alaraby-search
الخميس 28/11/2019 م (آخر تحديث) الساعة 00:05 بتوقيت القدس 22:05 (غرينتش)
الطقس
errors

ما بعد سقوط الكومبين (6)

28 نوفمبر 2019

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة
لا أظنك ستندهش لو قلت لك إن كمال باشا لم يتكرم علينا بالحضور إلى غرفة السطوح في الموعد المرتقب، ولم يعبّرنا بالجزمة القديمة طيلة الأشهر التي أقمنا فيها رغماً عنا مرميين في السطوح، ولا أظنك ستلومنا لو عرفت أننا لم نقم بأي خطوات تصعيدية ضده أو ضد أسرة زوجته، لسبب بسيط هو أنه أرسل إلينا على الفور رسالة بسيطة وعميقة المغزى، حين نزلنا بعد ساعات من انتظار تشريفه عبثاً، لنطرق باب شقتنا السليبة، ونبلغ من فيها احتجاجنا على تجاهله لقاءنا، ففتحت لنا حماته بنظرات متجهمة، وردت علينا بصوت اختفت منه كل نبرات الحنان المعهودة، وقالت لنا إنها أبلغته رسالتنا، لكن ظروفه لم تسمح له بالمجيئ، وأن علينا من هنا ورايح ألا نتواصل معه عبرها أو عبر بناتها، وإذا أردنا أن نبلغه رسالة فإن علينا أن نقوم بإيصالها إلى والده، الذي سينتظرنا في شقته التي ستكتب لنا عنوانها، والحاج أبو كمال باشا ـ كما أطلقت عليه ـ هو الذي سيرد على رسالتنا إن كان لديه رد.

كنت بالطبع قد حكيت لمؤمن ما أخبرني به محمود الصعيدي عن تاريخ والد كمال باشا في إثارة القلق في المنطقة، وهو تاريخ كان الباشا الصغير يدرك بالتأكيد أنه سيبلغ مسامعنا، ولو في صورة طراطيش كلام، وأن ما سنسمعه سيكون كافياً لردعنا عن التفكير في الذهاب إلى أبيه في أي وقت، لكنه ـ وفيه الخير والله ـ حرص في الوقت نفسه على أن ينقل إلينا عبر حماته رسالة أرق في مضمونها وليس في الصوت الذي حملها، أكّد فيها أنه ينوي الالتزام بوعده لنا بقدر ما تسمح به الظروف، وأنه سيفعل كل ما عليه لحسم مسألة الحصول على شقة بديلة لأسرة زوجته، وأن علينا أن ندعو الله له بالتوفيق لكي يتحقق مسعاه في أقرب وقت، خاتماً رسالته بالتأكيد على أنه أبلغ الحاجة أم عادل استعداده الكامل لتحمل أي تكاليف يتطلبها تحسين إقامتنا في غرفة السطوح، ولكي لا نظن أنه يقول أي كلام، فعلينا أن نصعد إلى شقة الحاجّة أم عادل الآن، لنتأكد منها أنه الذي دفع تكاليف تركيب المشمّع البلاستيكي، والذي تم تركيبه بالفعل صباح اليوم كعربون على حسن نيته وتقديره لتضحيتنا التي يرجو ألا نسخّف منها بحركات ليس لها أي لازمة.

فور أن انتهت مراسيم إبلاغنا برسالة الباشا، لم أختر الصعود مع مؤمن إلى السطوح مكبوساً محسوراً، بل قررت أن أضايق حماة الباشا بعض الشيئ، بعد أن شكرتها على إبلاغ الرسالة بكل أمانة، حيث طلبت منها الدخول إلى غرفتي لاختيار بعض الكتب، طالما أن موضوع البقاء في غرفة السطوح سيطول أكثر مما كنا نتوقع، مذكراً إياها بأن هذا ما سبق أن اتفقنا عليه مع الباشا الذي نتوقع منه أن يحترم كلمته، فهزت رأسها محرجة، ثم طلبت مني أن أمهلها دقائق، لتطلب من ابنتيها إخلاء غرفتي التي تم اختيارها لكي تكون مستقراً لهما، ربما لأنها أوسع، أو لأنها تمتلك بالإضافة إلى البلكونة، شباكاً يطل على الشارع المجاور، مما يجعل إضاءتها أفضل، فضلا عن أن هواءها المنبعث من الشباك إلى البلكونة والعكس فعلاً يرد الروح.


فور أن أغلقت حماة الباشا الباب في وجهي، طرقت باب محمود الصعيدي، لأطلب منه أن يساعدني في نقل بعض كتبي إلى غرفة السطوح، فوافق على مساعدتي دون تردد، لأفاجأ بأخته رانيا وهي تطل بوجهها المبتسم من خلفه لتلقي علي التحية، وتسألني ما إذا كنت أرغب في مساعدتها هي أيضاً، وكانت تلك أول مرة يدور بيني وبينها حوار مباشر.

زغدها محمود طالباً منها أن تدخل لاستكمال مذاكرتها، لأننا مستغنيان عن خدماتها، لكنها ردت له الزغدة، ثم قالت لي إن محمود حكى لها عن سهرتنا الطويلة بالأمس، وأن لديها عشرات الأسئلة لي أغلبها عن كلية الإعلام التي تحلم بدخولها، خاصة أنها ليست مستعدة للتنازل عن حلمها مثل محمود، ولذلك تدعوني للإجابة على أسئلتها وأنا أتناول العشاء معهما، بعد أن أنتهي أنا ومحمود من حمل الكتب إلى السطوح، وقبل أن أعتذر أو أرد، فتحت حماة الباشا الباب لتطلب مني الدخول لأخذ كتبي، فانسحبت رانيا إلى داخل شقتها، بعد أن صوّبت إليها نظرات عدائية طويلة، قالت فيما بعد إنها كانت بهدف التضامن معي، لأن الله لا يرضى بالظلم.

أكذب طبعاً لو قلت لك إنني كنت قد أقمت في غرفتي تلك فترة طويلة تكفي لتربية صلة عاطفية بها، لكن تفاصيل غرفة السطوح الشنيعة كانت كافية لخلق ذلك الحنين، الذي جعلني أحبس دموعي بصعوبة حين دخلت إلى الغرفة، خصوصاً أن زوجة الضابط وأختها كانا قد أضفيا عليها لمسات أنثوية جعلتها ألطف وأنظف مما تركتها عليها، لكن لمسة بالتحديد من تلك اللمسات قبضت قلبي، وجعلتني أدرك أن احتلال الشقة سيكون لمدة أطول بكثير مما نخشى ومما يعد كمال باشا، أتحدث عن "بوسترات" عمرو دياب ومحمد فؤاد وإيهاب توفيق ومصطفى قمر وحميد الشاعري المنزوعة من قلب مجلة (الشباب)، والتي تم لزقها في مواضع متفرقة من جدران الغرفة، كعلامات لم يزعجني أنها تشير إلى الانحيازات الغنائية التي لم أكن أشترك معهما فيها، لأنني كنت من مريدي محمد منير وعلي الحجار ومدحت صالح، بقدر ما أزعجني أنها كانت تشير إلى الرغبة في طول المكوث في المكان، لأنك لن تجد عابراً يلصق صور مطربيه المفضلين على حائط غرفة لن يُعشّش فيها أطول فترة ممكنة.

نزلت تلك البوسترات على قلبي كصفعات، بل قل كمرزبّات، حتى غامت الرؤية في عينيّ، فأخذت أراكم الكتب بين ذراعي كيفما اتفق، ثم أذهب إلى باب الشقة لأناولها لمحمود، الذي أدرك من أول نظرة أن شيئاً ما بي، فحاول أن يسألني عن الوضع، لكنني هززت رأسي مهوناً من الأمر، ثم عدت لأخذ نقلة ثانية من الكتب، وحينها راودني خاطر جنوني أن أنقض على تلك البوسترات اللعينة فأمزقها، وأظنني كنت سأفعل، لو لم يأتني من الخلف صوت أخت زوجة الباشا مرحباً ثم متحنجلاً، وهي تثني على ذائقتي الرفيعة في اختيار الكتب، ثم تطمئنني ممازحة أنها لم تطاوع رغبتها في تصفح العديد من الكتب التي جذبتها عناوينها، لأنها كان لا بد أن تستأذنني قبل أن تفعل ذلك.

لم أجد ما أرد به عليها، فدفنت وجهي المكفهرّ في الكتب المتراصة، وأنا أقاوم رغبة عارمة في اختيار أضخمها حجماً وأصلبها كعباً لكي أنهال به على رأسها، وحين تأخر جوابي الذي كانت بالتأكيد تتوقع أن يجيئ مرحباً بتصفح ما تريده، تدخلت أمها لتقول لها إن عليها أن تحترم رغبتي في عدم مس الكتب، لأن "الجماعة المثقفين ما بيحبوش حد يلمس كتبهم غيرهم"، فاضطررت للرد من تحت ضرسي، لأدعوها إلى أن تتصفح ما تشاء من الكتب، ثم أسارع بمغادرة الغرفة دون أن تقع عيني على البوسترات اللعينة، لكي لا تتجدد برؤيتها أحزاني ومخاوفي.


لم يكن السلم الضيق مناسباً لكي أحكي لمحمود عن موضوع البوسترات ودلالاته، لكنه كان قد استمع إلى ما دار من حوار حول استعارة الكتب، فلامني لأنني لم أعلن رفضي لمس كتبي بأي شكل من الأشكال، لأن ذلك كان سيوصل إلى محتلّي الشقة غضبي واحتقاري لهم، ولأن طاقتي كانت مستنفدة بالكامل في التقاط الأنفاس اللازمة لصعود السلم، لم أرد عليه واكتفيت بلوي شفتي وهز كتفي تعبيراً عن غضبي من الدنيا واحتقاري للحياة كلها، فباغتني بسؤال لم أتوقعه: "هي صحيح اسمها إيه الخرية دي وبتدرس في كلية إيه؟"، ليكشف لي السؤال الغريب أن محمود يمتلك بالفعل عقل محامٍ مولع بالتفاصيل، وأنني لم أفكر أنا أو مؤمن في السؤال عن أي تفاصيل تخص أسرة حماة الباشا الذي لم نكن حين انتقلنا إلى السطوح، نعرف عنه شيئاً غير اسمه الأول، فاضطررت إلى أن أمنع نفسي من الشخط في محمود الذي ترك مشاغله لمساعدتي، لأقول له ضاحكاً "وهوّ اسمها وكليتها هيفرقوا يعني.. ما اتفشخنا واللي كان كان".

وصلت أنا ومحمود إلى السطوح لاهثين بما نحمله من كتب، لم أخبر محمود أنني لم أركز في اختيارها، ولا زلت لا أدري هل أحتاج إليها فعلاً، أم أن غيرها كان أولى بمعاناة الشيل، وحين دخلنا غرفة السطوح وجدناها ممتلئة بثلاثة أشخاص اتضح أنهم جيران يسكنون الغرفة المجاورة، أصبحوا بسرعة أصدقاء كسبهم مؤمن في نفس الوقت الذي كنت أكتسب فيه صداقة محمود بالأمس. كان يفترض أن يشاركنا محمود في دور الشاي الذي كان مؤمن قد انتهى من عمله وبدأ في صبه، لكن جلافة أحد الحاضرين دفعته إلى مغادرة المكان غاضباً، كان مؤمن قد بدأ بتعريفنا على الجالسين: "عبد الحميد الأسواني ـ حسن الأسواني ـ عبد الرحيم الأسواني"، لم يتوقف أيّهم عند اسمي حين نطق به مؤمن، لكن أحدهم وبالتحديد المدعو حسن توقف عند اسم "الصعيدي" الذي أعقب اسم محمود، فقال ساخراً: "أول مرة أشوف صعيدي ملظلظ وحليوة وأبيضاني وخدوده حمرا"، ليعقبه عبد الرحيم الجالس إلى جواره بتفصيلة أكثر تحديداً: "ومش بس خدوده.. ده شفايفه كمان حمرا".

امتقع وجه محمود وهربت الدموية من وجهه فور أن سمع ما قالاه، واندفع نحو باب الغرفة، فأمسك به مؤمن بقوة ليمنعه من الخروج وهو غاضب، فاضطررت إلى محاولة دفع مؤمن لإفلاته، بينما أشاح محمود بوجهه وقد بدا أنه يحاول مسك دموعه بالعافية، فهمت غضب محمود مما قيل، لأنه كان قد حكى لي بالأمس، كيف وقع الكثير في المتاعب، لأنه ورث من أمه رحمها الله ملامحها الجميلة وامتلاءها، تماماً مثلما يضايق أخته رانيا أنها ورثت من أبيه ملامحه الرجولية ونحافته الشديدة، وإن كانت قد ورثت من أمها بياضها أيضاً، ولعلك تدرك كم تثير مفارقة مثل هذا شهية الأقربين والأبعدين للتعليقات الساخرة والجارحة.

كنت قد استهنت بما حكاه لي محمود بعد تردد، قائلاً له إن كثيرين غيره يتمنون أن تكون لديهم ملامح حسين فهمي وأخيه مصطفى، ليوقعوا بها الفتيات في غرامهم، لكنه رد قائلاً إن من السهل علي أن أقول ذلك، لأنني لست الذي أتعرض للمضايقات طول الوقت من زملائه في المدرسة وأقرانه في الشارع، وأنه لم يعد يذكر عدد المرات التي خاض فيها خناقات أدت لكسر نضّارته وتمزيق ملابسه، لأسباب فشل في فهمها، لكنه فوّض أمره لله، وظل يخوض الخناقة تلو الأخرى، وهو ينتظر بفارغ الصبر مجيئ الجامعة التي توقع أنه لن يضطر فيها لدخول خناقات منحطة مثل هذه، وهو ما حدث بالفعل بعد طول صبر وألم.


كان رد فعل محمود المفاجئ على ما قيل، قد أربك جيراننا الثلاثة، فأخذوا يكررون اعتذارهم لمحمود على هزارهم الثقيل، مستدركين بأنه في النهاية "هزار صعايدة وانت صعيدي وعارف"، ولم يكن الوقت مناسباً لإخبارهم بأن محمود لم تكن له أي علاقة بالصعيد سوى لقب أسرته التي لا تعود جذورها إلى الصعيد أيضاً، وأن أقدم جد له من أبناء مدينة ميت غمر، التي ينسبها بعض أهلها إلى الشرقية، وتنسبها الحكومة إلى الدقهلية، وأنه بسبب اضطراره إلى تسميع هذه القصة الطويلة، كلما سأله أحدهم من أيّ أنحاء الصعيد هو، لم يعد يذكر لقبه حين يعرف بنفسه، لكن مؤمن هو الذي قام بتعريفه هذه المرة، ففتح عليه هذه الفاتوحة، التي لم يكن لها لازمة، والتي انتهت بإصرار عبد الحميد على أن يقوم شقيقه الأصغر حسن بتقبيل رأس محمود اعتذاراً له، ليتطلب الأمر اشتراكي في تكتيف محمود مع مؤمن، لينتهي حسن من تقبيل رأسه ونخلص، وقد كان عبد الحميد موفقاً لأنه لم يطلب من عبد الرحيم هو الآخر تقبيل رأس محمود، لأن ملامحه شديدة الحدة والعدوانية تضافرت مع التعليق البضين الذي أدلى به حول لون شفاه محمود، فأعطت انطباعاً أنه لو وجد طريقاً إلى رأس محمود، لن يفوت فرصة تقبيله من "بُقّه"، لنخوض خناقة حامية ربما انتهت بسقوط أحدنا مرمياً من فوق ذلك السطوح الذي لا سور له.

بذل محمود جهداً جلياً في التماسك لإنهاء الموقف البايخ، وأصر على مصافحة الجميع ليثبت عدم تأثره بالموقف، واعتذر عن عدم شرب الشاي لأنه ذاهب ليقضي بعض طلبات البيت، ولم يكن غريباً أن يصر مؤمن الذي يتصرف دائماً كشيخ حارة على توديعه معي حتى باب السلم، وهو ما لم يعط محمود فرصة للشكوى مما حدث، فأدركت أنه قرر تأجيل شكواه، حتى نلتقي على العشاء الذي أصر على تذكيري به، وحين عدنا إلى الغرفة أخذ مؤمن يحدث الجالسين فيها عن جدعنة محمود ورجولته وذوقه، وكأنه يعرفه من سنين، قبل أن ينقل عطاء ثرثرته على شخصي، فيحدثهم عن صداقتنا القديمة والمتينة التي جعلته يشعر أنني ابن خاله فعلاً، بل إنه أصبح يحبني أكثر من جميع أبناء أخواله وعماته، خصوصاً بعد أن عَلَوت في نظره، حين أصررت على أن أترك كتبي التي لا أستغني عنها في دراستي، لكي أسارع بترك الشقة لتلك الأسرة المسكينة التي جار عليها الزلزال، وشخطت فيه بعلو صوتي حين وجدته متردداً بعض الشيئ في هجر الشقة المريحة واستبدالها بغرفة السطوح، وبالطبع لم أعلق على تنبيطه علي بما كان يختلقه، بأكثر من ابتسامة بالغت في توسيعها لتخفي غيظي منه ومن ضيوفه الثقال.

لم يكن انتماء جيراننا الثلاثة إلى أسوان باللقب فقط، بل كانوا فعلاً من إحدى القرى القريبة من مدينة أسوان، أخوان وابن عم، كان عبد الحميد أكبرهم سناً يعمل في وظيفة إدارية في مصنع الشركة الشرقية للدخان الذي لم يكن بعيداً عنا، وأخوه حسن يعمل فني صيانة ماكينات في نفس المصنع، وأحياناً يشترك مع قريب لهم في قيادة ميكروباص على خط الجيزة ـ المنيب، أما ابن عمهما عبد الرحيم أو "العِفِش" كما كانوا يطلقون عليه مداعبة وتحبباً، فقد كان حديث القدوم من أسوان، ولذلك لم يكن قد حصل على وظيفة ملائمة بعد، لكنه لم يشأ أن ينجس يديه بالبطالة، فبدأ العمل في الفاعل.

كعربون لتأكيد المودة بيننا كجيران، عرض عبد الحميد بالنيابة عن عبد الرحيم "العِفِش"، القيام بحل مشكلة سقف الغرفة، لاستبدال سقفها البلاستيكي بآخر خشبي، متنازلاً عن أجره، وفور توفير مواد البناء اللازمة لذلك، بعد الاتفاق مع الحاجة أم عادل، قائلاً إن ذلك سيكون أقل واجب لتقدير رجولتنا التي صارت نادرة في هذا الزمان الوغد، فيما اختار حسن أن يقدم عربون مودة آخر في صورة إصبع ورقي ضخم محشو بما اتضح فيما بعد أنه بانجو.

ولأنني لم أكن وقتها قد سمعت عن البانجو الذي لم تكن مصر قد شهدت ثورته في ذلك الوقت من خريف 1992، وانتصاره الساحق على الحشيش في سوق المزاج خلال فترة قصيرة، فقد دفعت ملامح مؤمن المندهشة وملامحي المرعوبة، كبير العائلة عبد الحميد للشخط في أخيه قليل التمييز الذي لا يدرك أنه يجلس في حضرة مربٍ فاضل بحكم ما هو كائن، وواحد من حملة الأقلام بحكم ما سيكون. فنظر حسن الضاحك دائماً إلينا باستغراب من لم يجد موضع الدعابة، وحين ظلت يده ممدودة بإصبع البانجو نحونا، قال له مؤمن الذي عاد من جديد للاستعانة بمهارات بائع الشاورمة إننا لسنا من هواة الكيف الهوائي، ونفضل عليه البيرة والكحوليات، مع أن مؤمن لم يكن قد شرب شفطة بيرة في حياته، لكنه أراد كما شرح لاحقاً أن ينفي عنا شبهة البراءة والخرعنة التي يمكن أن تضر بنا ونحن نبدأ مع هؤلاء الغلاظ الشداد علاقة جيرة لا ندري إلى متى ستطول.

.....

نكمل الأسبوع القادم بإذن الله.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: بلال فضل الكشكول الحكاية وما فيها الكومبين السطوح الصداقة الغرفة العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 28 يناير 2020 | منذ اللحظات التي أعقبت خلع حسني مبارك في 11 فبراير 2011، كان هناك استقتال من كافة أجهزة الدولة المصرية في التأكيد على أن حرق الكثير من أقسام الشرطة وبعض المؤسسات الأمنية والقضائية، لم يكن فعلاً شعبياً عفوياً..
    • مشاركة
  • 27 يناير 2020 | ـ "السياسة هي تحقيق ما كان يمكن أن يحدث على أي حال". هانز ماجنوس إنزنبرجر
    • مشاركة
  • 26 يناير 2020 | قبل أيام من انتهاء علاقتي بصحيفة (الشروق) القاهرية، التي ظللت أكتب فيها طيلة عامي 2012 و2013، بسبب منع نشر مقال لي بعنوان (الماريشال السياسي)، لأنه كان يتطرق إلى حكاية منح رتبة المشير لعبد الفتاح السيسي، ويربطها بحصول عبد الحكيم عامر
    • مشاركة
  • 23 يناير 2020 | لم تكن أبلة عزيزة أقل من أم محمود ورانيا في تقدير النزاهة والشرف، ولذلك فقد أثار إعجابها أداء الأستاذ عبد الحكيم ووقوفه في وجه الفاسدين من زملائه داخل الوزارة، مع أنه كان يمكن أن يختار التربيط معهم أو الطرمخة عليهم..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة

ما بعد سقوط الكومبين (6)

28 نوفمبر 2019

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة
لا أظنك ستندهش لو قلت لك إن كمال باشا لم يتكرم علينا بالحضور إلى غرفة السطوح في الموعد المرتقب، ولم يعبّرنا بالجزمة القديمة طيلة الأشهر التي أقمنا فيها رغماً عنا مرميين في السطوح، ولا أظنك ستلومنا لو عرفت أننا لم نقم بأي خطوات تصعيدية ضده أو ضد أسرة زوجته، لسبب بسيط هو أنه أرسل إلينا على الفور رسالة بسيطة وعميقة المغزى، حين نزلنا بعد ساعات من انتظار تشريفه عبثاً، لنطرق باب شقتنا السليبة، ونبلغ من فيها احتجاجنا على تجاهله لقاءنا، ففتحت لنا حماته بنظرات متجهمة، وردت علينا بصوت اختفت منه كل نبرات الحنان المعهودة، وقالت لنا إنها أبلغته رسالتنا، لكن ظروفه لم تسمح له بالمجيئ، وأن علينا من هنا ورايح ألا نتواصل معه عبرها أو عبر بناتها، وإذا أردنا أن نبلغه رسالة فإن علينا أن نقوم بإيصالها إلى والده، الذي سينتظرنا في شقته التي ستكتب لنا عنوانها، والحاج أبو كمال باشا ـ كما أطلقت عليه ـ هو الذي سيرد على رسالتنا إن كان لديه رد.

كنت بالطبع قد حكيت لمؤمن ما أخبرني به محمود الصعيدي عن تاريخ والد كمال باشا في إثارة القلق في المنطقة، وهو تاريخ كان الباشا الصغير يدرك بالتأكيد أنه سيبلغ مسامعنا، ولو في صورة طراطيش كلام، وأن ما سنسمعه سيكون كافياً لردعنا عن التفكير في الذهاب إلى أبيه في أي وقت، لكنه ـ وفيه الخير والله ـ حرص في الوقت نفسه على أن ينقل إلينا عبر حماته رسالة أرق في مضمونها وليس في الصوت الذي حملها، أكّد فيها أنه ينوي الالتزام بوعده لنا بقدر ما تسمح به الظروف، وأنه سيفعل كل ما عليه لحسم مسألة الحصول على شقة بديلة لأسرة زوجته، وأن علينا أن ندعو الله له بالتوفيق لكي يتحقق مسعاه في أقرب وقت، خاتماً رسالته بالتأكيد على أنه أبلغ الحاجة أم عادل استعداده الكامل لتحمل أي تكاليف يتطلبها تحسين إقامتنا في غرفة السطوح، ولكي لا نظن أنه يقول أي كلام، فعلينا أن نصعد إلى شقة الحاجّة أم عادل الآن، لنتأكد منها أنه الذي دفع تكاليف تركيب المشمّع البلاستيكي، والذي تم تركيبه بالفعل صباح اليوم كعربون على حسن نيته وتقديره لتضحيتنا التي يرجو ألا نسخّف منها بحركات ليس لها أي لازمة.

فور أن انتهت مراسيم إبلاغنا برسالة الباشا، لم أختر الصعود مع مؤمن إلى السطوح مكبوساً محسوراً، بل قررت أن أضايق حماة الباشا بعض الشيئ، بعد أن شكرتها على إبلاغ الرسالة بكل أمانة، حيث طلبت منها الدخول إلى غرفتي لاختيار بعض الكتب، طالما أن موضوع البقاء في غرفة السطوح سيطول أكثر مما كنا نتوقع، مذكراً إياها بأن هذا ما سبق أن اتفقنا عليه مع الباشا الذي نتوقع منه أن يحترم كلمته، فهزت رأسها محرجة، ثم طلبت مني أن أمهلها دقائق، لتطلب من ابنتيها إخلاء غرفتي التي تم اختيارها لكي تكون مستقراً لهما، ربما لأنها أوسع، أو لأنها تمتلك بالإضافة إلى البلكونة، شباكاً يطل على الشارع المجاور، مما يجعل إضاءتها أفضل، فضلا عن أن هواءها المنبعث من الشباك إلى البلكونة والعكس فعلاً يرد الروح.


فور أن أغلقت حماة الباشا الباب في وجهي، طرقت باب محمود الصعيدي، لأطلب منه أن يساعدني في نقل بعض كتبي إلى غرفة السطوح، فوافق على مساعدتي دون تردد، لأفاجأ بأخته رانيا وهي تطل بوجهها المبتسم من خلفه لتلقي علي التحية، وتسألني ما إذا كنت أرغب في مساعدتها هي أيضاً، وكانت تلك أول مرة يدور بيني وبينها حوار مباشر.

زغدها محمود طالباً منها أن تدخل لاستكمال مذاكرتها، لأننا مستغنيان عن خدماتها، لكنها ردت له الزغدة، ثم قالت لي إن محمود حكى لها عن سهرتنا الطويلة بالأمس، وأن لديها عشرات الأسئلة لي أغلبها عن كلية الإعلام التي تحلم بدخولها، خاصة أنها ليست مستعدة للتنازل عن حلمها مثل محمود، ولذلك تدعوني للإجابة على أسئلتها وأنا أتناول العشاء معهما، بعد أن أنتهي أنا ومحمود من حمل الكتب إلى السطوح، وقبل أن أعتذر أو أرد، فتحت حماة الباشا الباب لتطلب مني الدخول لأخذ كتبي، فانسحبت رانيا إلى داخل شقتها، بعد أن صوّبت إليها نظرات عدائية طويلة، قالت فيما بعد إنها كانت بهدف التضامن معي، لأن الله لا يرضى بالظلم.

أكذب طبعاً لو قلت لك إنني كنت قد أقمت في غرفتي تلك فترة طويلة تكفي لتربية صلة عاطفية بها، لكن تفاصيل غرفة السطوح الشنيعة كانت كافية لخلق ذلك الحنين، الذي جعلني أحبس دموعي بصعوبة حين دخلت إلى الغرفة، خصوصاً أن زوجة الضابط وأختها كانا قد أضفيا عليها لمسات أنثوية جعلتها ألطف وأنظف مما تركتها عليها، لكن لمسة بالتحديد من تلك اللمسات قبضت قلبي، وجعلتني أدرك أن احتلال الشقة سيكون لمدة أطول بكثير مما نخشى ومما يعد كمال باشا، أتحدث عن "بوسترات" عمرو دياب ومحمد فؤاد وإيهاب توفيق ومصطفى قمر وحميد الشاعري المنزوعة من قلب مجلة (الشباب)، والتي تم لزقها في مواضع متفرقة من جدران الغرفة، كعلامات لم يزعجني أنها تشير إلى الانحيازات الغنائية التي لم أكن أشترك معهما فيها، لأنني كنت من مريدي محمد منير وعلي الحجار ومدحت صالح، بقدر ما أزعجني أنها كانت تشير إلى الرغبة في طول المكوث في المكان، لأنك لن تجد عابراً يلصق صور مطربيه المفضلين على حائط غرفة لن يُعشّش فيها أطول فترة ممكنة.

نزلت تلك البوسترات على قلبي كصفعات، بل قل كمرزبّات، حتى غامت الرؤية في عينيّ، فأخذت أراكم الكتب بين ذراعي كيفما اتفق، ثم أذهب إلى باب الشقة لأناولها لمحمود، الذي أدرك من أول نظرة أن شيئاً ما بي، فحاول أن يسألني عن الوضع، لكنني هززت رأسي مهوناً من الأمر، ثم عدت لأخذ نقلة ثانية من الكتب، وحينها راودني خاطر جنوني أن أنقض على تلك البوسترات اللعينة فأمزقها، وأظنني كنت سأفعل، لو لم يأتني من الخلف صوت أخت زوجة الباشا مرحباً ثم متحنجلاً، وهي تثني على ذائقتي الرفيعة في اختيار الكتب، ثم تطمئنني ممازحة أنها لم تطاوع رغبتها في تصفح العديد من الكتب التي جذبتها عناوينها، لأنها كان لا بد أن تستأذنني قبل أن تفعل ذلك.

لم أجد ما أرد به عليها، فدفنت وجهي المكفهرّ في الكتب المتراصة، وأنا أقاوم رغبة عارمة في اختيار أضخمها حجماً وأصلبها كعباً لكي أنهال به على رأسها، وحين تأخر جوابي الذي كانت بالتأكيد تتوقع أن يجيئ مرحباً بتصفح ما تريده، تدخلت أمها لتقول لها إن عليها أن تحترم رغبتي في عدم مس الكتب، لأن "الجماعة المثقفين ما بيحبوش حد يلمس كتبهم غيرهم"، فاضطررت للرد من تحت ضرسي، لأدعوها إلى أن تتصفح ما تشاء من الكتب، ثم أسارع بمغادرة الغرفة دون أن تقع عيني على البوسترات اللعينة، لكي لا تتجدد برؤيتها أحزاني ومخاوفي.


لم يكن السلم الضيق مناسباً لكي أحكي لمحمود عن موضوع البوسترات ودلالاته، لكنه كان قد استمع إلى ما دار من حوار حول استعارة الكتب، فلامني لأنني لم أعلن رفضي لمس كتبي بأي شكل من الأشكال، لأن ذلك كان سيوصل إلى محتلّي الشقة غضبي واحتقاري لهم، ولأن طاقتي كانت مستنفدة بالكامل في التقاط الأنفاس اللازمة لصعود السلم، لم أرد عليه واكتفيت بلوي شفتي وهز كتفي تعبيراً عن غضبي من الدنيا واحتقاري للحياة كلها، فباغتني بسؤال لم أتوقعه: "هي صحيح اسمها إيه الخرية دي وبتدرس في كلية إيه؟"، ليكشف لي السؤال الغريب أن محمود يمتلك بالفعل عقل محامٍ مولع بالتفاصيل، وأنني لم أفكر أنا أو مؤمن في السؤال عن أي تفاصيل تخص أسرة حماة الباشا الذي لم نكن حين انتقلنا إلى السطوح، نعرف عنه شيئاً غير اسمه الأول، فاضطررت إلى أن أمنع نفسي من الشخط في محمود الذي ترك مشاغله لمساعدتي، لأقول له ضاحكاً "وهوّ اسمها وكليتها هيفرقوا يعني.. ما اتفشخنا واللي كان كان".

وصلت أنا ومحمود إلى السطوح لاهثين بما نحمله من كتب، لم أخبر محمود أنني لم أركز في اختيارها، ولا زلت لا أدري هل أحتاج إليها فعلاً، أم أن غيرها كان أولى بمعاناة الشيل، وحين دخلنا غرفة السطوح وجدناها ممتلئة بثلاثة أشخاص اتضح أنهم جيران يسكنون الغرفة المجاورة، أصبحوا بسرعة أصدقاء كسبهم مؤمن في نفس الوقت الذي كنت أكتسب فيه صداقة محمود بالأمس. كان يفترض أن يشاركنا محمود في دور الشاي الذي كان مؤمن قد انتهى من عمله وبدأ في صبه، لكن جلافة أحد الحاضرين دفعته إلى مغادرة المكان غاضباً، كان مؤمن قد بدأ بتعريفنا على الجالسين: "عبد الحميد الأسواني ـ حسن الأسواني ـ عبد الرحيم الأسواني"، لم يتوقف أيّهم عند اسمي حين نطق به مؤمن، لكن أحدهم وبالتحديد المدعو حسن توقف عند اسم "الصعيدي" الذي أعقب اسم محمود، فقال ساخراً: "أول مرة أشوف صعيدي ملظلظ وحليوة وأبيضاني وخدوده حمرا"، ليعقبه عبد الرحيم الجالس إلى جواره بتفصيلة أكثر تحديداً: "ومش بس خدوده.. ده شفايفه كمان حمرا".

امتقع وجه محمود وهربت الدموية من وجهه فور أن سمع ما قالاه، واندفع نحو باب الغرفة، فأمسك به مؤمن بقوة ليمنعه من الخروج وهو غاضب، فاضطررت إلى محاولة دفع مؤمن لإفلاته، بينما أشاح محمود بوجهه وقد بدا أنه يحاول مسك دموعه بالعافية، فهمت غضب محمود مما قيل، لأنه كان قد حكى لي بالأمس، كيف وقع الكثير في المتاعب، لأنه ورث من أمه رحمها الله ملامحها الجميلة وامتلاءها، تماماً مثلما يضايق أخته رانيا أنها ورثت من أبيه ملامحه الرجولية ونحافته الشديدة، وإن كانت قد ورثت من أمها بياضها أيضاً، ولعلك تدرك كم تثير مفارقة مثل هذا شهية الأقربين والأبعدين للتعليقات الساخرة والجارحة.

كنت قد استهنت بما حكاه لي محمود بعد تردد، قائلاً له إن كثيرين غيره يتمنون أن تكون لديهم ملامح حسين فهمي وأخيه مصطفى، ليوقعوا بها الفتيات في غرامهم، لكنه رد قائلاً إن من السهل علي أن أقول ذلك، لأنني لست الذي أتعرض للمضايقات طول الوقت من زملائه في المدرسة وأقرانه في الشارع، وأنه لم يعد يذكر عدد المرات التي خاض فيها خناقات أدت لكسر نضّارته وتمزيق ملابسه، لأسباب فشل في فهمها، لكنه فوّض أمره لله، وظل يخوض الخناقة تلو الأخرى، وهو ينتظر بفارغ الصبر مجيئ الجامعة التي توقع أنه لن يضطر فيها لدخول خناقات منحطة مثل هذه، وهو ما حدث بالفعل بعد طول صبر وألم.


كان رد فعل محمود المفاجئ على ما قيل، قد أربك جيراننا الثلاثة، فأخذوا يكررون اعتذارهم لمحمود على هزارهم الثقيل، مستدركين بأنه في النهاية "هزار صعايدة وانت صعيدي وعارف"، ولم يكن الوقت مناسباً لإخبارهم بأن محمود لم تكن له أي علاقة بالصعيد سوى لقب أسرته التي لا تعود جذورها إلى الصعيد أيضاً، وأن أقدم جد له من أبناء مدينة ميت غمر، التي ينسبها بعض أهلها إلى الشرقية، وتنسبها الحكومة إلى الدقهلية، وأنه بسبب اضطراره إلى تسميع هذه القصة الطويلة، كلما سأله أحدهم من أيّ أنحاء الصعيد هو، لم يعد يذكر لقبه حين يعرف بنفسه، لكن مؤمن هو الذي قام بتعريفه هذه المرة، ففتح عليه هذه الفاتوحة، التي لم يكن لها لازمة، والتي انتهت بإصرار عبد الحميد على أن يقوم شقيقه الأصغر حسن بتقبيل رأس محمود اعتذاراً له، ليتطلب الأمر اشتراكي في تكتيف محمود مع مؤمن، لينتهي حسن من تقبيل رأسه ونخلص، وقد كان عبد الحميد موفقاً لأنه لم يطلب من عبد الرحيم هو الآخر تقبيل رأس محمود، لأن ملامحه شديدة الحدة والعدوانية تضافرت مع التعليق البضين الذي أدلى به حول لون شفاه محمود، فأعطت انطباعاً أنه لو وجد طريقاً إلى رأس محمود، لن يفوت فرصة تقبيله من "بُقّه"، لنخوض خناقة حامية ربما انتهت بسقوط أحدنا مرمياً من فوق ذلك السطوح الذي لا سور له.

بذل محمود جهداً جلياً في التماسك لإنهاء الموقف البايخ، وأصر على مصافحة الجميع ليثبت عدم تأثره بالموقف، واعتذر عن عدم شرب الشاي لأنه ذاهب ليقضي بعض طلبات البيت، ولم يكن غريباً أن يصر مؤمن الذي يتصرف دائماً كشيخ حارة على توديعه معي حتى باب السلم، وهو ما لم يعط محمود فرصة للشكوى مما حدث، فأدركت أنه قرر تأجيل شكواه، حتى نلتقي على العشاء الذي أصر على تذكيري به، وحين عدنا إلى الغرفة أخذ مؤمن يحدث الجالسين فيها عن جدعنة محمود ورجولته وذوقه، وكأنه يعرفه من سنين، قبل أن ينقل عطاء ثرثرته على شخصي، فيحدثهم عن صداقتنا القديمة والمتينة التي جعلته يشعر أنني ابن خاله فعلاً، بل إنه أصبح يحبني أكثر من جميع أبناء أخواله وعماته، خصوصاً بعد أن عَلَوت في نظره، حين أصررت على أن أترك كتبي التي لا أستغني عنها في دراستي، لكي أسارع بترك الشقة لتلك الأسرة المسكينة التي جار عليها الزلزال، وشخطت فيه بعلو صوتي حين وجدته متردداً بعض الشيئ في هجر الشقة المريحة واستبدالها بغرفة السطوح، وبالطبع لم أعلق على تنبيطه علي بما كان يختلقه، بأكثر من ابتسامة بالغت في توسيعها لتخفي غيظي منه ومن ضيوفه الثقال.

لم يكن انتماء جيراننا الثلاثة إلى أسوان باللقب فقط، بل كانوا فعلاً من إحدى القرى القريبة من مدينة أسوان، أخوان وابن عم، كان عبد الحميد أكبرهم سناً يعمل في وظيفة إدارية في مصنع الشركة الشرقية للدخان الذي لم يكن بعيداً عنا، وأخوه حسن يعمل فني صيانة ماكينات في نفس المصنع، وأحياناً يشترك مع قريب لهم في قيادة ميكروباص على خط الجيزة ـ المنيب، أما ابن عمهما عبد الرحيم أو "العِفِش" كما كانوا يطلقون عليه مداعبة وتحبباً، فقد كان حديث القدوم من أسوان، ولذلك لم يكن قد حصل على وظيفة ملائمة بعد، لكنه لم يشأ أن ينجس يديه بالبطالة، فبدأ العمل في الفاعل.

كعربون لتأكيد المودة بيننا كجيران، عرض عبد الحميد بالنيابة عن عبد الرحيم "العِفِش"، القيام بحل مشكلة سقف الغرفة، لاستبدال سقفها البلاستيكي بآخر خشبي، متنازلاً عن أجره، وفور توفير مواد البناء اللازمة لذلك، بعد الاتفاق مع الحاجة أم عادل، قائلاً إن ذلك سيكون أقل واجب لتقدير رجولتنا التي صارت نادرة في هذا الزمان الوغد، فيما اختار حسن أن يقدم عربون مودة آخر في صورة إصبع ورقي ضخم محشو بما اتضح فيما بعد أنه بانجو.

ولأنني لم أكن وقتها قد سمعت عن البانجو الذي لم تكن مصر قد شهدت ثورته في ذلك الوقت من خريف 1992، وانتصاره الساحق على الحشيش في سوق المزاج خلال فترة قصيرة، فقد دفعت ملامح مؤمن المندهشة وملامحي المرعوبة، كبير العائلة عبد الحميد للشخط في أخيه قليل التمييز الذي لا يدرك أنه يجلس في حضرة مربٍ فاضل بحكم ما هو كائن، وواحد من حملة الأقلام بحكم ما سيكون. فنظر حسن الضاحك دائماً إلينا باستغراب من لم يجد موضع الدعابة، وحين ظلت يده ممدودة بإصبع البانجو نحونا، قال له مؤمن الذي عاد من جديد للاستعانة بمهارات بائع الشاورمة إننا لسنا من هواة الكيف الهوائي، ونفضل عليه البيرة والكحوليات، مع أن مؤمن لم يكن قد شرب شفطة بيرة في حياته، لكنه أراد كما شرح لاحقاً أن ينفي عنا شبهة البراءة والخرعنة التي يمكن أن تضر بنا ونحن نبدأ مع هؤلاء الغلاظ الشداد علاقة جيرة لا ندري إلى متى ستطول.

.....

نكمل الأسبوع القادم بإذن الله.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: بلال فضل الكشكول الحكاية وما فيها الكومبين السطوح الصداقة الغرفة العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 28 يناير 2020 | منذ اللحظات التي أعقبت خلع حسني مبارك في 11 فبراير 2011، كان هناك استقتال من كافة أجهزة الدولة المصرية في التأكيد على أن حرق الكثير من أقسام الشرطة وبعض المؤسسات الأمنية والقضائية، لم يكن فعلاً شعبياً عفوياً..
    • مشاركة
  • 27 يناير 2020 | ـ "السياسة هي تحقيق ما كان يمكن أن يحدث على أي حال". هانز ماجنوس إنزنبرجر
    • مشاركة
  • 26 يناير 2020 | قبل أيام من انتهاء علاقتي بصحيفة (الشروق) القاهرية، التي ظللت أكتب فيها طيلة عامي 2012 و2013، بسبب منع نشر مقال لي بعنوان (الماريشال السياسي)، لأنه كان يتطرق إلى حكاية منح رتبة المشير لعبد الفتاح السيسي، ويربطها بحصول عبد الحكيم عامر
    • مشاركة
  • 23 يناير 2020 | لم تكن أبلة عزيزة أقل من أم محمود ورانيا في تقدير النزاهة والشرف، ولذلك فقد أثار إعجابها أداء الأستاذ عبد الحكيم ووقوفه في وجه الفاسدين من زملائه داخل الوزارة، مع أنه كان يمكن أن يختار التربيط معهم أو الطرمخة عليهم..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة