alaraby-search
الإثنين 11/02/2019 م (آخر تحديث) الساعة 19:49 بتوقيت القدس 17:49 (غرينتش)
الطقس
errors

يوميات مواطنة لبنانية تحب الكتابة

11 فبراير 2019

نبذة عن المدون

رئيسة جمعية لبنانية ومدربة مهارات حياتية وكاتبة مبتدئة مواليد 1987.. حاصلة على إجازة في علم النفس التربوي من كلية الآداب بالجامعة اللبنانية، وطالبة إجازة في اختصاص اللغة العربية وآدابها في نفس الجامعة.
الأكثر مشاهدة
اليوم الأول.. ليس هناك يوم أول في حياة الشخص سوى اليوم الذي يولد فيه، أو ربما يوجد، ولكن على الصعيد المعنوي. وأنا اليوم أعلن ولادة هذه المدونات الخاصة بي بعنوان "يوميات مواطنة لبنانية تحب الكتابة"..

عنوان طويل.. كم أُعد نفسي فاشلة في اختيار العناوين، رغم أنني أفاجأ أحيانا بالحصول على عنوان لقصة أو رواية من مكان غير معروف في عقلي.

كنت أقود سيارتي في زحام يوم الإثنين المعتاد في صيدا، وقد وضعت على لائحتي عدة مهمات يجب إنجازها، وبالرغم من الزحام الخانق، وأنني مررت بمعضلة مرورية حيث مرّرت سيارتي الـ"تويوتا كورولا" والتي أنفقت عليها ألف دولار منذ زمن ليس ببعيد لأعيد لونها الجميل من دون أي خدوش بين عدة سيارات، وقد اضطر معظم الشبان في ذاك الحي إلى مساعدتي للمرور من دون وقوع ما لا تحمد عقباه، إلا أنني وبمعجزة ما انتهيت من هذا الموقف بلا أضرار تُذكر، بل ازادادت ثقتي بقدرتي على إنجاز المهمات القيادية الصعبة، (بالنسبة لمساعدة جميع من كان واقفا في الحي، فهو شيء بسيط لا يذكر أمام بطولاتي القيادية).

تابعت إنجاز مهماتي وقد شارفت على الانتهاء، كنت عازمة على شراء بعض الدجاج للغداء، وقد صُدمت إذ وجدت شابا كان يدرس عندي منذ بضع سنوات وكان تلميذا ذكيا ومن عائلة ميسورة، غير أن والدته كان تقضي معظم أوقاتها في زيارات من بيت إلى بيت، وقد عهدت بتربيته إلى شباب الحي، وأخوته الأكبر منه، وكانت تغطي عنه في كل المرات التى يتغيب فيها عن المدرسة أو الدروس الخصوصية معي ومع المعلمات اللواتي عانين معه لكي لا يُعاقب من والده، فقد كان تلميذاً مدللاً لدرجة تجعلك تشمئز من الحديث معه أحيانا.


كان والده قد أنهى تعليمه الجامعي وهو موظف محترم، أما والدته التي تهتم بجمالها ومساحيق بشرتها أكثر من أي شيء، فقد ربت ثلاثة شبان لم يكمل أحدهم التعليم لأكثر من المرحلة المتوسطة، وقد عانى الأب كثيرا في محاولات لا حصر لها مع كل منهم، حتى يتابع الدراسة من دون جدوى.

ها هو الابن الأصغر والأكثر دلالا يعمل في بيع الدجاج، وقد اختبأ خلف البراد الكبير والأكياس والميزان كي لا أراه هنا. فافتعلت بدوري الانشغال وعدم الانتباه له، رغم أنني عادة أسلم عليه كلما رأيته، فبالرغم من عدم اكتراثه لمجهوداتي يوم كان تلميذي، إلا أنه كان تلميذاً لطيفاً ومهذباً..

كانت كل مشكلته، أنه دائما في عالم آخر، غير مكترث لأي شيء يقال له، لمع خاتم في بنصره الأيمن بينما كان يضع أفخاذ الدجاج على الميزان، لم أشعر باستغراب بالرغم من صغر سنه فهو لم يتجاوز التسعة عشر ربيعا، لقد كان الشيء الوحيد الذي يثير اهتمامه ومنذ أن كان في الخامسة عشرة هو الفتيات والحب، كنت أعرف هذا من خلال منشوراته على "فيسبوك".

خرجت وألف سؤال يتردد في رأسي، لست ضد الأعمال اليدوية أبدا، فلا يمكن لأي مجتمع أن يستقيم من دون الحداد والنجار وبائع والخضروات وغيرهم، ولكن الفتى كان حاد الذكاء، لديه مخزون من المعلومات كان يمكّنه من اجتياز العديد من الامتحانات رغم عدم تركيزه. كل مشكلته كانت في مرحلة المراهقة التي لم يستطع تجاوزها بأمان وسط تربية بالية لا تهتم سوى بالمظاهر.

ذهبت إلى البيت واتصلتُ بوالدتي التي لا يمكن التحدث معها من دون أفخاخ متفجرة هنا وهناك إلا باستخدام أسلوب معاكس، فهي ابنتي وأنا أمها، تلك هي والدتي الحبيبة، وأنا أحبها الآن كما هي..

أعطتني ضحكتها على الهاتف جرعة نشاط إضافية، ضَحِكتها على مضض بسبب ألم كتفها، مازحتها لتنسى بعضا منه إذ إنها مصابة بالروماتيزم عدا عن حزمة كبيرة من الأمراض التي تجعلها دائمة الشكوى والألم، كم تمنيت في تلك اللحظة أن تكون لدي قدرات خارقة لأسحبه من مفاصلها، ومع ذلك فأنا الآن أعلم أنني بمحادثتي خففت منه ولو لدقائق.

بعد ذلك كدت أصل إلى المنزل، وبينما كنت أقود سيارتي وأفكر في نهاية قصة قصيرة تختمر في عقلي، فكرت في كم المشاهد والأمور التي أحب التحدث عنها، وفكرت في عشقي للثرثرة على الأوراق، وأنني لا أستطيع دائماً أن أخلق صراعا خارجياً أو داخلياً لأضعه في قالب أدبي سيقابل على الأرجح بقلة الاكتراث..

وبما أنني كاتبة جديدة وليس لي إلى الآن سوى قصة قصيرة نُشرت تحت عنوان "نص"، وبعض المنشورات على فيسبوك والتي تلقى اهتماماً أقل من ربع صورة سخيفة أضعها لأنني أحمل من السخافة ما يحمله جميع البشر، وهو أمر طبيعي صرت أتلذذ به بعد أن توصلت إلى حقيقة أن العمق ليس الشيء الوحيد الموجود فينا، وأن السطحية ليست أمراً سيئاً دائماً..

ولكي لا أطيل إسهابي الذي بدأت أعجز عن الإمساك به، فقد خطر ببالي أنني أريد أن أكتب يومياتي، ولو لم تلقَ أي صدى، يكفي أنني أثرثر فيها من دون الحاجة إلى أي صديق قد لا يجد وقتا للاستماع إليها.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الكتابة الثرثرة اليوميات الحكايات الاستماع العمق مواطنة لبنانية العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

نبذة عن المدون

رئيسة جمعية لبنانية ومدربة مهارات حياتية وكاتبة مبتدئة مواليد 1987.. حاصلة على إجازة في علم النفس التربوي من كلية الآداب بالجامعة اللبنانية، وطالبة إجازة في اختصاص اللغة العربية وآدابها في نفس الجامعة.
الأكثر مشاهدة

يوميات مواطنة لبنانية تحب الكتابة

11 فبراير 2019

نبذة عن المدون

رئيسة جمعية لبنانية ومدربة مهارات حياتية وكاتبة مبتدئة مواليد 1987.. حاصلة على إجازة في علم النفس التربوي من كلية الآداب بالجامعة اللبنانية، وطالبة إجازة في اختصاص اللغة العربية وآدابها في نفس الجامعة.
الأكثر مشاهدة
اليوم الأول.. ليس هناك يوم أول في حياة الشخص سوى اليوم الذي يولد فيه، أو ربما يوجد، ولكن على الصعيد المعنوي. وأنا اليوم أعلن ولادة هذه المدونات الخاصة بي بعنوان "يوميات مواطنة لبنانية تحب الكتابة"..

عنوان طويل.. كم أُعد نفسي فاشلة في اختيار العناوين، رغم أنني أفاجأ أحيانا بالحصول على عنوان لقصة أو رواية من مكان غير معروف في عقلي.

كنت أقود سيارتي في زحام يوم الإثنين المعتاد في صيدا، وقد وضعت على لائحتي عدة مهمات يجب إنجازها، وبالرغم من الزحام الخانق، وأنني مررت بمعضلة مرورية حيث مرّرت سيارتي الـ"تويوتا كورولا" والتي أنفقت عليها ألف دولار منذ زمن ليس ببعيد لأعيد لونها الجميل من دون أي خدوش بين عدة سيارات، وقد اضطر معظم الشبان في ذاك الحي إلى مساعدتي للمرور من دون وقوع ما لا تحمد عقباه، إلا أنني وبمعجزة ما انتهيت من هذا الموقف بلا أضرار تُذكر، بل ازادادت ثقتي بقدرتي على إنجاز المهمات القيادية الصعبة، (بالنسبة لمساعدة جميع من كان واقفا في الحي، فهو شيء بسيط لا يذكر أمام بطولاتي القيادية).

تابعت إنجاز مهماتي وقد شارفت على الانتهاء، كنت عازمة على شراء بعض الدجاج للغداء، وقد صُدمت إذ وجدت شابا كان يدرس عندي منذ بضع سنوات وكان تلميذا ذكيا ومن عائلة ميسورة، غير أن والدته كان تقضي معظم أوقاتها في زيارات من بيت إلى بيت، وقد عهدت بتربيته إلى شباب الحي، وأخوته الأكبر منه، وكانت تغطي عنه في كل المرات التى يتغيب فيها عن المدرسة أو الدروس الخصوصية معي ومع المعلمات اللواتي عانين معه لكي لا يُعاقب من والده، فقد كان تلميذاً مدللاً لدرجة تجعلك تشمئز من الحديث معه أحيانا.


كان والده قد أنهى تعليمه الجامعي وهو موظف محترم، أما والدته التي تهتم بجمالها ومساحيق بشرتها أكثر من أي شيء، فقد ربت ثلاثة شبان لم يكمل أحدهم التعليم لأكثر من المرحلة المتوسطة، وقد عانى الأب كثيرا في محاولات لا حصر لها مع كل منهم، حتى يتابع الدراسة من دون جدوى.

ها هو الابن الأصغر والأكثر دلالا يعمل في بيع الدجاج، وقد اختبأ خلف البراد الكبير والأكياس والميزان كي لا أراه هنا. فافتعلت بدوري الانشغال وعدم الانتباه له، رغم أنني عادة أسلم عليه كلما رأيته، فبالرغم من عدم اكتراثه لمجهوداتي يوم كان تلميذي، إلا أنه كان تلميذاً لطيفاً ومهذباً..

كانت كل مشكلته، أنه دائما في عالم آخر، غير مكترث لأي شيء يقال له، لمع خاتم في بنصره الأيمن بينما كان يضع أفخاذ الدجاج على الميزان، لم أشعر باستغراب بالرغم من صغر سنه فهو لم يتجاوز التسعة عشر ربيعا، لقد كان الشيء الوحيد الذي يثير اهتمامه ومنذ أن كان في الخامسة عشرة هو الفتيات والحب، كنت أعرف هذا من خلال منشوراته على "فيسبوك".

خرجت وألف سؤال يتردد في رأسي، لست ضد الأعمال اليدوية أبدا، فلا يمكن لأي مجتمع أن يستقيم من دون الحداد والنجار وبائع والخضروات وغيرهم، ولكن الفتى كان حاد الذكاء، لديه مخزون من المعلومات كان يمكّنه من اجتياز العديد من الامتحانات رغم عدم تركيزه. كل مشكلته كانت في مرحلة المراهقة التي لم يستطع تجاوزها بأمان وسط تربية بالية لا تهتم سوى بالمظاهر.

ذهبت إلى البيت واتصلتُ بوالدتي التي لا يمكن التحدث معها من دون أفخاخ متفجرة هنا وهناك إلا باستخدام أسلوب معاكس، فهي ابنتي وأنا أمها، تلك هي والدتي الحبيبة، وأنا أحبها الآن كما هي..

أعطتني ضحكتها على الهاتف جرعة نشاط إضافية، ضَحِكتها على مضض بسبب ألم كتفها، مازحتها لتنسى بعضا منه إذ إنها مصابة بالروماتيزم عدا عن حزمة كبيرة من الأمراض التي تجعلها دائمة الشكوى والألم، كم تمنيت في تلك اللحظة أن تكون لدي قدرات خارقة لأسحبه من مفاصلها، ومع ذلك فأنا الآن أعلم أنني بمحادثتي خففت منه ولو لدقائق.

بعد ذلك كدت أصل إلى المنزل، وبينما كنت أقود سيارتي وأفكر في نهاية قصة قصيرة تختمر في عقلي، فكرت في كم المشاهد والأمور التي أحب التحدث عنها، وفكرت في عشقي للثرثرة على الأوراق، وأنني لا أستطيع دائماً أن أخلق صراعا خارجياً أو داخلياً لأضعه في قالب أدبي سيقابل على الأرجح بقلة الاكتراث..

وبما أنني كاتبة جديدة وليس لي إلى الآن سوى قصة قصيرة نُشرت تحت عنوان "نص"، وبعض المنشورات على فيسبوك والتي تلقى اهتماماً أقل من ربع صورة سخيفة أضعها لأنني أحمل من السخافة ما يحمله جميع البشر، وهو أمر طبيعي صرت أتلذذ به بعد أن توصلت إلى حقيقة أن العمق ليس الشيء الوحيد الموجود فينا، وأن السطحية ليست أمراً سيئاً دائماً..

ولكي لا أطيل إسهابي الذي بدأت أعجز عن الإمساك به، فقد خطر ببالي أنني أريد أن أكتب يومياتي، ولو لم تلقَ أي صدى، يكفي أنني أثرثر فيها من دون الحاجة إلى أي صديق قد لا يجد وقتا للاستماع إليها.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الكتابة الثرثرة اليوميات الحكايات الاستماع العمق مواطنة لبنانية العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

نبذة عن المدون

رئيسة جمعية لبنانية ومدربة مهارات حياتية وكاتبة مبتدئة مواليد 1987.. حاصلة على إجازة في علم النفس التربوي من كلية الآداب بالجامعة اللبنانية، وطالبة إجازة في اختصاص اللغة العربية وآدابها في نفس الجامعة.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل