alaraby-search
الخميس 14/03/2019 م (آخر تحديث) الساعة 20:54 بتوقيت القدس 18:54 (غرينتش)
الطقس
errors

الثيران الفلتانة تعتقل المواطنين

14 مارس 2019

نبذة عن المدون

المشرف على مدوّنة "إمتاع ومؤانسة"، التي تُعنى بالأدب الساخر والصحافة الساخرة.

يعرّف بنفسه كالتالي:
كاتب عادي، يسعى، منذ 35 سنة، أن يكتسب شيئاً من الأهمية. أصدر، لأجل ذلك، عشرين كتاباً، وألف عدداً كبيراً من التمثيليات التلفزيونية والإذاعية، وكتب المئات من المقالات الصحفية، دون جدوى.

الأكثر مشاهدة
بمناسبة خروج ابن بلدنا "نبهان" من أحد السجون التركية، ووجودنا في زيارة والده لتهنئته بسلامته، دارتْ أحاديث كثيرة ومتشعبة اتخذت طابع المقارنة بين السجون التركية والسجون السورية، مع إجماع من الحاضرين على أن السجون السورية لا تجوز مقارنتها لا مع السجون التركية ولا مع غيرها، فهي الأسوأ في العالم دون منافس أو منازع أو شبيه.

وكان "أبو زاهر"، وهو سجين سياسي سابق عنده خدمة ست عشرة سنة في تدمر، قد أجرى تمهيداً رائعاً عن محاكم أمن الدولة السورية، موضحاً أنها تَسوق الشبان السوريين إلى السجون الحقيرة التي يشتهي فيها الإنسانُ الموت ولا يبلغه، وأبشعُها، بلا أدنى شك، هو سجن تدمر العسكري. وخرج بقناعة تشبه الأقوال المأثورة، هي: كل سجين سياسي سوري عبارة عن "ملحمة" قائمة بذاتها.

قال له أبو جهاد: يا أبو زاهر أنت وعدتنا تحكي لنا عن مراحل الاعتقال التي توصل الإنسان إلى سجن تدمر. تفضل إحكي.


قال أبو زاهر: اعتقال المعارضين وأصحابْ الرأيْ بيتم تنفيذو بطرق مختلفة، لاكنْ الطريقة الشائعة أكتر شي هي مداهمة بيت الرجل المطلوب بين الساعة تلاتة والساعة أربعة قبل الصبح، تخبيط ورفس وتطبيش وبالأخير بيسحبوه من بين عيالو بطريقة الاقتلاع.. وبالمناسبة، حكى لي مرة الأستاذ كمال عن فيلم وثائقي نسيت اسم الفيلم، بس قال لي إنو فيه سجين سياسي بيحكي عن لحظة اقتلاع السجين من بيته بشكل جميل.

قال كمال: نعم، هو فيلم اسمو (ذاكرة بلون الخاكي) للمخرج الفوز طنجور. في الفيلم بيحكي الأديب السوري المناضل إبراهيم صموئيل عن الاعتقال، من خلال تجربتو الخاصة، بيقول إنو والدة المعتقل، أو أختو، أو زوجتو، ممكن تتجرأ وتسأل أحد عناصر الدورية: لوين آخدينو؟.. هون إبراهيم صموئيل بيوضح الموقف وبيقول: المَرَا ما بتقول للعنصر (ليش آخدينو؟)، وإنما لوين؟ في سورية اللي بتحكما العصابة الفاشستية ما حدا بيحقلو يسأل ليش؟

قال أبو زاهر: نعم. صحيح. هلق بقى راح إحكي لكن عني أنا. نحنا اعتقلونا في النهار قبل الضهر، مع مطلع سنة 1980، ومن أطرف ما حدث معنا، أنُّنْ ركبونا في باص نقل، وكنا في حدود 25 رجل، وكان معنا في الباص تلات رجال بعثيين من عنا من البلدة، وكانت سيارة عسكرية فيها عناصر من الأمن ماشية ورانا، ولما وصلنا لمنتصف طريق إدلب قال واحد من البعثيين لعنصر دورية الأمن اللي كان معنا في الباص:

- وقفوا يا معلم، نسينا واحد أكيد إلو علاقة بالإخوان المسلمين ما جبناه. قال لو العنصر: مين بتقصد؟ فقال البعثي: بقصد أبو إبراهيم الحجي. فطلبْ رئيس الدورية من السائق التدوير والعودة إلى البلدة. ولما صرنا قدام منزل أبو إبراهيم، خلوا الباص واقف وتقدمت سيارة الأمن من الباب، وواحد منهم رفسه برجله، فطلعوا الولاد وقالوا: بابا مو هون. بوقتا بتعرفوا أيش صار؟

الحقيقة أن حديث أبو زاهر عن هذا الموقف أصابنا بشيء من التوتر، فقلنا له ونحن متشوقون ومتوترون: أشو صار؟

قال: تخيلوا أنو في ثيران عايشين في زريبة، والباب مسكر عليهم، وأجا حدا وفتح عليهم الباب، وانفلتوا وطلعوا.. بطريقة الثيران الفلتانة اندفع عناصر الأمن من السيارة المرافقة لباصنا، ونزلوا ودفشوا الولاد ووقعوهم ع الأرض، ودخلوا إلى منزل أبو إبراهيم، ونحن صرنا نسمع أصوات التكسير والتطبيش وولاويل النسوان من الباص، وبعد شي عشر دقايق طلعوا العناصر وهم ساحبين أبو إبراهيم، عم يلكموه على وجهو وبطنو، وبيرفسوه بين رجليه، وفتحوا باب الباص ورموه على الأرض. وتابعنا طريقنا إلى مدينة إدلب. وكانت تلك بداية رحلة طويلة وحقيرة لا يمكن لأحد منا أن يذكرها دون أن يشعر بالألم والرعب والسخط.

للحديث صلة
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: إمتاع ومؤانسة الثيران الاعتقال المواطنين السجون تركيا سورية العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 19 مارس 2019 | قال أبو محمد: سمعت منك في الجلسات الماضية قصص عن الضرب والتعذيب والإهانات اللي بيتعرض لها السجناء في سجن تدمر. بس ما عرفنا شي عن بقية الأمور. يعني أشو الوضع بالنسبة للأكل والنظافة وهيك شغلات؟..
    • مشاركة
  • 17 مارس 2019 | توقفَ صديقُنا أبو زاهر (في حديثه عن تجربة الاعتقال في سنة 1980) عند تَمَسُّك حافظ الأسد بفكرة لئيمة جداً، وهي إبقاء السجين في السجن أطول فترة ممكنة، وذلك لكي يتربى هو، وأهلُه، وأبناءُ قريته ومحافظته..
    • مشاركة
  • 15 مارس 2019 | خلال جلسة "الإمتاع والمؤانسة" التي تطرقتْ لموضوع السجون والمعتقلات السورية، أعطينا النصيب الأكبر من الحديث لابن بلدنا "أبو زاهر"، لأنه أمضى ست عشرة سنة في سجن تدمر الذي كُتِبَتْ في مدخله عبارة: يا داخل هذا المكان إنسَ الزمان.
    • مشاركة
  • 12 مارس 2019 | في جلسة "الإمتاع والمؤانسة" التي عُقدت في منزل ابن بلدنا "أبو نبهان" بمدينة أنطاكية التركية أوضح لنا الأستاذ كمال أنه لم يكن يريد بحديثه السابق عن الوضع المريح للسجناء في تركيا مديحَ الحكومة التركية الحالية..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

المشرف على مدوّنة "إمتاع ومؤانسة"، التي تُعنى بالأدب الساخر والصحافة الساخرة.

يعرّف بنفسه كالتالي:
كاتب عادي، يسعى، منذ 35 سنة، أن يكتسب شيئاً من الأهمية. أصدر، لأجل ذلك، عشرين كتاباً، وألف عدداً كبيراً من التمثيليات التلفزيونية والإذاعية، وكتب المئات من المقالات الصحفية، دون جدوى.

الأكثر مشاهدة

الثيران الفلتانة تعتقل المواطنين

14 مارس 2019

نبذة عن المدون

المشرف على مدوّنة "إمتاع ومؤانسة"، التي تُعنى بالأدب الساخر والصحافة الساخرة.

يعرّف بنفسه كالتالي:
كاتب عادي، يسعى، منذ 35 سنة، أن يكتسب شيئاً من الأهمية. أصدر، لأجل ذلك، عشرين كتاباً، وألف عدداً كبيراً من التمثيليات التلفزيونية والإذاعية، وكتب المئات من المقالات الصحفية، دون جدوى.

الأكثر مشاهدة
بمناسبة خروج ابن بلدنا "نبهان" من أحد السجون التركية، ووجودنا في زيارة والده لتهنئته بسلامته، دارتْ أحاديث كثيرة ومتشعبة اتخذت طابع المقارنة بين السجون التركية والسجون السورية، مع إجماع من الحاضرين على أن السجون السورية لا تجوز مقارنتها لا مع السجون التركية ولا مع غيرها، فهي الأسوأ في العالم دون منافس أو منازع أو شبيه.

وكان "أبو زاهر"، وهو سجين سياسي سابق عنده خدمة ست عشرة سنة في تدمر، قد أجرى تمهيداً رائعاً عن محاكم أمن الدولة السورية، موضحاً أنها تَسوق الشبان السوريين إلى السجون الحقيرة التي يشتهي فيها الإنسانُ الموت ولا يبلغه، وأبشعُها، بلا أدنى شك، هو سجن تدمر العسكري. وخرج بقناعة تشبه الأقوال المأثورة، هي: كل سجين سياسي سوري عبارة عن "ملحمة" قائمة بذاتها.

قال له أبو جهاد: يا أبو زاهر أنت وعدتنا تحكي لنا عن مراحل الاعتقال التي توصل الإنسان إلى سجن تدمر. تفضل إحكي.


قال أبو زاهر: اعتقال المعارضين وأصحابْ الرأيْ بيتم تنفيذو بطرق مختلفة، لاكنْ الطريقة الشائعة أكتر شي هي مداهمة بيت الرجل المطلوب بين الساعة تلاتة والساعة أربعة قبل الصبح، تخبيط ورفس وتطبيش وبالأخير بيسحبوه من بين عيالو بطريقة الاقتلاع.. وبالمناسبة، حكى لي مرة الأستاذ كمال عن فيلم وثائقي نسيت اسم الفيلم، بس قال لي إنو فيه سجين سياسي بيحكي عن لحظة اقتلاع السجين من بيته بشكل جميل.

قال كمال: نعم، هو فيلم اسمو (ذاكرة بلون الخاكي) للمخرج الفوز طنجور. في الفيلم بيحكي الأديب السوري المناضل إبراهيم صموئيل عن الاعتقال، من خلال تجربتو الخاصة، بيقول إنو والدة المعتقل، أو أختو، أو زوجتو، ممكن تتجرأ وتسأل أحد عناصر الدورية: لوين آخدينو؟.. هون إبراهيم صموئيل بيوضح الموقف وبيقول: المَرَا ما بتقول للعنصر (ليش آخدينو؟)، وإنما لوين؟ في سورية اللي بتحكما العصابة الفاشستية ما حدا بيحقلو يسأل ليش؟

قال أبو زاهر: نعم. صحيح. هلق بقى راح إحكي لكن عني أنا. نحنا اعتقلونا في النهار قبل الضهر، مع مطلع سنة 1980، ومن أطرف ما حدث معنا، أنُّنْ ركبونا في باص نقل، وكنا في حدود 25 رجل، وكان معنا في الباص تلات رجال بعثيين من عنا من البلدة، وكانت سيارة عسكرية فيها عناصر من الأمن ماشية ورانا، ولما وصلنا لمنتصف طريق إدلب قال واحد من البعثيين لعنصر دورية الأمن اللي كان معنا في الباص:

- وقفوا يا معلم، نسينا واحد أكيد إلو علاقة بالإخوان المسلمين ما جبناه. قال لو العنصر: مين بتقصد؟ فقال البعثي: بقصد أبو إبراهيم الحجي. فطلبْ رئيس الدورية من السائق التدوير والعودة إلى البلدة. ولما صرنا قدام منزل أبو إبراهيم، خلوا الباص واقف وتقدمت سيارة الأمن من الباب، وواحد منهم رفسه برجله، فطلعوا الولاد وقالوا: بابا مو هون. بوقتا بتعرفوا أيش صار؟

الحقيقة أن حديث أبو زاهر عن هذا الموقف أصابنا بشيء من التوتر، فقلنا له ونحن متشوقون ومتوترون: أشو صار؟

قال: تخيلوا أنو في ثيران عايشين في زريبة، والباب مسكر عليهم، وأجا حدا وفتح عليهم الباب، وانفلتوا وطلعوا.. بطريقة الثيران الفلتانة اندفع عناصر الأمن من السيارة المرافقة لباصنا، ونزلوا ودفشوا الولاد ووقعوهم ع الأرض، ودخلوا إلى منزل أبو إبراهيم، ونحن صرنا نسمع أصوات التكسير والتطبيش وولاويل النسوان من الباص، وبعد شي عشر دقايق طلعوا العناصر وهم ساحبين أبو إبراهيم، عم يلكموه على وجهو وبطنو، وبيرفسوه بين رجليه، وفتحوا باب الباص ورموه على الأرض. وتابعنا طريقنا إلى مدينة إدلب. وكانت تلك بداية رحلة طويلة وحقيرة لا يمكن لأحد منا أن يذكرها دون أن يشعر بالألم والرعب والسخط.

للحديث صلة
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: إمتاع ومؤانسة الثيران الاعتقال المواطنين السجون تركيا سورية العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 19 مارس 2019 | قال أبو محمد: سمعت منك في الجلسات الماضية قصص عن الضرب والتعذيب والإهانات اللي بيتعرض لها السجناء في سجن تدمر. بس ما عرفنا شي عن بقية الأمور. يعني أشو الوضع بالنسبة للأكل والنظافة وهيك شغلات؟..
    • مشاركة
  • 17 مارس 2019 | توقفَ صديقُنا أبو زاهر (في حديثه عن تجربة الاعتقال في سنة 1980) عند تَمَسُّك حافظ الأسد بفكرة لئيمة جداً، وهي إبقاء السجين في السجن أطول فترة ممكنة، وذلك لكي يتربى هو، وأهلُه، وأبناءُ قريته ومحافظته..
    • مشاركة
  • 15 مارس 2019 | خلال جلسة "الإمتاع والمؤانسة" التي تطرقتْ لموضوع السجون والمعتقلات السورية، أعطينا النصيب الأكبر من الحديث لابن بلدنا "أبو زاهر"، لأنه أمضى ست عشرة سنة في سجن تدمر الذي كُتِبَتْ في مدخله عبارة: يا داخل هذا المكان إنسَ الزمان.
    • مشاركة
  • 12 مارس 2019 | في جلسة "الإمتاع والمؤانسة" التي عُقدت في منزل ابن بلدنا "أبو نبهان" بمدينة أنطاكية التركية أوضح لنا الأستاذ كمال أنه لم يكن يريد بحديثه السابق عن الوضع المريح للسجناء في تركيا مديحَ الحكومة التركية الحالية..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

المشرف على مدوّنة "إمتاع ومؤانسة"، التي تُعنى بالأدب الساخر والصحافة الساخرة.

يعرّف بنفسه كالتالي:
كاتب عادي، يسعى، منذ 35 سنة، أن يكتسب شيئاً من الأهمية. أصدر، لأجل ذلك، عشرين كتاباً، وألف عدداً كبيراً من التمثيليات التلفزيونية والإذاعية، وكتب المئات من المقالات الصحفية، دون جدوى.

الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل