alaraby-search
الأحد 08/12/2019 م (آخر تحديث) الساعة 00:07 بتوقيت القدس 22:07 (غرينتش)
الطقس
errors

خواطر عن الاستعباد السياسي وآثاره المستمرة!

8 ديسمبر 2019

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة
لم يعد غريباً أن تجد هذه الأيام من يشكر حسني مبارك لأنه قام بتطوير شبكة التليفونات أو إدخال الإنترنت إلى مصر، أو من يشكر سوزان مبارك لأنها تبنّت مشروع مكتبة الأسرة أو ساهمت في إدخال تعديلات على قوانين الأحوال الشخصية، أو من يشكر أنور السادات لأنه قام بعمل معاش باسمه استفاد منه ملايين الفقراء، أو من يشكر جمال عبد الناصر لأنه بنى أول مدرسة وأول وحدة صحية في قريته، فعقود الاستعباد السياسي وتأميم الشعب التي سحقت الإحساس بالمواطنة في نفوس المصريين، خلفت تأثيراً متغلغلاً في العقول والقلوب، هو ذاته الذي ينتج عنه الآن ما نراه من شكر الكثيرين لعبد الفتاح السيسي على أي نفق أو كوبري يقوم بافتتاحه، واعتباره إنجازاً يستحق الاحتفاء والتقدير. 

هذا الاستعباد السياسي جعل المواطن ينسى وهو يشكر حاكمه على ما يفتتحه من مشاريع ومنشآت، أن تلك المشاريع والمنشآت صنعت من قوت الشعب الذي تؤخذ منه الضرائب والرسوم والدمغات، وأنه بسبب ضياع حقه في الرقابة والمحاسبة، لم يعد يدري ما الذي تم إنفاقه على تلك المشاريع والمنشآت بالفعل، وهل قام الحاكم بخنصرة ما جاء من الخارج من معونات ومنح وقروض على حس تلك المشاريع والمنشآت؟ وهل من يحكمه الآن ينتمي إلى مدرسة عبد الناصر التي تتعفف عن الفساد المالي وتكتفي بممارسة الفساد السياسي الذي يمنح السلطة للمحاسيب وأعوانهم كآلية لازمة لاستقرار مقاليد الأمور في يد الحاكم؟ أم إلى مدرسة أنور السادات التي لا ترى حرجاً في الحصول على استثناءات يتم منحها للأقارب والأهل الذين هم أولى بالمعروف، مقابل أن يقوم هؤلاء الأقارب والأهل بخدمة مجتمعاتهم المحلية التي قام الحاكم بائتمانهم عليها؟ أم إلى مدرسة حسني مبارك التي تؤمن بجميع أنواع الفساد وتوزع ما يتم نهبه بالعدل والقسطاس على بنوك سويسرا وجزر الكايمان وجميع الملاذات الضريبية، حتى أن سويسرا تتحايل على المصريين منذ سنوات أن يثبتوا حقهم القانوني في أموال عائلة مبارك، ليتمكنوا من استردادها، ولا حياة لمن تنادي؟


بعيداً عن عبد الناصر والسادات، الذين يعتبر الكثيرون حكمهما شيئاً ينتمي إلى الماضي السحيق، هناك قطاع لا يستهان به من المواطنين المصريين يعبرون عن مشاعر الحنين إلى عهد حسني مبارك، مع أنهم يقرون بحقيقة نهب مبارك للبلاد وبفساد عائلته، لكنهم يعبرون عن حنينهم إلى عهده، لأنهم يحنون إلى الاستعباد الناعم الفازليني، بعد أن ذاقوا الأمرين من استعباد الكرباج الخشن الذي يعيشون تحت وطأته في عهد السيسي، ولذلك فهم يعبرون عن حنينهم لعهد مبارك من باب "اذكروا محاسن مستعبديكم الكيوت"، حتى لو كان هؤلاء المستعبدون الكيوت قد قتلوا من قتلوه، ودمروا البلد ونهبوها وفقدوا أمَلَها، وللأسف ستجد من هؤلاء من يثني على علاء وجمال نجلي مبارك، لأنه قابلهم في عزاء فابتسموا في وجهه، أو لأنهم سمحوا له بأن يلتقط سيلفي معهم في مدرجات ستاد كرة، مع أنه لو كان قد حاول الاقتراب من موكبهم أيام وجودهم في الحكم لتمت غربلته بالرصاص أو لتعرض للاعتقال حتى يبان له أصحاب.

في حالات كهذه أتذكر دائماً الشاعر العربي الذي قال: "وما سُمّي الإنسان إلا لنسيه"، وأعتبر ما قاله تخريجة لطيفة لمشكلة ضعف الذاكرة المرتبطة بالإنسان، والتي تتفاقم آثارها في ظل الأنظمة الاستبدادية، حيث تستفيد الدولة من ضعف ذاكرة مواطنيها، بل وتستثمر فيه لتبقى روايتها الرسمية وحدها السائدة، وهو ما لخصه أستاذنا نجيب محفوظ في عبارته الخالدة "ولكن آفة حارتنا النسيان"، بالطبع يتعامل الإنسان في حياته الشخصية مع النسيان بوصفه نعمة، لأنه يساعده على إعادة كتابة ماضيه وتجاوز مراراته، لكن النسيان الجماعي يصبح نقمة أفدح ولعنة أضلّ، لأنه يجعل المجتمع ذاهلاً عن ماضيه وواقعه، ولذلك يتفاجأ ويندهش حين تصيبه كارثة، حتى لو كانت قد حصلت بدل المرة عشرين مرة، ويستريح دائماً لتفسير تلك الكارثة على أنها مؤامرة دبرها الحاقدون على البلد العظيمة الشامخة المقدسة المذكورة في القرآن والإنجيل، وهو ما يجعل كثيراً من المصريين ينسون أن ما يعيشونه من معاناة في عهد السيسي، مرتبط بما عاشوه في عهد مبارك ومن قبله، من نهب وتجريف وفساد وقمع، لأن المصائب لا تنزل على الناس فجأة من السماء ولا تنبت "شيطاني" من الأرض.
منذ أسابيع قرأت تدوينة لشاب ثوري يتوجه فيه بالشكر لحسني مبارك لأنه قام بدعم انتشار الإنترنت في كافة أنحاء مصر، فساهم بذلك في تخفيف حدة التطرف والإرهاب، متناسياً أن مبارك لم يقم بدعم انتشار الإنترنت بمزاجه، ولكن لأنه ارتضى أن تدخل مصر في مشروع اقتصاد رأسمالي مرتبط بالعالم، ليكون له قبول دولي يساعده على إرضاء الجهات المانحة، ولكي يتمتع بفرص أكبر من النهب، ولا أظنه كان سيفعل لو أدرك أن الثورة عليه ستقوم من الإنترنت، إذ لربما اتبع حينها النهج الصيني في التعامل مع الإنترنت، وهو ما يقوم نظام السيسي بفعله الآن، كما أنني لا أدري من أين أتت حكاية أن مبارك كان يستخدم الإنترنت في مكافحة التطرف والإرهاب، لأن نظام مبارك هو الذي قرر أن يمضي إلى أبعد مدى بسياسة التحالف مع الجماعات الإسلامية التي سبق أن ابتدعها السادات في بدايات حكمه ليقوم بضرب الحركات اليسارية والناصريين.

بفضل الصفقات التي عقدتها أجهزة الأمن مع قطاعات من السلفيين، سمح نظام مبارك لهم بأن يرتعوا في البلاد، وسمح لهم بإنشاء قنوات تلفزيونية وعمل مشروعات خيرية واجتماعية، في حين منع جميع التيارات المدنية المعارضة من الحركة في الشارع ومن التواجد الإعلامي إلا بحساب، ومن خلال الصحف فقط لا غير، وإذا كان نظام مبارك قد حارب الجهاديين والإخوان، فهو لم يفعل ذلك كتعبير عن رغبته في التنوير، بل كتعبير عن خوفه من استيلائهم على السلطة، ولذلك لم يجد مشكلة في أن يتحالف مع كثير من السلفيين ليساعدوه في معركته مع معارضيه سواء كانوا من حملة الشعارات الإسلامية أم من حملة غيرها.

يمكن في نفس السياق أن تقرأ تاريخ مشروع (مكتبة الأسرة) الذي تذكره الكثيرون، بعد ما نشر مؤخراً من أخبار اتضح خطؤها عن وفاة السيدة سوزان مبارك، فانهال عليها الكثيرون شكراً وثناءً، واعتبروا المشروع واحداً من أهم عطاياها وأحسانات "حظرتها" على البلاد والعباد، متناسين أن المشروع ظهر إلى النور سنة 1992، ليس حباً في الثقافة والعلم، بل في محاولة لمواجهة صعود الجماعات الإسلامية المسلحة التي نجحت وقتها في عمل ضربات إرهابية متوالية في قلب العاصمة المصرية، نتج عنها قتل كثير من المدنيين على رأسهم الشهيدة الطفلة شيماء والشهيد الدكتور فرج فودة، ولكي يكتسب نظام مبارك شرعية التنوير في مواجهة الإظلام الزاحف، قام بإعلان مشروع قومي للتنوير، ضم عدة فعاليات ثقافية وفنية، من بينها مشروع لنشر الكتب تحت عنوان (المواجهة)، أشرف عليه الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة العامة للكتاب وقتها، وتبناه معه المفكر الدكتور جابر عصفور الذي أصبح بعد ذلك أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة، وقام وزير الثقافة فاروق حسني ابن الأجهزة السيادية منذ نعومة أظافره بتمرير المشروع بذكاء إلى قصر الرئاسة، ليصبح مشروعاً شخصياً لحرم الرئيس.
في ظل سياق هكذا اكتشفت السيدة الأولى أهمية الكتب والثقافة والقراءة بعد 11 سنة من حكمها لمصر، لتتم إعادة طباعة الكثير من الكتب المهمة، التي سبق أن أدخلت الدولة كتابها ومن تبنوا أفكارها السجون، ودمرت حياتهم وقطعت أرزاقهم، لكن تلك الكتب التي تتحدث عن الحرية والعقل والتنوير وتهاجم الاستبداد والتطرف، أصبحت مهمة "الآن وفجأة"، لأنها تحولت إلى سلاح سياسي يمكن أن يساعد النظام على جلب قروض ومعونات ومنح من البلاد المذعورة من صعود جماعات الإسلام السياسي، وبالطبع لم يقصر حملة تيارات الشعارات الإسلامية بغبائهم وانحطاطهم السياسي في تأكيد ذلك الذعر، وكان بعضهم يحظى برعاية الأجهزة الأمنية ليستخدمه في توجيه رسائل سياسية عند اللزوم، أما أغلبهم فلم يكن يحتاج إلى رعاية أو توجيه، لأنه كلما فتح فمه بكلمة جاء على حسه قرض أو معونة للنظام وأجهزته.
في ذلك الوقت كان هناك مثقف نبيل ومحترم اسمه الدكتور نصر حامد أبو زيد، دفع ثمناً كبيراً لانحطاط حملة تيارات الشعارات الإسلامية، الذين دمروا حياته واضطروه هو وزوجته وحبيبته الدكتورة ابتهال يونس للهجرة خارج مصر، لمجرد أنه كتب أبحاثاً علمية في مجال تخصصه، وبرغم كل ذلك، ولأنه كان رجلاً محترماً وباحثاً عن الحقيقة، فقد كتب مقالاً تاريخياً بعنوان (سقوط التنوير الحكومي)، نشره الروائي جمال الغيطاني في صحيفة (أخبار الأدب) في الفترة التي كان مختلفاً فيها مع وزير الثقافة، قام فيه بالتنبيه إلى خطورة الاعتقاد السائد بأن المشاريع التنويرية المصنوعة بالأمر المباشر يمكن أن تجدي في مواجهة التطرف، ورفض أن يقوم المثقفون بمساعدة النظام على تجميل وجهه القمعي الكاره للثقافة الحقيقية، وبسبب ما كتبه في مقاله تعرض للهجوم، وأذكر أن هناك من كتب مفسراً مقاله بأنه ينبع من مرارة يشعر بها تجاه البلد التي تخلت عنه، لكن الأيام أثبتت صحة وجهة نظره، واتضح أن مكافحة التطرف لا جدوى لها إذا لم تكن مرتبطة بحرية الفكر والعقيدة والإعلام والعمل السياسي الحر الذي لا يتم توجيهه بتليفونات ضباط الأمن.
تقتضي الأمانة هنا أن أتوجه بالتحية والتقدير إلى المثقفين الذين استطاعوا استغلال حاجة النظام إلى تصوير نفسه كراعٍ للفكر والثقافة، فقدموا خدمات جليلة لآلاف القراء المصريين باختيار وإتاحة مئات العناوين المهمة من الكتب لتتم قراءتها بأرخص الأسعار، وربما ساعدهم على ذلك أن الدولة لم تكن تراقب ما يتم طباعته ونشره من كتب، لأنها كانت تتعامل مع الثقافة والفكر والفنون والآداب بوصفها ميادين لا خطر منها، بعد أن دخل أغلب المثقفين المشاغبين في حظيرة النظام، طبقاً لتعبير فاروق حسني الشهير، ولذلك تركت لهم الدولة ساحة الفنون والآداب ليلعبوا فيها، مقابل ألا يقتربوا من سيطرتها السياسية ومصالحها الاقتصادية، وهو ما يعتقد نظام السيسي الآن أنه كان خطئاً استراتيجياً تسبب في إفساد عقول الشباب الذين شاركوا في ثورة يناير، ولذلك يحاول نظام السيسي استدراك هذا الخطأ بتأميم الثقافة والفنون والصحافة والآداب، مسنداً ما يرتبط بها من مناصب إلى أرخص وأحقر وأحط مخبريه وأضعفهم كفاءة، على عكس ما كان يحدث في عهد مبارك، حيث كان يتم اختيار كفاءات رفيعة لتولي تلك المناصب.
للأسف، لن تجد أحداً يقوم بالحديث عن هذا السياق، وهو يتذكر مشروع مكتبة الأسرة بالخير، كما لن تجد أحداً يتذكر نضال المرأة المصرية عبر السنين لاكتساب حقوقها، حين يقوم باختزال كل ما حصل من تطورات في شئون المرأة وينسبه إلى السيدة سوزان ومجلسها القومي، لأن المواطن المستكين للعبودية، أصبح يعتبر أن أداء الحاكم لدوره ولوظيفته هو منحة يستحق عليها التقدير، ولذلك فهو لا يعتبر أن حصوله على كتب رخيصة أو تطعيم أطفاله من الأمراض الخطيرة أو حماية حقوق زوجته وبناته، حقاً أًصيلاً من حقوقه، ليس مطالباً بأن يشكر عليه الرئيس وزوجته، بل عليه أن يسأل لماذا تأخر في الحصول على تلك الحقوق، ولماذا كان حصوله عليها يرتبط دائماً بالمنح والمعونات والقروض والسعي للمكانة الدولية، وعليه أيضاً أن يطالب بفتح ملفات مشروع مكتبة الأسرة فيسأل لماذا كانت تنشر فيه كتب لأسماء مثل إبراهيم سعدة وسمير رجب وإبراهيم نافع جنباً إلى جنب مع كتب طه حسين والجاحظ وديستويفسكي، ولماذا كان هؤلاء ومن هو أدنى وأتفه منهم يحصلون على مبالغ مالية كبيرة مكافأة على كتبهم المنحطة، وأعتقد أنه حين تُفتح ملفات ذلك المشروع، ويعرف الناس سلبياته ونهبياته وشللياته وتربيطاته، سيمكن لهم أن يقيموه بالشكل المناسب، وسيعرفون كم ارتكبت الكثير من الجرائم في حق الشعب باسم الثقافة والتنوير، ولذلك لم تتم محاصرة التطرف ولم تفرق الكتب المدعمة مع عموم الشعب، ولم يحصل التنوير الحقيقي، ولم ننتقل إلا من سيئ لأسوأ.
والله أعلم.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: بلال فضل مدونة الكشكول أضغاث أفكار الاستعباد السياسي العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 22 يناير 2020 | إلى الذين لا تفرق معهم دماء الشهداء ولا تضحيات الجرحى، بقدر ماتفرق معهم مصالحهم الشخصية المشروعة، إلى الذين لازالوا يسألون لماذا قامت ثورة يناير، ولازالوا يعتقدون أن حسني مبارك خدم مصر وحقق لها الأمن والإستقرار، أهديهم هذه الأرقام..
    • مشاركة
  • 21 يناير 2020 | في مقال بمجلة (ذي أتلانتيك) الأميركية، تحدثت الكاتبة والمؤرخة آن أبليبوم عن ظاهرة جديدة تشهدها أميركا، هي ظاهرة الولع المتنامي بروسيا في صفوف المحافظين واليمينيين، الذين برغم "وطنجيتهم" الشديدة، إن صحّ التعبير، يزدرون أميركا بسبب ما تشهده من تعددية ثقافية.
    • مشاركة
  • 20 يناير 2020 | حين قام السيد الحراني بسؤال ماجدة الصباحي عن سر تأخر زواجها حتى بلغت سن الخامسة والعشرين مما أدى إلى إطلاق شائعات عن كونها سحاقية، قالت له إنها لم تهتم بالرد على تلك الشائعة..
    • مشاركة
  • 19 يناير 2020 | هل كان نجيب محفوظ حريصاً على سمعة ماجدة الصباحي وعلى رأي الجمهور في صورتها السينمائية، أم أنه كان حريصاً على أن ينقذ روايته منها؟
    • مشاركة

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة

خواطر عن الاستعباد السياسي وآثاره المستمرة!

8 ديسمبر 2019

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة
لم يعد غريباً أن تجد هذه الأيام من يشكر حسني مبارك لأنه قام بتطوير شبكة التليفونات أو إدخال الإنترنت إلى مصر، أو من يشكر سوزان مبارك لأنها تبنّت مشروع مكتبة الأسرة أو ساهمت في إدخال تعديلات على قوانين الأحوال الشخصية، أو من يشكر أنور السادات لأنه قام بعمل معاش باسمه استفاد منه ملايين الفقراء، أو من يشكر جمال عبد الناصر لأنه بنى أول مدرسة وأول وحدة صحية في قريته، فعقود الاستعباد السياسي وتأميم الشعب التي سحقت الإحساس بالمواطنة في نفوس المصريين، خلفت تأثيراً متغلغلاً في العقول والقلوب، هو ذاته الذي ينتج عنه الآن ما نراه من شكر الكثيرين لعبد الفتاح السيسي على أي نفق أو كوبري يقوم بافتتاحه، واعتباره إنجازاً يستحق الاحتفاء والتقدير. 

هذا الاستعباد السياسي جعل المواطن ينسى وهو يشكر حاكمه على ما يفتتحه من مشاريع ومنشآت، أن تلك المشاريع والمنشآت صنعت من قوت الشعب الذي تؤخذ منه الضرائب والرسوم والدمغات، وأنه بسبب ضياع حقه في الرقابة والمحاسبة، لم يعد يدري ما الذي تم إنفاقه على تلك المشاريع والمنشآت بالفعل، وهل قام الحاكم بخنصرة ما جاء من الخارج من معونات ومنح وقروض على حس تلك المشاريع والمنشآت؟ وهل من يحكمه الآن ينتمي إلى مدرسة عبد الناصر التي تتعفف عن الفساد المالي وتكتفي بممارسة الفساد السياسي الذي يمنح السلطة للمحاسيب وأعوانهم كآلية لازمة لاستقرار مقاليد الأمور في يد الحاكم؟ أم إلى مدرسة أنور السادات التي لا ترى حرجاً في الحصول على استثناءات يتم منحها للأقارب والأهل الذين هم أولى بالمعروف، مقابل أن يقوم هؤلاء الأقارب والأهل بخدمة مجتمعاتهم المحلية التي قام الحاكم بائتمانهم عليها؟ أم إلى مدرسة حسني مبارك التي تؤمن بجميع أنواع الفساد وتوزع ما يتم نهبه بالعدل والقسطاس على بنوك سويسرا وجزر الكايمان وجميع الملاذات الضريبية، حتى أن سويسرا تتحايل على المصريين منذ سنوات أن يثبتوا حقهم القانوني في أموال عائلة مبارك، ليتمكنوا من استردادها، ولا حياة لمن تنادي؟


بعيداً عن عبد الناصر والسادات، الذين يعتبر الكثيرون حكمهما شيئاً ينتمي إلى الماضي السحيق، هناك قطاع لا يستهان به من المواطنين المصريين يعبرون عن مشاعر الحنين إلى عهد حسني مبارك، مع أنهم يقرون بحقيقة نهب مبارك للبلاد وبفساد عائلته، لكنهم يعبرون عن حنينهم إلى عهده، لأنهم يحنون إلى الاستعباد الناعم الفازليني، بعد أن ذاقوا الأمرين من استعباد الكرباج الخشن الذي يعيشون تحت وطأته في عهد السيسي، ولذلك فهم يعبرون عن حنينهم لعهد مبارك من باب "اذكروا محاسن مستعبديكم الكيوت"، حتى لو كان هؤلاء المستعبدون الكيوت قد قتلوا من قتلوه، ودمروا البلد ونهبوها وفقدوا أمَلَها، وللأسف ستجد من هؤلاء من يثني على علاء وجمال نجلي مبارك، لأنه قابلهم في عزاء فابتسموا في وجهه، أو لأنهم سمحوا له بأن يلتقط سيلفي معهم في مدرجات ستاد كرة، مع أنه لو كان قد حاول الاقتراب من موكبهم أيام وجودهم في الحكم لتمت غربلته بالرصاص أو لتعرض للاعتقال حتى يبان له أصحاب.

في حالات كهذه أتذكر دائماً الشاعر العربي الذي قال: "وما سُمّي الإنسان إلا لنسيه"، وأعتبر ما قاله تخريجة لطيفة لمشكلة ضعف الذاكرة المرتبطة بالإنسان، والتي تتفاقم آثارها في ظل الأنظمة الاستبدادية، حيث تستفيد الدولة من ضعف ذاكرة مواطنيها، بل وتستثمر فيه لتبقى روايتها الرسمية وحدها السائدة، وهو ما لخصه أستاذنا نجيب محفوظ في عبارته الخالدة "ولكن آفة حارتنا النسيان"، بالطبع يتعامل الإنسان في حياته الشخصية مع النسيان بوصفه نعمة، لأنه يساعده على إعادة كتابة ماضيه وتجاوز مراراته، لكن النسيان الجماعي يصبح نقمة أفدح ولعنة أضلّ، لأنه يجعل المجتمع ذاهلاً عن ماضيه وواقعه، ولذلك يتفاجأ ويندهش حين تصيبه كارثة، حتى لو كانت قد حصلت بدل المرة عشرين مرة، ويستريح دائماً لتفسير تلك الكارثة على أنها مؤامرة دبرها الحاقدون على البلد العظيمة الشامخة المقدسة المذكورة في القرآن والإنجيل، وهو ما يجعل كثيراً من المصريين ينسون أن ما يعيشونه من معاناة في عهد السيسي، مرتبط بما عاشوه في عهد مبارك ومن قبله، من نهب وتجريف وفساد وقمع، لأن المصائب لا تنزل على الناس فجأة من السماء ولا تنبت "شيطاني" من الأرض.
منذ أسابيع قرأت تدوينة لشاب ثوري يتوجه فيه بالشكر لحسني مبارك لأنه قام بدعم انتشار الإنترنت في كافة أنحاء مصر، فساهم بذلك في تخفيف حدة التطرف والإرهاب، متناسياً أن مبارك لم يقم بدعم انتشار الإنترنت بمزاجه، ولكن لأنه ارتضى أن تدخل مصر في مشروع اقتصاد رأسمالي مرتبط بالعالم، ليكون له قبول دولي يساعده على إرضاء الجهات المانحة، ولكي يتمتع بفرص أكبر من النهب، ولا أظنه كان سيفعل لو أدرك أن الثورة عليه ستقوم من الإنترنت، إذ لربما اتبع حينها النهج الصيني في التعامل مع الإنترنت، وهو ما يقوم نظام السيسي بفعله الآن، كما أنني لا أدري من أين أتت حكاية أن مبارك كان يستخدم الإنترنت في مكافحة التطرف والإرهاب، لأن نظام مبارك هو الذي قرر أن يمضي إلى أبعد مدى بسياسة التحالف مع الجماعات الإسلامية التي سبق أن ابتدعها السادات في بدايات حكمه ليقوم بضرب الحركات اليسارية والناصريين.

بفضل الصفقات التي عقدتها أجهزة الأمن مع قطاعات من السلفيين، سمح نظام مبارك لهم بأن يرتعوا في البلاد، وسمح لهم بإنشاء قنوات تلفزيونية وعمل مشروعات خيرية واجتماعية، في حين منع جميع التيارات المدنية المعارضة من الحركة في الشارع ومن التواجد الإعلامي إلا بحساب، ومن خلال الصحف فقط لا غير، وإذا كان نظام مبارك قد حارب الجهاديين والإخوان، فهو لم يفعل ذلك كتعبير عن رغبته في التنوير، بل كتعبير عن خوفه من استيلائهم على السلطة، ولذلك لم يجد مشكلة في أن يتحالف مع كثير من السلفيين ليساعدوه في معركته مع معارضيه سواء كانوا من حملة الشعارات الإسلامية أم من حملة غيرها.

يمكن في نفس السياق أن تقرأ تاريخ مشروع (مكتبة الأسرة) الذي تذكره الكثيرون، بعد ما نشر مؤخراً من أخبار اتضح خطؤها عن وفاة السيدة سوزان مبارك، فانهال عليها الكثيرون شكراً وثناءً، واعتبروا المشروع واحداً من أهم عطاياها وأحسانات "حظرتها" على البلاد والعباد، متناسين أن المشروع ظهر إلى النور سنة 1992، ليس حباً في الثقافة والعلم، بل في محاولة لمواجهة صعود الجماعات الإسلامية المسلحة التي نجحت وقتها في عمل ضربات إرهابية متوالية في قلب العاصمة المصرية، نتج عنها قتل كثير من المدنيين على رأسهم الشهيدة الطفلة شيماء والشهيد الدكتور فرج فودة، ولكي يكتسب نظام مبارك شرعية التنوير في مواجهة الإظلام الزاحف، قام بإعلان مشروع قومي للتنوير، ضم عدة فعاليات ثقافية وفنية، من بينها مشروع لنشر الكتب تحت عنوان (المواجهة)، أشرف عليه الدكتور سمير سرحان رئيس الهيئة العامة للكتاب وقتها، وتبناه معه المفكر الدكتور جابر عصفور الذي أصبح بعد ذلك أميناً عاماً للمجلس الأعلى للثقافة، وقام وزير الثقافة فاروق حسني ابن الأجهزة السيادية منذ نعومة أظافره بتمرير المشروع بذكاء إلى قصر الرئاسة، ليصبح مشروعاً شخصياً لحرم الرئيس.
في ظل سياق هكذا اكتشفت السيدة الأولى أهمية الكتب والثقافة والقراءة بعد 11 سنة من حكمها لمصر، لتتم إعادة طباعة الكثير من الكتب المهمة، التي سبق أن أدخلت الدولة كتابها ومن تبنوا أفكارها السجون، ودمرت حياتهم وقطعت أرزاقهم، لكن تلك الكتب التي تتحدث عن الحرية والعقل والتنوير وتهاجم الاستبداد والتطرف، أصبحت مهمة "الآن وفجأة"، لأنها تحولت إلى سلاح سياسي يمكن أن يساعد النظام على جلب قروض ومعونات ومنح من البلاد المذعورة من صعود جماعات الإسلام السياسي، وبالطبع لم يقصر حملة تيارات الشعارات الإسلامية بغبائهم وانحطاطهم السياسي في تأكيد ذلك الذعر، وكان بعضهم يحظى برعاية الأجهزة الأمنية ليستخدمه في توجيه رسائل سياسية عند اللزوم، أما أغلبهم فلم يكن يحتاج إلى رعاية أو توجيه، لأنه كلما فتح فمه بكلمة جاء على حسه قرض أو معونة للنظام وأجهزته.
في ذلك الوقت كان هناك مثقف نبيل ومحترم اسمه الدكتور نصر حامد أبو زيد، دفع ثمناً كبيراً لانحطاط حملة تيارات الشعارات الإسلامية، الذين دمروا حياته واضطروه هو وزوجته وحبيبته الدكتورة ابتهال يونس للهجرة خارج مصر، لمجرد أنه كتب أبحاثاً علمية في مجال تخصصه، وبرغم كل ذلك، ولأنه كان رجلاً محترماً وباحثاً عن الحقيقة، فقد كتب مقالاً تاريخياً بعنوان (سقوط التنوير الحكومي)، نشره الروائي جمال الغيطاني في صحيفة (أخبار الأدب) في الفترة التي كان مختلفاً فيها مع وزير الثقافة، قام فيه بالتنبيه إلى خطورة الاعتقاد السائد بأن المشاريع التنويرية المصنوعة بالأمر المباشر يمكن أن تجدي في مواجهة التطرف، ورفض أن يقوم المثقفون بمساعدة النظام على تجميل وجهه القمعي الكاره للثقافة الحقيقية، وبسبب ما كتبه في مقاله تعرض للهجوم، وأذكر أن هناك من كتب مفسراً مقاله بأنه ينبع من مرارة يشعر بها تجاه البلد التي تخلت عنه، لكن الأيام أثبتت صحة وجهة نظره، واتضح أن مكافحة التطرف لا جدوى لها إذا لم تكن مرتبطة بحرية الفكر والعقيدة والإعلام والعمل السياسي الحر الذي لا يتم توجيهه بتليفونات ضباط الأمن.
تقتضي الأمانة هنا أن أتوجه بالتحية والتقدير إلى المثقفين الذين استطاعوا استغلال حاجة النظام إلى تصوير نفسه كراعٍ للفكر والثقافة، فقدموا خدمات جليلة لآلاف القراء المصريين باختيار وإتاحة مئات العناوين المهمة من الكتب لتتم قراءتها بأرخص الأسعار، وربما ساعدهم على ذلك أن الدولة لم تكن تراقب ما يتم طباعته ونشره من كتب، لأنها كانت تتعامل مع الثقافة والفكر والفنون والآداب بوصفها ميادين لا خطر منها، بعد أن دخل أغلب المثقفين المشاغبين في حظيرة النظام، طبقاً لتعبير فاروق حسني الشهير، ولذلك تركت لهم الدولة ساحة الفنون والآداب ليلعبوا فيها، مقابل ألا يقتربوا من سيطرتها السياسية ومصالحها الاقتصادية، وهو ما يعتقد نظام السيسي الآن أنه كان خطئاً استراتيجياً تسبب في إفساد عقول الشباب الذين شاركوا في ثورة يناير، ولذلك يحاول نظام السيسي استدراك هذا الخطأ بتأميم الثقافة والفنون والصحافة والآداب، مسنداً ما يرتبط بها من مناصب إلى أرخص وأحقر وأحط مخبريه وأضعفهم كفاءة، على عكس ما كان يحدث في عهد مبارك، حيث كان يتم اختيار كفاءات رفيعة لتولي تلك المناصب.
للأسف، لن تجد أحداً يقوم بالحديث عن هذا السياق، وهو يتذكر مشروع مكتبة الأسرة بالخير، كما لن تجد أحداً يتذكر نضال المرأة المصرية عبر السنين لاكتساب حقوقها، حين يقوم باختزال كل ما حصل من تطورات في شئون المرأة وينسبه إلى السيدة سوزان ومجلسها القومي، لأن المواطن المستكين للعبودية، أصبح يعتبر أن أداء الحاكم لدوره ولوظيفته هو منحة يستحق عليها التقدير، ولذلك فهو لا يعتبر أن حصوله على كتب رخيصة أو تطعيم أطفاله من الأمراض الخطيرة أو حماية حقوق زوجته وبناته، حقاً أًصيلاً من حقوقه، ليس مطالباً بأن يشكر عليه الرئيس وزوجته، بل عليه أن يسأل لماذا تأخر في الحصول على تلك الحقوق، ولماذا كان حصوله عليها يرتبط دائماً بالمنح والمعونات والقروض والسعي للمكانة الدولية، وعليه أيضاً أن يطالب بفتح ملفات مشروع مكتبة الأسرة فيسأل لماذا كانت تنشر فيه كتب لأسماء مثل إبراهيم سعدة وسمير رجب وإبراهيم نافع جنباً إلى جنب مع كتب طه حسين والجاحظ وديستويفسكي، ولماذا كان هؤلاء ومن هو أدنى وأتفه منهم يحصلون على مبالغ مالية كبيرة مكافأة على كتبهم المنحطة، وأعتقد أنه حين تُفتح ملفات ذلك المشروع، ويعرف الناس سلبياته ونهبياته وشللياته وتربيطاته، سيمكن لهم أن يقيموه بالشكل المناسب، وسيعرفون كم ارتكبت الكثير من الجرائم في حق الشعب باسم الثقافة والتنوير، ولذلك لم تتم محاصرة التطرف ولم تفرق الكتب المدعمة مع عموم الشعب، ولم يحصل التنوير الحقيقي، ولم ننتقل إلا من سيئ لأسوأ.
والله أعلم.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: بلال فضل مدونة الكشكول أضغاث أفكار الاستعباد السياسي العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 22 يناير 2020 | إلى الذين لا تفرق معهم دماء الشهداء ولا تضحيات الجرحى، بقدر ماتفرق معهم مصالحهم الشخصية المشروعة، إلى الذين لازالوا يسألون لماذا قامت ثورة يناير، ولازالوا يعتقدون أن حسني مبارك خدم مصر وحقق لها الأمن والإستقرار، أهديهم هذه الأرقام..
    • مشاركة
  • 21 يناير 2020 | في مقال بمجلة (ذي أتلانتيك) الأميركية، تحدثت الكاتبة والمؤرخة آن أبليبوم عن ظاهرة جديدة تشهدها أميركا، هي ظاهرة الولع المتنامي بروسيا في صفوف المحافظين واليمينيين، الذين برغم "وطنجيتهم" الشديدة، إن صحّ التعبير، يزدرون أميركا بسبب ما تشهده من تعددية ثقافية.
    • مشاركة
  • 20 يناير 2020 | حين قام السيد الحراني بسؤال ماجدة الصباحي عن سر تأخر زواجها حتى بلغت سن الخامسة والعشرين مما أدى إلى إطلاق شائعات عن كونها سحاقية، قالت له إنها لم تهتم بالرد على تلك الشائعة..
    • مشاركة
  • 19 يناير 2020 | هل كان نجيب محفوظ حريصاً على سمعة ماجدة الصباحي وعلى رأي الجمهور في صورتها السينمائية، أم أنه كان حريصاً على أن ينقذ روايته منها؟
    • مشاركة

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة