alaraby-search
الإثنين 25/03/2019 م (آخر تحديث) الساعة 20:50 بتوقيت القدس 18:50 (غرينتش)
الطقس
errors

"بيضة ديك" ضد التطرف

25 مارس 2019

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مغربي، يعمل في المجال الإعلامي وينشر في عدد من المنابر الوطنية والعربية.
الأكثر مشاهدة
من المسلمات التي لا يتجادل حولها اثنان أن الديك لا يبيض، لكن هناك من يضرب بهذه الحقيقة البيولوجية عرض الحائط، ويردد بأن سيد الخم يبيض مرة واحدة في حياته في مكان ما وزمان ما ويكون لبيضته فوائد سحرية جمة، ومن حصل عليها شفته من كل العلل، ويستشهد صاحب هذا الاعتقاد على كلامه هذا بالعبارة الدارجة في لغة العرب "بيضة الديك"، والتي أبدعوها في لغتهم فساروا يستدعونها كلما كان الكلام عن حدث أو أمر نادر الحدوث.

بل إن بعضهم جعلها عنواناً لإحدى رواياته، كما كان الحال مع الكاتب المغربي الراحل محمد زفزاف، وفعلاً كانت رواية "بيضة الديك" لابن سوق أربعاء الغرب (وسط المغرب) الذي سكن زنقة ابن منير بالمعاريف في الدار البيضاء، فريدة من نوعها في الإمساك بالأجواء والشخوص الهامشية لمدينة الدار البيضاء التي تطحن كل ما تجده أمامها. رحل صاحب اللحية الفيتنامية، الذي كتب "الثعلب الذي يظهر ويختفي"، و"قبور تحت الماء"، و"محاولة عيش" وغيرها، وبقيت روايته" بيضة الديك" علامة فارقة في الكتابة الروائية بالمغرب.

لكن الغريب العجيب أن الديك فعلاً باض هذه المرة وبالفعل، لكن الأغرب والأعجب منه أن هذا الديك الذي يلبسه المسلمون هالة القداسة، لكونه ينبههم لأوقات صلواتهم، لم يختر بلدانهم ليبيض فيها، وإنما اختار بلداً في أقصى الكرة الأرضية اسمه أستراليا كي يعلن ومن هناك للعالم أجمع عن حقيقة العبارة التي يتداولها العرب في لغتهم "بيضة الديك".


إن العمل الفريد الذي قام به الشاب الأسترالي ويل كونولي ذو السبعة عشر عاماً، صار محل تقدير وإعجاب عند مئات الآلاف من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي عبر العالم مما دفع بهم إلى إطلاق لقب "فتى البيض" عليه. فما العمل البطولي الذي قام به هذا الفتى حتى يصير اسمه على كل لسان وتطوف صورته كل أرجاء العالم؟

العمل البطولي الذي بوأ الصبي هذه المكانة في قلوب المعجبين عبر العالم هو تصديه لخطاب سياسي متطرف وعنصري، وهذا ما لم يتجرأ عليه أحد سواه. فقد أقدم هذا الصبي على فقس بيضة على رأس السيناتور الأسترالي العنصري فريزر أنينغ، أخيراً، بينما كان يتحدث هذا المتنفّج إلى وسائل الإعلام في اجتماع كبير لمؤيديه اليمينيين المتطرفين في مورابين بملبورن، محملاً مسؤولية مجزرة مسجدي مدينة كرايست تشيرش في نيوزيلندا، والتي راح ضحيتها خمسون مسلماً كانوا يؤدون صلاة الجمعة فيما أصيب خمسون آخرون، بعد إطلاق النار عليهم من طرف أسترالي متطرف يدعى "بيرنتون هاريسون تارانت" قام ببث الحادث مباشرة على الانترنت.

فردّاً على كلام السيناتور العنصري المتطرف والذي اعتبر فيه أن "السبب الحقيقي لإراقة الدماء هو برنامج الهجرة الّذي سمح للمسلمين بالهجرة إلى نيوزيلندا بالأصل"، اختصر "صبي البيضة" كل ما يمكن أن يقوله من كلام لهذا العنصري في فقس بيضة على رأسه أغنت عن كل عبارة، لينتفض معها هذا السيناتور ويكشف عن حقيقة عنصرية وعنف دفين، إذ استدار وانهال على الصبي لكماً، لم يخلصه منه سوى تدخل أحد الحاضرين الذي انتشله من بين يدي هذا البرلماني الهائج. في وقت كان يستدعي منه الموقف السيطرة على أعصابه ومراجعة نفسه وخطابه العنصري.

بعد الحادث أدلى الصبي كونولي بتصريح قصير في مقطع فيديو، نشره على منصة تويتر، قال فيه: "لا تلقِ بيضة على سياسي، فقد تعرضت لهجوم من نحو ثلاثين عنصراً من مناصريه الغوغائيين في وقت واحد، وتلقيت درساً خشناً"، وهذا الدرس معناه ولا شك، أن وراء كل عنصري جيشاً من العنصريين وليس حالة معزولة، وأن الإرهاب لا يأتي صدفة بل هناك دائماً من ينفخ فيه حتى ينفجر ويأتي على أرواح الأبرياء. ولهذا فإن الصبي كان أذكى من رجل السياسة وقال بأن "المسلمين ليسوا إرهابيين وأن الإرهاب ليس له دين".

وأمام ما تعرض له الصبي من عنف بعد فقس بيضته على هذا السيناتور العنصري لقي موجات تضامن واسعة عبر العالم ضمنها شخصيات معروفة، كما تم تقديم تبرعات مالية له لمواجهة المصاريف المالية التي سيصرفها في معركته القضائية ضد السيناتور، إلى أن "الصبي الأبيض" قال بأنه سيرسل أغلب هذه التبرعات لضحايا هذا الهجوم الذي وصفته رئيسة الوزراء النيوزيلندية، جاسيندا أردرن مباشرة بعد وقوعه بالإرهابي.

وضمن موجة التضامن قامت فرق موسيقية شهيرة مثل Hilltop Hoods وViolent Soho بإهدائه بطاقة حضور مدى الحياة لحفلاتهم، إذ كتب حساب خاص بفريق Hilltop Hoods الموسيقي: "فتى البيضة.. نقدم لك دعوة مفتوحة مجانية مدى الحياة لحضور حفلات Hoods إذا شئت".

من الناحية السياسية دفعت "بيضة الديك" هاته إلى تدشين عريضة على موقع change.org تنادي بإقالة السيناتور العنصري فريزر أنينغ من البرلمان جمعت رقماً قياسياً فاق مليون توقيع في أقل من يومين. وجاء في العريضة: "إن سيناتور أنينغ "ليس له مكان في حكومة بلدنا الديمقراطي والمتعدد الثقافات".

فأين تذهبون أيها المتطرفون فالديك سيبيض بيضته السحرية في كل مكان ويقضي على سم الأفاعي العنصرية أينما كانت؟.. صحيح أن "بيضة الديك" لها فوائد سحرية عجيبة على مرضى العالم.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: ويل كونولي أستراليا الإرهاب فريزر أنينغ نيوزيلاندا فتى البيض العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 11 أبريل 2019 | الرواية مكوّنة من سبعين رسالة يتبادلها مجموعة من المتناحرين على السلطة، إذ يبدأ أبطالها في تبادل الرسائل التي يبثّون فيها اعترافاتهم ووشاياتهم بعضهم ببعض، وتهديداتهم وأشكال تحالفاتهم وكذبهم وتورطهم في الاغتيالات، وضربهم من تحت الحزام للوصول إلى "كرسيّ النسر".
    • مشاركة
  • 2 أبريل 2019 | نعرف نحن العرب أن أكبر لعنة لحقتنا ولا تزال هي هزيمتنا في حرب الستة أيام، حرب حزيران، فلو كان الانتصار حليفنا لكان الواقع اليوم غير هذا الواقع الخانع، فالمنتصر هو من يفرض شروطه لا المهزوم المنكسر الذي يجر أذيال الخيبة..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مغربي، يعمل في المجال الإعلامي وينشر في عدد من المنابر الوطنية والعربية.
الأكثر مشاهدة

"بيضة ديك" ضد التطرف

25 مارس 2019

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مغربي، يعمل في المجال الإعلامي وينشر في عدد من المنابر الوطنية والعربية.
الأكثر مشاهدة
من المسلمات التي لا يتجادل حولها اثنان أن الديك لا يبيض، لكن هناك من يضرب بهذه الحقيقة البيولوجية عرض الحائط، ويردد بأن سيد الخم يبيض مرة واحدة في حياته في مكان ما وزمان ما ويكون لبيضته فوائد سحرية جمة، ومن حصل عليها شفته من كل العلل، ويستشهد صاحب هذا الاعتقاد على كلامه هذا بالعبارة الدارجة في لغة العرب "بيضة الديك"، والتي أبدعوها في لغتهم فساروا يستدعونها كلما كان الكلام عن حدث أو أمر نادر الحدوث.

بل إن بعضهم جعلها عنواناً لإحدى رواياته، كما كان الحال مع الكاتب المغربي الراحل محمد زفزاف، وفعلاً كانت رواية "بيضة الديك" لابن سوق أربعاء الغرب (وسط المغرب) الذي سكن زنقة ابن منير بالمعاريف في الدار البيضاء، فريدة من نوعها في الإمساك بالأجواء والشخوص الهامشية لمدينة الدار البيضاء التي تطحن كل ما تجده أمامها. رحل صاحب اللحية الفيتنامية، الذي كتب "الثعلب الذي يظهر ويختفي"، و"قبور تحت الماء"، و"محاولة عيش" وغيرها، وبقيت روايته" بيضة الديك" علامة فارقة في الكتابة الروائية بالمغرب.

لكن الغريب العجيب أن الديك فعلاً باض هذه المرة وبالفعل، لكن الأغرب والأعجب منه أن هذا الديك الذي يلبسه المسلمون هالة القداسة، لكونه ينبههم لأوقات صلواتهم، لم يختر بلدانهم ليبيض فيها، وإنما اختار بلداً في أقصى الكرة الأرضية اسمه أستراليا كي يعلن ومن هناك للعالم أجمع عن حقيقة العبارة التي يتداولها العرب في لغتهم "بيضة الديك".


إن العمل الفريد الذي قام به الشاب الأسترالي ويل كونولي ذو السبعة عشر عاماً، صار محل تقدير وإعجاب عند مئات الآلاف من مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي عبر العالم مما دفع بهم إلى إطلاق لقب "فتى البيض" عليه. فما العمل البطولي الذي قام به هذا الفتى حتى يصير اسمه على كل لسان وتطوف صورته كل أرجاء العالم؟

العمل البطولي الذي بوأ الصبي هذه المكانة في قلوب المعجبين عبر العالم هو تصديه لخطاب سياسي متطرف وعنصري، وهذا ما لم يتجرأ عليه أحد سواه. فقد أقدم هذا الصبي على فقس بيضة على رأس السيناتور الأسترالي العنصري فريزر أنينغ، أخيراً، بينما كان يتحدث هذا المتنفّج إلى وسائل الإعلام في اجتماع كبير لمؤيديه اليمينيين المتطرفين في مورابين بملبورن، محملاً مسؤولية مجزرة مسجدي مدينة كرايست تشيرش في نيوزيلندا، والتي راح ضحيتها خمسون مسلماً كانوا يؤدون صلاة الجمعة فيما أصيب خمسون آخرون، بعد إطلاق النار عليهم من طرف أسترالي متطرف يدعى "بيرنتون هاريسون تارانت" قام ببث الحادث مباشرة على الانترنت.

فردّاً على كلام السيناتور العنصري المتطرف والذي اعتبر فيه أن "السبب الحقيقي لإراقة الدماء هو برنامج الهجرة الّذي سمح للمسلمين بالهجرة إلى نيوزيلندا بالأصل"، اختصر "صبي البيضة" كل ما يمكن أن يقوله من كلام لهذا العنصري في فقس بيضة على رأسه أغنت عن كل عبارة، لينتفض معها هذا السيناتور ويكشف عن حقيقة عنصرية وعنف دفين، إذ استدار وانهال على الصبي لكماً، لم يخلصه منه سوى تدخل أحد الحاضرين الذي انتشله من بين يدي هذا البرلماني الهائج. في وقت كان يستدعي منه الموقف السيطرة على أعصابه ومراجعة نفسه وخطابه العنصري.

بعد الحادث أدلى الصبي كونولي بتصريح قصير في مقطع فيديو، نشره على منصة تويتر، قال فيه: "لا تلقِ بيضة على سياسي، فقد تعرضت لهجوم من نحو ثلاثين عنصراً من مناصريه الغوغائيين في وقت واحد، وتلقيت درساً خشناً"، وهذا الدرس معناه ولا شك، أن وراء كل عنصري جيشاً من العنصريين وليس حالة معزولة، وأن الإرهاب لا يأتي صدفة بل هناك دائماً من ينفخ فيه حتى ينفجر ويأتي على أرواح الأبرياء. ولهذا فإن الصبي كان أذكى من رجل السياسة وقال بأن "المسلمين ليسوا إرهابيين وأن الإرهاب ليس له دين".

وأمام ما تعرض له الصبي من عنف بعد فقس بيضته على هذا السيناتور العنصري لقي موجات تضامن واسعة عبر العالم ضمنها شخصيات معروفة، كما تم تقديم تبرعات مالية له لمواجهة المصاريف المالية التي سيصرفها في معركته القضائية ضد السيناتور، إلى أن "الصبي الأبيض" قال بأنه سيرسل أغلب هذه التبرعات لضحايا هذا الهجوم الذي وصفته رئيسة الوزراء النيوزيلندية، جاسيندا أردرن مباشرة بعد وقوعه بالإرهابي.

وضمن موجة التضامن قامت فرق موسيقية شهيرة مثل Hilltop Hoods وViolent Soho بإهدائه بطاقة حضور مدى الحياة لحفلاتهم، إذ كتب حساب خاص بفريق Hilltop Hoods الموسيقي: "فتى البيضة.. نقدم لك دعوة مفتوحة مجانية مدى الحياة لحضور حفلات Hoods إذا شئت".

من الناحية السياسية دفعت "بيضة الديك" هاته إلى تدشين عريضة على موقع change.org تنادي بإقالة السيناتور العنصري فريزر أنينغ من البرلمان جمعت رقماً قياسياً فاق مليون توقيع في أقل من يومين. وجاء في العريضة: "إن سيناتور أنينغ "ليس له مكان في حكومة بلدنا الديمقراطي والمتعدد الثقافات".

فأين تذهبون أيها المتطرفون فالديك سيبيض بيضته السحرية في كل مكان ويقضي على سم الأفاعي العنصرية أينما كانت؟.. صحيح أن "بيضة الديك" لها فوائد سحرية عجيبة على مرضى العالم.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: ويل كونولي أستراليا الإرهاب فريزر أنينغ نيوزيلاندا فتى البيض العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 11 أبريل 2019 | الرواية مكوّنة من سبعين رسالة يتبادلها مجموعة من المتناحرين على السلطة، إذ يبدأ أبطالها في تبادل الرسائل التي يبثّون فيها اعترافاتهم ووشاياتهم بعضهم ببعض، وتهديداتهم وأشكال تحالفاتهم وكذبهم وتورطهم في الاغتيالات، وضربهم من تحت الحزام للوصول إلى "كرسيّ النسر".
    • مشاركة
  • 2 أبريل 2019 | نعرف نحن العرب أن أكبر لعنة لحقتنا ولا تزال هي هزيمتنا في حرب الستة أيام، حرب حزيران، فلو كان الانتصار حليفنا لكان الواقع اليوم غير هذا الواقع الخانع، فالمنتصر هو من يفرض شروطه لا المهزوم المنكسر الذي يجر أذيال الخيبة..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مغربي، يعمل في المجال الإعلامي وينشر في عدد من المنابر الوطنية والعربية.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل