alaraby-search
الخميس 28/02/2019 م (آخر تحديث) الساعة 17:34 بتوقيت القدس 15:34 (غرينتش)
الطقس
errors

أنتَ مهم... والله مهم!

28 فبراير 2019

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
(حادث قطار رمسيس... 27 فبراير/ شباط 2019)

يهون تأثير الحوادث على الجماهير بكثرة التكرار، فتعاني شعوراً بالخدر والضبابية أشبه بما يصفه الحشاشون من مشاعر وأفكار تنبعث من بين أدخنة سجائرهم السحرية، فتضرب بينها وبين الواقع بغلالة بيضاء شفافة تجعله يبدو كالحلم فيخفت ألمه..

لا يعني ذلك أن الناس مع تكرار المآسي تتحول للبلادة الكاملة. لم نصبح صخوراً بعد.. ولو أنها تتصدع من خشية الله! بالطبع نظل نتأثر ونشعر بالصدمة وبانقباضة الصدر وثقله وبالوجوم نفسه كل مرة، بل يعاودنا نفس الشعور العجيب بالذنب أن نجونا! فها نحن نتحرك ونتحدث ونأكل ونضرب المواعيد، فيما هناك آخرون عانوا نهايات مفجعة بمحض صدفة كانت قادرة على اختيارنا بدلاً منهم بكل سهولة.. فنقول "الحمد لله" بخجل، وكأننا ظفرنا بفسحة إضافية من الحياة خصماً من حسابهم فيها!

لكننا مع ذلك لا نصل بالشعور إلى مستواه الطبيعي. نظل عالقين عند طبقة متوسطة لا تصل إلى التجاوب الصحّي المطلوب أبداً. ونظل أسرى فكرة أن آلافاً راحوا مثل هؤلاء في ماض قريب وبعيد.. وآلافاً سيلحقونهم بلا شك في مستقبل قريب وبعيد.. وقد نكون منهم.. فلمَ العجب.. وعلامَ الغضب؟!


بالأمس، وبعد الحادث بساعتين، كنت في طريقي من الإسكندرية للقاهرة بالسيارة، ولولا إعادة ترتيب للرحلة في وقت متأخر، لكنت في أحد قطارات الصباح الداخلة لمحطة مصر ساعة الحادث. من قدر الله لقدر الله ولا حول ولا قوة لنا إلا به..

قضيت وحدي في السيارة أربع ساعات من الهمّ الخام. ذلك النوع الذي يثقل معه النفس وتزهد المعدة الطعام، ويعزّ الكلام ولو بالرد على الهاتف. وتسلمتني طوال الطريق ذكريات ما مر بنا من مآس شهدتها منذ أواخر الثمانينيات وحتى اليوم، وانتهيت عند البيت مستهلكة تماماً وقد هان عليّ الحادث المروّع.. تخيل!

أخذت أفكر كم من آلاف الأرواح التي حصدتها حوادث بشعة كهذه! بل كم تكررت حوادث القطارات بنفس السيناريوهات.. وعند نفس المزلقانات! وكم مرة نرى فيها الجثث المتفحمة وهم يغطونها بالجرائد، والأشلاء البشرية وهم يجمعونها في أكياس قمامة عن القضبان!

كم مرة نسمع التصريحات الرسمية المستفزة المضحكة في آن، ونُمسي على البرامج التلفزيونية القميئة المدّعِية وهي تصنع "الشو" المناسب للمعلنين! كم مرة نغتص ونبكي ونتألم؟ كم مرة نتجرع هذا الشعور الفظيع بالرُخص وبسهولة فقد العشرات والمئات منا بأيّ حجة وتحت أي عذر؟

ماذا يفيد التذكر والعدّ والأسى؟!
الحياة هينة يا عزيزي.. ونحن هينون وبلا قيمة.. فلمَ التفكير أصلاً؟!
حادث؟.. عادي
قتلى وحرقى ومفقودون؟.. عادي
استهبال وتمثيل واستغفال للناس وكأنهم بلا عقول؟.. عادي
هذا هو بيت القصيد..

كثرة حوادث الإهمال والتقتير الحكومي على المرافق العامة، بالشكل الذي لا ينكره إلا منافق أو متعام، تسلِّم الناس لحالة من انعدام القيمة وفقدان الإحساس بالأهمية. ذلك الإحساس البشري الملهِم لكل عمران، الذي تعمل الدول المتحضرة المحترمة على إذكائه في نفوس مواطنيها، لتحصل منهم على أعلى حماسة وأفضل مشاركة وإنتاجية.


"أنت مهم جداً ونحن حرصاء على وجودك وسلامتك وراحتك".
هذه هي الرسالة الوحيدة التي تحرك البشر وتستثير طاقاتهم وتحفزهم للعمل والحياة. وهي الرسالة التي بسببها قبِل آدم حمل المسؤولية في المبتدا. وهي الرسالة التي تصل إلى الفرد منا بمجرد انتقاله للعيش بالخارج السعيد. فيفاجئه أن كل تفصيلة في حياته تهمس له بهذا المعنى الملهِم فيصدقه.. ويعمل على أساسه.

أتذكر أنني كنت أضيق ذرعاً بكثرة تدريبات الحريق، التي يقومون بها في الخارج في مباني السكن والعمل والمدارس وكل المرافق الآهلة بالسكان، وكنت أحسّها مضيعة للوقت، حتى تضجرت مرة وتهكمت على الإنذار الكاذب وخطط الخروج وممراته والوقت المحسوب للعملية، وانتظار إخلاء المبنى كله وتأمينه، ثم العودة.. لأجد زميلتي الأجنبية تتعجب من ضجري وتخبرني بها صريحة لأول مرة في حياتي:

يا عزيزتي سلامتك أهمّ من العشر دقائق عمل بكثير! أنتِ أهم شيء في هذا المبنى! والله ذهبت يومها للبيت في قمة السعادة والحماسة. نحن بشر أسوياء شغوفون متحمسون ما عوملنا بما نستحق من آدمية واحترام وأهمية.

أما في بلادنا حفظها الله ونجاها من حكامها.. فها هي الرسالة التي تصلك صباح مساء:
"إحنا صغيرين قوي يا سيد"..
"إحنا فقرا قوي" يا سيد.. ولا شأن لك يا سيد بالعواصم والقصور والمنتجعات والأبراج.. وإياك و"اشمعنى" يا سيد.. خليك في حالك!
إحنا في "شبه دولة" يا سيد..
وإنت شبه بني آدم يابني..
تعيش شبه حياة كما ترى..
وستموت غالباً موتة درامية يشاهدونها في تفريغ الكاميرات..
تمثيل يعني يا سيد.. إنت صدقت ولا إيه؟!

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: قطار رمسيس محطة مصر المآسي التعود السلامة الإنسان العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 20 مايو 2019 | الواحد فينا بعد أن تنهكه الحيرة عمراً طويلاً وهو يطالع الأمثلة في نفسه وفي الناس، ويظل يتساءل عن كيفية حل المعضلات الاجتماعية التي لا يكاد يرضى أحد أطرافها حتى يسخط الآخر..
    • مشاركة
  • 9 مايو 2019 | عندما عدنا لبلدتنا في الشرقية، كان له في أسرته وبين أقاربه وضع مميز.. الحاج عبد السلام الثري القادم من الخليج، صاحب الدار الفخمة المبنية بالرخام على الطريق العمومي. كان الكل يتسابقون لاستشارته ولمرافقته. وكان يفتخر أمامنا بذلك كثيراً.
    • مشاركة
  • 5 مايو 2019 | في مثل هذا الوقت من كل عام تستعر حملات الدعاية التليفزيونية للتبرع للجهات الخيرية ومنها الكثير من المستشفيات، وتقابلها حملات مضادة من نسبة معتبرة من الناس تشكك في كل تلك الحملات وتدعو لعدم التبرع لتلك الجهات بالكلية..
    • مشاركة
  • 2 أبريل 2019 | تتذكر "جو" الآن، بعد الضجة الكبيرة حول حالتها النادرة، أنها بالفعل عاشت عمرها كله ولم تكن تشعر بآلام الجروح والحروق وقت حدوثها، وتستدرك ضاحكة: ربما فقط نبهتني رائحة الدخان أو صوت طقطقة لحم يحترق، فأنظر لأجده ذراعي!..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة

أنتَ مهم... والله مهم!

28 فبراير 2019

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
(حادث قطار رمسيس... 27 فبراير/ شباط 2019)

يهون تأثير الحوادث على الجماهير بكثرة التكرار، فتعاني شعوراً بالخدر والضبابية أشبه بما يصفه الحشاشون من مشاعر وأفكار تنبعث من بين أدخنة سجائرهم السحرية، فتضرب بينها وبين الواقع بغلالة بيضاء شفافة تجعله يبدو كالحلم فيخفت ألمه..

لا يعني ذلك أن الناس مع تكرار المآسي تتحول للبلادة الكاملة. لم نصبح صخوراً بعد.. ولو أنها تتصدع من خشية الله! بالطبع نظل نتأثر ونشعر بالصدمة وبانقباضة الصدر وثقله وبالوجوم نفسه كل مرة، بل يعاودنا نفس الشعور العجيب بالذنب أن نجونا! فها نحن نتحرك ونتحدث ونأكل ونضرب المواعيد، فيما هناك آخرون عانوا نهايات مفجعة بمحض صدفة كانت قادرة على اختيارنا بدلاً منهم بكل سهولة.. فنقول "الحمد لله" بخجل، وكأننا ظفرنا بفسحة إضافية من الحياة خصماً من حسابهم فيها!

لكننا مع ذلك لا نصل بالشعور إلى مستواه الطبيعي. نظل عالقين عند طبقة متوسطة لا تصل إلى التجاوب الصحّي المطلوب أبداً. ونظل أسرى فكرة أن آلافاً راحوا مثل هؤلاء في ماض قريب وبعيد.. وآلافاً سيلحقونهم بلا شك في مستقبل قريب وبعيد.. وقد نكون منهم.. فلمَ العجب.. وعلامَ الغضب؟!


بالأمس، وبعد الحادث بساعتين، كنت في طريقي من الإسكندرية للقاهرة بالسيارة، ولولا إعادة ترتيب للرحلة في وقت متأخر، لكنت في أحد قطارات الصباح الداخلة لمحطة مصر ساعة الحادث. من قدر الله لقدر الله ولا حول ولا قوة لنا إلا به..

قضيت وحدي في السيارة أربع ساعات من الهمّ الخام. ذلك النوع الذي يثقل معه النفس وتزهد المعدة الطعام، ويعزّ الكلام ولو بالرد على الهاتف. وتسلمتني طوال الطريق ذكريات ما مر بنا من مآس شهدتها منذ أواخر الثمانينيات وحتى اليوم، وانتهيت عند البيت مستهلكة تماماً وقد هان عليّ الحادث المروّع.. تخيل!

أخذت أفكر كم من آلاف الأرواح التي حصدتها حوادث بشعة كهذه! بل كم تكررت حوادث القطارات بنفس السيناريوهات.. وعند نفس المزلقانات! وكم مرة نرى فيها الجثث المتفحمة وهم يغطونها بالجرائد، والأشلاء البشرية وهم يجمعونها في أكياس قمامة عن القضبان!

كم مرة نسمع التصريحات الرسمية المستفزة المضحكة في آن، ونُمسي على البرامج التلفزيونية القميئة المدّعِية وهي تصنع "الشو" المناسب للمعلنين! كم مرة نغتص ونبكي ونتألم؟ كم مرة نتجرع هذا الشعور الفظيع بالرُخص وبسهولة فقد العشرات والمئات منا بأيّ حجة وتحت أي عذر؟

ماذا يفيد التذكر والعدّ والأسى؟!
الحياة هينة يا عزيزي.. ونحن هينون وبلا قيمة.. فلمَ التفكير أصلاً؟!
حادث؟.. عادي
قتلى وحرقى ومفقودون؟.. عادي
استهبال وتمثيل واستغفال للناس وكأنهم بلا عقول؟.. عادي
هذا هو بيت القصيد..

كثرة حوادث الإهمال والتقتير الحكومي على المرافق العامة، بالشكل الذي لا ينكره إلا منافق أو متعام، تسلِّم الناس لحالة من انعدام القيمة وفقدان الإحساس بالأهمية. ذلك الإحساس البشري الملهِم لكل عمران، الذي تعمل الدول المتحضرة المحترمة على إذكائه في نفوس مواطنيها، لتحصل منهم على أعلى حماسة وأفضل مشاركة وإنتاجية.


"أنت مهم جداً ونحن حرصاء على وجودك وسلامتك وراحتك".
هذه هي الرسالة الوحيدة التي تحرك البشر وتستثير طاقاتهم وتحفزهم للعمل والحياة. وهي الرسالة التي بسببها قبِل آدم حمل المسؤولية في المبتدا. وهي الرسالة التي تصل إلى الفرد منا بمجرد انتقاله للعيش بالخارج السعيد. فيفاجئه أن كل تفصيلة في حياته تهمس له بهذا المعنى الملهِم فيصدقه.. ويعمل على أساسه.

أتذكر أنني كنت أضيق ذرعاً بكثرة تدريبات الحريق، التي يقومون بها في الخارج في مباني السكن والعمل والمدارس وكل المرافق الآهلة بالسكان، وكنت أحسّها مضيعة للوقت، حتى تضجرت مرة وتهكمت على الإنذار الكاذب وخطط الخروج وممراته والوقت المحسوب للعملية، وانتظار إخلاء المبنى كله وتأمينه، ثم العودة.. لأجد زميلتي الأجنبية تتعجب من ضجري وتخبرني بها صريحة لأول مرة في حياتي:

يا عزيزتي سلامتك أهمّ من العشر دقائق عمل بكثير! أنتِ أهم شيء في هذا المبنى! والله ذهبت يومها للبيت في قمة السعادة والحماسة. نحن بشر أسوياء شغوفون متحمسون ما عوملنا بما نستحق من آدمية واحترام وأهمية.

أما في بلادنا حفظها الله ونجاها من حكامها.. فها هي الرسالة التي تصلك صباح مساء:
"إحنا صغيرين قوي يا سيد"..
"إحنا فقرا قوي" يا سيد.. ولا شأن لك يا سيد بالعواصم والقصور والمنتجعات والأبراج.. وإياك و"اشمعنى" يا سيد.. خليك في حالك!
إحنا في "شبه دولة" يا سيد..
وإنت شبه بني آدم يابني..
تعيش شبه حياة كما ترى..
وستموت غالباً موتة درامية يشاهدونها في تفريغ الكاميرات..
تمثيل يعني يا سيد.. إنت صدقت ولا إيه؟!

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: قطار رمسيس محطة مصر المآسي التعود السلامة الإنسان العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 20 مايو 2019 | الواحد فينا بعد أن تنهكه الحيرة عمراً طويلاً وهو يطالع الأمثلة في نفسه وفي الناس، ويظل يتساءل عن كيفية حل المعضلات الاجتماعية التي لا يكاد يرضى أحد أطرافها حتى يسخط الآخر..
    • مشاركة
  • 9 مايو 2019 | عندما عدنا لبلدتنا في الشرقية، كان له في أسرته وبين أقاربه وضع مميز.. الحاج عبد السلام الثري القادم من الخليج، صاحب الدار الفخمة المبنية بالرخام على الطريق العمومي. كان الكل يتسابقون لاستشارته ولمرافقته. وكان يفتخر أمامنا بذلك كثيراً.
    • مشاركة
  • 5 مايو 2019 | في مثل هذا الوقت من كل عام تستعر حملات الدعاية التليفزيونية للتبرع للجهات الخيرية ومنها الكثير من المستشفيات، وتقابلها حملات مضادة من نسبة معتبرة من الناس تشكك في كل تلك الحملات وتدعو لعدم التبرع لتلك الجهات بالكلية..
    • مشاركة
  • 2 أبريل 2019 | تتذكر "جو" الآن، بعد الضجة الكبيرة حول حالتها النادرة، أنها بالفعل عاشت عمرها كله ولم تكن تشعر بآلام الجروح والحروق وقت حدوثها، وتستدرك ضاحكة: ربما فقط نبهتني رائحة الدخان أو صوت طقطقة لحم يحترق، فأنظر لأجده ذراعي!..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل