alaraby-search
الثلاثاء 12/03/2019 م (آخر تحديث) الساعة 17:52 بتوقيت القدس 15:52 (غرينتش)
الطقس
errors

مروة

12 مارس 2019

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
مروة.. هذا هو اسمها العربي الذي اختارته لنفسها تيمنا بالصفا والمروة وجهاد السيدة هاجر ووصولها، أو استبشارا بالرواء والكفاية والرضا ربما، سويدية مسلمة كانت تكبرني بحوالي 15 عاما..

كانت أيامها في منتصف أربعينياتها، جامعية ومتزوجة بمهندس مصري مثقف ميسور الحال وتعيش في الإسكندرية منذ سنين، تتحدث العامية المصرية بطلاقة وتنسجم مع المجتمع الشرقي بدرجة تدعو للعجب، لما تكررت لقاءاتنا العابرة في جيم النادي، لم أخفِ فضولي بخصوص تقديرها لأسلوب حياتنا هنا بالرغم من كل السلبيات، وبرغم فجوة حضارية تبتلع الزمن وتفصلنا عن عوالم اسكندنافيا بسنين ضوئية..

ويبدو أن السؤال كان يتكرر عليها كثيرا للدرجة التي تجعلها ترد بسرعة وحسم: أنا مقدرش أتخيل أعيش في مكان ما أسمعش فيه صوت الأذان..


أسمع ردها وأفكر في الفروق السيكولوجية في استقبال الدين بين الوارثين أمثالنا، وبين الواردين أمثالها، وأغبطها.. كثيرا ما تمنيت الوصول لفرحة أولئك بالتفاصيل التي نتعودها نحن حتى التبطر، وكثيرا ما حسدتهم على حملهم للمعنى كالدر المكنون في درجات عالية من الروحانية والتجلي، فيما ننازع نحن غبش الشكل للأبد..

لكن...هل يدوم الرضا؟
رأيتها بعدها بسنين تشكو من ضوضاء فوق الاحتمال بسبب هدم العقار الملاصق لهم وبناء آخر في فاصل زمني يتعدى العامين اعتبرته هي بروفة للجحيم! وكادت تبكي وهي تصف كمية الفئران التي هاجمت المبنى هربا من ماكينات الحفر العملاقة. ضحكت يومها وداعبتها بأنها "شارية بمزاجها" لمحبة هذا الجزء من العالم.. وأن "الشروة" على بعضها لا تتجزأ!

أطرقت ولم تضحك لدعابتي أو ترد بالإيجاب كما كانت تفعل من قبل، قلت لنفسي يومها أن ما نتحمله صغارا يثقل ويصبح كحمل الجبال كلما أوهننا مر السنين.

ثم رأيتها بعدها بعدة سنوات كمن كبرت عشرين عاما! وعرفت أن الزوج مريض بمرض عضال وأنها مصدومة في النظام الصحي صدمة عمرها.. وأنهما يفكران في العودة للسويد نهائيا بعدما أنفقا جل مدخراتهما في علاج فندقي استغلالي بائس غير موثوق، حزنت يومها جدا..

أحزنني انكسارها ووحدتها وشكواها من أهل الزوج وابتعادهم وعدم وقوفهم معه في محنته وانتظارهم للميراث المرتقب لكونهما بلا أولاد، وأحزنني أكثر خذلانها في محبتنا.. وانتهاؤها بمغادرتنا بالمرارة والألم بعدما بدأتنا بالود الخالص..

واسيتها يومها بتعاطف عميق.. وتمنيت لها السلامة والرضا اللذين اهتزا في حياتها للأسف.. وكدت أن أستقطر مودتها القديمة بقول: ما زلنا نرفع الأذان يا عزيزتي.. فلعلنا ما زلنا بخير إذن.. لعلنا!
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: مصر السويد الدين الأذان الرضا الزواج الانكسار العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 28 فبراير 2019 | حادث قطار رمسيس... يهون تأثير الحوادث على الجماهير بكثرة التكرار، فتعاني شعوراً بالخدر والضبابية، أشبه بما يصفه الحشاشون من مشاعر وأفكار تنبعث من بين أدخنة سجائرهم السحرية، فتضرب بينها وبين الواقع بغلالة بيضاء شفافة تجعله يبدو كالحلم فيخفت ألمه..
    • مشاركة
  • 25 فبراير 2019 | تتحرر النساء من التحفظ عند مصفف الشعر بشكل يلفت انتباهي جداً.أؤمن أن التحفظ طيف واسع، وأن درجته ترتبط بشخصية الفرد منا وبخلفيته الاجتماعية وبنفسيته ومخاوفه وحساباته، وأن تحديد كود إلزامي للجميع فيما يخص هذه المسألة سخف وقلة فهم.
    • مشاركة
  • 19 ديسمبر 2018 | وها هي الألواح الخرسانية التي تحيط بمدخل الكنيسة معززة بجوالات الرمال المرصوصة وكأنها دشمة حربية وليست بيتاً لله، ترمقها بطرف عينك بكل وجع القلب والخجل من إخوة الوطن المضطرين لحماية أرواحهم بهذا الشكل المهين للجميع..
    • مشاركة
  • 12 ديسمبر 2018 | يحاول المصري الحصيف تجنّب التعامل مع الجهات الحكومية ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. عقيدة تتناقلها الأجيال، وترسّخها التجارب، ولا تفلح بعض الاستثناءات المضيئة سوى في تأكيد القاعدة لا نفيها..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة

مروة

12 مارس 2019

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
مروة.. هذا هو اسمها العربي الذي اختارته لنفسها تيمنا بالصفا والمروة وجهاد السيدة هاجر ووصولها، أو استبشارا بالرواء والكفاية والرضا ربما، سويدية مسلمة كانت تكبرني بحوالي 15 عاما..

كانت أيامها في منتصف أربعينياتها، جامعية ومتزوجة بمهندس مصري مثقف ميسور الحال وتعيش في الإسكندرية منذ سنين، تتحدث العامية المصرية بطلاقة وتنسجم مع المجتمع الشرقي بدرجة تدعو للعجب، لما تكررت لقاءاتنا العابرة في جيم النادي، لم أخفِ فضولي بخصوص تقديرها لأسلوب حياتنا هنا بالرغم من كل السلبيات، وبرغم فجوة حضارية تبتلع الزمن وتفصلنا عن عوالم اسكندنافيا بسنين ضوئية..

ويبدو أن السؤال كان يتكرر عليها كثيرا للدرجة التي تجعلها ترد بسرعة وحسم: أنا مقدرش أتخيل أعيش في مكان ما أسمعش فيه صوت الأذان..


أسمع ردها وأفكر في الفروق السيكولوجية في استقبال الدين بين الوارثين أمثالنا، وبين الواردين أمثالها، وأغبطها.. كثيرا ما تمنيت الوصول لفرحة أولئك بالتفاصيل التي نتعودها نحن حتى التبطر، وكثيرا ما حسدتهم على حملهم للمعنى كالدر المكنون في درجات عالية من الروحانية والتجلي، فيما ننازع نحن غبش الشكل للأبد..

لكن...هل يدوم الرضا؟
رأيتها بعدها بسنين تشكو من ضوضاء فوق الاحتمال بسبب هدم العقار الملاصق لهم وبناء آخر في فاصل زمني يتعدى العامين اعتبرته هي بروفة للجحيم! وكادت تبكي وهي تصف كمية الفئران التي هاجمت المبنى هربا من ماكينات الحفر العملاقة. ضحكت يومها وداعبتها بأنها "شارية بمزاجها" لمحبة هذا الجزء من العالم.. وأن "الشروة" على بعضها لا تتجزأ!

أطرقت ولم تضحك لدعابتي أو ترد بالإيجاب كما كانت تفعل من قبل، قلت لنفسي يومها أن ما نتحمله صغارا يثقل ويصبح كحمل الجبال كلما أوهننا مر السنين.

ثم رأيتها بعدها بعدة سنوات كمن كبرت عشرين عاما! وعرفت أن الزوج مريض بمرض عضال وأنها مصدومة في النظام الصحي صدمة عمرها.. وأنهما يفكران في العودة للسويد نهائيا بعدما أنفقا جل مدخراتهما في علاج فندقي استغلالي بائس غير موثوق، حزنت يومها جدا..

أحزنني انكسارها ووحدتها وشكواها من أهل الزوج وابتعادهم وعدم وقوفهم معه في محنته وانتظارهم للميراث المرتقب لكونهما بلا أولاد، وأحزنني أكثر خذلانها في محبتنا.. وانتهاؤها بمغادرتنا بالمرارة والألم بعدما بدأتنا بالود الخالص..

واسيتها يومها بتعاطف عميق.. وتمنيت لها السلامة والرضا اللذين اهتزا في حياتها للأسف.. وكدت أن أستقطر مودتها القديمة بقول: ما زلنا نرفع الأذان يا عزيزتي.. فلعلنا ما زلنا بخير إذن.. لعلنا!
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: مصر السويد الدين الأذان الرضا الزواج الانكسار العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 28 فبراير 2019 | حادث قطار رمسيس... يهون تأثير الحوادث على الجماهير بكثرة التكرار، فتعاني شعوراً بالخدر والضبابية، أشبه بما يصفه الحشاشون من مشاعر وأفكار تنبعث من بين أدخنة سجائرهم السحرية، فتضرب بينها وبين الواقع بغلالة بيضاء شفافة تجعله يبدو كالحلم فيخفت ألمه..
    • مشاركة
  • 25 فبراير 2019 | تتحرر النساء من التحفظ عند مصفف الشعر بشكل يلفت انتباهي جداً.أؤمن أن التحفظ طيف واسع، وأن درجته ترتبط بشخصية الفرد منا وبخلفيته الاجتماعية وبنفسيته ومخاوفه وحساباته، وأن تحديد كود إلزامي للجميع فيما يخص هذه المسألة سخف وقلة فهم.
    • مشاركة
  • 19 ديسمبر 2018 | وها هي الألواح الخرسانية التي تحيط بمدخل الكنيسة معززة بجوالات الرمال المرصوصة وكأنها دشمة حربية وليست بيتاً لله، ترمقها بطرف عينك بكل وجع القلب والخجل من إخوة الوطن المضطرين لحماية أرواحهم بهذا الشكل المهين للجميع..
    • مشاركة
  • 12 ديسمبر 2018 | يحاول المصري الحصيف تجنّب التعامل مع الجهات الحكومية ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. عقيدة تتناقلها الأجيال، وترسّخها التجارب، ولا تفلح بعض الاستثناءات المضيئة سوى في تأكيد القاعدة لا نفيها..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل