافسون الذين سيسعون للاستيلاء على السلطة، من خلال الرسائل التي سيتبادلونها، فتظهر ألاعيب السياسيين ومكرهم للاستيلاء على "كرسيّ الرئاسة".

في إحدى الرسائل تكتب إحدى الشخصيات لأخرى: "لا توجد بدايات في السياسة. لحظات فقط. والقدرة على الإمساك بها قبل أن تفلت منك"، ونقرأ أيضاً: "لا توجد سياسة بدون أوغاد، لا يوجد مجتمع بدون شياطين. ففي بعض الأحيان، إما التسامح إزاء الخطايا وإما التستر عليها، لا لحماية الدولة بقدر ما هو لحماية المجتمع من سلطاته الشيطانية".

إن طريقة الرسائل التي اعتمدها الكاتب طريقة ذكية فضح بها السياسيين الأوغاد، لكن الرابح الأكبر في الأول والأخير كان القارئ الذي سيكشف الصورة الحقيقة لأولئك الذين سلّمهم الشعب رأسه وهو يصفق، وهذا ولا شك أهم ما هدف إليه الكاتب، الذي ليس غريباً عن عالم السياسة، فقد كان فوينتس سفيراً لبلاده في فرنسا منتصف سبعينيات القرن الماضي. كما درس لفترة في تشيلي، حيث تأثر بشعرائها مثل بابلو نيرودا وغابرييلا ميسترال. وهو يعدّ واحداً من أهم كتّاب أميركا اللاتينية، إذ تم ترشيحه لنيل جائزة نوبل في الأدب في عدة مناسبات. كما حصل على عدد من الجوائز من بينها جائزة أمير أستورياس للأدب 1994، كما تم تعيينه عضواً شرفياً لأكاديمية المكسيك للّغة في 2001.

الرواية مكوّنة من سبعين رسالة تتبادلها مجموعة من المتناحرين على السلطة، إذ يبدأ أبطالها في تبادل الرسائل التي يبثّون فيها اعترافاتهم ووشاياتهم بعضهم ببعض، وتهديداتهم وأشكال تحالفاتهم وكذبهم وتورطهم في الاغتيالات، وضربهم من تحت الحزام للوصول إلى "كرسي النسر".

في رسالة إحدى الشخصيات نقرأ: "أظن أنه من الأفضل أن أكون رجلاً عجوزاً ماكراً لكن جاهلاً، لأن السياسي المثقف والجيد التعليم لا يدخل الثقة إلى نفس الإنسان العادي. ففي الولايات المتحدة، لم يقبل أدلاي ستيفينسون لأنه كان على درجة عالية من الثقافة والتعليم. وكانوا يدعونه "المثقف الأصلع". وكان على بيل كلينتون أن يخفي درجة تعليمه عن الجمهور بينما أظهر بوش الابن، من الناحية الأخرى، جهله بالفعل".. وفي رسالة أخرى نقرأ: "إننا ضعفاء أمام الحب، وضعفاء أمام السلطة إذا لم نكن معاً".

حقيقة الرواية قد تكفي أحياناً لفهم ما يجري في عالم السياسة، دون أن نكون طرفاً فيها أو سفلة وقتلة.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: كرسي الرئاسة الساسة فنزويلا عرش النسر أميركا الصراع السلطة العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 2 أبريل 2019 | نعرف نحن العرب أن أكبر لعنة لحقتنا ولا تزال هي هزيمتنا في حرب الستة أيام، حرب حزيران، فلو كان الانتصار حليفنا لكان الواقع اليوم غير هذا الواقع الخانع، فالمنتصر هو من يفرض شروطه لا المهزوم المنكسر الذي يجر أذيال الخيبة..
    • مشاركة
  • 25 مارس 2019 | الغريب العجيب أن الديك فعلاً باض هذه المرة وبالفعل، لكن الأغرب والأعجب منه أن هذا الديك الذي يلبسه المسلمون هالة القداسة، لكونه ينبههم لأوقات صلواتهم، لم يختر بلدانهم ليبيض فيها..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مغربي، يعمل في المجال الإعلامي وينشر في عدد من المنابر الوطنية والعربية.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل