alaraby-search
الأحد 24/11/2019 م (آخر تحديث) الساعة 00:31 بتوقيت القدس 22:31 (غرينتش)
الطقس
errors

عزيمة طالب

24 نوفمبر 2019

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة
في وقتٍ متأخرٍ من ليلٍ حالكِ الظُّلمة، كانت قد أشارت عقارب الساعة المعلّقة على حائطٍ جداري متهالك إلى الثانية ليلاً. كان الناس نياماً، يغطّون في سباتٍ عميق مع اقتراب فجر يوم جديد، ينشده الأمل ويعمّق روح المحبّة والصداقة التي تغمر قلبَي ساهر وفتحي المتحابين، وهما في طبيعتهما كولدَي عمّ تربطهما علاقة ودّ وصداقة حميمية قديمة.

 كان فتحي، وهو الطالب النجيب الذي سبق له أن تخرّج من كلية الآداب ـــ في قسم علم الاجتماع في إحدى الجامعات العربية قد فكر مليّاً، وبعد مضي وقتٍ قصير على تخرجه بامتياز، في اللحاق بركب إحدى ثانويات دول الخليج الكبرى لتعويض ما يمكن تعويضه، وسداد ما يترتّب عليه من مبالغ مالية متراكمة منذ ما قبل بدء دخوله الجامعة، وهو إنسان بسيط الحال ويعيش مع أهله في فقر مدقع إلى حدٍّ كبير.

 كان والده يعمل عتالاً، ووالدته بارعة في خياطة الملابس النسائية في المدينة التي تعيش فيها مع أولادها الستة وابنتيها الاثنتين، ضحى وعليا.

كان فتحي يُحب الدراسة بشغف غريب، ومواظباً عليها منذ الصغر، وطالما حقق العلامة الكاملة في كافة المواد الأدبية بصورةٍ خاصة التي كان يُحبها حبّاً جمّاً، ويوليها أهميةً كبيرةً بعيداً عن بقية المواد العلمية التي كان يُهملها، ولم تكن في يوم ما تدخل من ضمن اهتماماته، على الرغم من أهمية بعضها في تقرير مستقبل نجاحه من عدمه في المرحلة الثانوية العامّة وحصوله على شهادتها بتفوّق.

كان فتحي طالباً فطناً نجيباً مثابراً ومجداً في دراسته، وفي امتحاناته الجامعية التي كان يُحقق فيها نجاحاً لافتاً. وفي ضوء ذلك التفوّق، نال ما كان يصبو إليه، فضلاً عن رضى المدرسين الذين كانوا يشرفون على تدريسه، ويدفعون به بصورةٍ دائمة من خلال تشجيعه نتيجة تفوّقه في تحصيل شهادة الدراسة الثانوية العامّة بفرعها الأدبي، محققاً مرتبةً متقدمةً وعلامةً ميزته عن بقية أقرانه. أما أخوته الآخرون، فلم يكن لدى أيٍّ منهم الرغبة في إكمال دراسته، فاستمروا في مساعدة والدهم، وسار أغلبهم على دربه، ومنهم من نال من الحظ نصيباً ونجح في اختياره في شغل أعمال خاصة، ومنهم من اضطرته ظروفه إلى السفر لكسب لقمة العيش والعمل في أعمال مجهدة. أما أختاه، فكان من نصيبهما الزواج والارتباط بمن اختارت كل منهما من أبناء عمومتهما والركون في بيت الطاعة.

كانت أحلام الأسرة منصبّة على الشاب فتحي، حيث كانوا يتأمّلون به خيراً بتحقيق الطموح والرغبة بعيداً عن أيّ شيء. وبالفعل، كان لفتحي ما أراد، بعد أن حصل على شهادته الجامعية بدرجة امتياز، ما دعاه إلى السفر بعيداً إلى خارج بلده لتحقيق جزء من الحلم الذي كان يراوده منذ الصغر.

كانت رغبة فتحي تتجاوز كل الأحلام، ما دفع به إلى أن يتقدم بأوراقه إلى سفارة إحدى الدول الخليجية التي سبق لها أن أعلنت في الصحف المحلية رغبتها في تعيين عدد من المدرسين للتعليم في ثانوياتها من حملة الشهادة الجامعية، على أن يكونوا من المتفوقين، وعلى أن يكون معدل نجاحهم الجامعي يتجاوز التسعين في المائة وما يزيد... فضلاً عن المقابلة الشفهية التي تشرف عليها لجنة خاصة ستقوم باختبار المتقدمين منهم بعيداً عن المحسوبيات.

طبيعي أنَّ فتحي لم يكن يهتم بذلك، لأنه إنسان ناجح وقادر بلا شك على تجاوز الاختبار الشفهي والتحريري عن جدارة. وفي يوم الاختبار الشفهي، كان لفتحي ما أراد، فقد نال العلامة الكاملة في الاختبار الذي أشرف عليه ثلاثة من المدرسين النُّخبة المعروف عنهم بسعة الاطلاع والجدية، والبعيدين عن المحسوبية التي حاول كثيرون التوسّط لبعض المتقدمين للمسابقة. إلّا أنَّ اللجنة المشرفة على الاختبار كانت فوق كل الشبهات، وهذا ما اطمأن إليه فتحي واستأنس له، وأدرك أنَّ كلمة الحق لا بد أن يكون لها مكانتها في إظهار النتيجة التي تفرح المتقدمين وتنصفهم.

فوجئت اللجنة، بكامل أعضائها الثلاثة، بقدرة فتحي وذكائه المفرط الذي لم يترك للجنة المشرفة على الاختبار من متنفس، أو أن تقلل منه، أو تتواطأ في غير صالحه، بل أكدت مدى نجاحه، بتفوق قلّ مثيله، فنال علامة الاختبار في الامتحان الشفهي بامتياز، وهذا ما أفرحه.

كانت فرحة الطالب المجدّ كبيرة، خاصة أنه يعرفُ مدى مقدرته وإمكاناته في تجسيد قراءاته واهتماماته ومتابعاته واطلاعه الدائم في بطون أمهات الكتب في الاختبار التحريري والشفهي، وهذا ما أكسبه خبرة وعلماً غزيراً ساهما في أن تقول اللجنة كلمتها بصدق، وتمنحه العلامة الكاملة التي تليق به دون تردد. كذلك فإنه حقق العلامة ذاتها في الاختبار التحريري، وهذا ما جعله مطمئناً إلى أن رغبته في السفر إلى الدولة التي طالما رغب بها يوماً ستتحقق، لأنه تمكن من الحصول على ما يريد، وباستحقاق.

بعد أيام من انتهاء فترة الاختبار الشفهي والتحريري، أُعلن في لوحة الإعلانات المعلّقة في مدخل السفارة التي تعود للدولة التي أعلنت المسابقة للتدريس في ثانوياتها، فكان فتحي على رأس المتقدمين، محققاً بذلك العلامة التامّة في الاختبارين، ما دفع الإدارة المشرفة على المسابقة إلى الاتصال به على الفور وإعلامه النتيجة، ودعوته للقاء به لإنهاء تقديم ما يُطلب منه والإسراع في إحضار بقية الأوراق المطلوبة ليتمكن من السفر والالتحاق بالتدريس قبل بدء العام الدراسي الجديد، إلى حيث يرغب، وبعيداً عن أهله وصديق طفولته ساهر الذي سيترك أثراً عميقاً في فترة غيابه.

كان الوقت يجري مسرعاً مع استعداد فتحي للسفر والالتحاق بعمله الجديد بعد أن أُعلنَت أسماء المتسابقين الذين نجحوا، وإن كانت نسبة الناجحين في المسابقة تقتصر على عدد من المتميزين من الشباب القدوة الذين يستحقون علامة متفردة تؤهلهم القبول في المسابقة المعلنة.

أيام قليلة تفصل فتحي عن انطلاق موعد طائرته المتجهة إلى حيث سيكون مقعده الدراسي هناك بانتظاره للالتحاق بعمله الجديد مع عددٍ من المدرسين، وبعد أن انقضت الأيام التي تبعده عن السفر إلى حيث يرغب، ها هي الأيام تركض مسرعةً، وفتحي ينتظرها على أحرّ من الجَمر، وإن كانت والدته التي كانت تحبّه كثيراً تأمل في تأخر أيام سفره أياماً وأياماً، ولا سيما أنها لم تشبَع من رؤيته وتفرح به، لأنه كان يقضي جلّ وقته في الدراسة، في المدينة، بعيداً عن أهله وأخوته وأصدقائه...

حلّ موعد السفر، وحمل فتحي حقيبته وحاجياته وبعض كتبه التي تُعَدّ جزءاً رئيساً من اهتماماته، حملها معه في الطائرة، ورافقه في ذلك أصدقاؤه الجدد المتجهون إلى بلد جديد وحياة جديدة، إذ لم يسبق له أن خاض أمثال هذه التجربة بعيداً عن أهله ورفيق دربه الوحيد ساهر الذي بكاه طويلاً، وودعه بكل ودّ، متمنياً له حياة آمنة ومستقرة.

ساعات قليلة وتصل الطائرة التي تحمل المدرّس فتحي إلى البلد الجديد الذي كان قد حلم به قبل سنوات، مع بداية دراسته الثانوية العامّة وحصوله على شهادتها بتفوق، وأتبعها بنيله شهادة الدراسية الجامعية التي كانت بالنسبة إليه بمثابة مفترق الطرق في هذه الحياة التي أصعب ما فيها هو ما أصبح في متناول اليد بالنسبة إلى طالب مجدّ مثال فتحي الذي فتح أمامه باباً جديداً، وحلماً كذلك بعد أن قضى عديد السنوات وهو ينتظر هذه اللحظة، وبعد أن تنهّد من تعب السفر، ها هو يحطّ رحاله مع رفاقه الجدد في أرض جديدة، بانتظار أن تكون هي الهدف والمرمى بالنسبة إليه وإلى أسرته التي انتظرت تحقيقه بهدف طوى صفحات من الحاجة والذل، وتحقيق آمالها وانتشالها من بئر الفقر الذي خيّم بأسه عليه وعلى أسرته الفقيرة سنوات وسنوات.

كان فتحي الطالب المثابر في دراسته، جلداً ومتمرساً في الأعمال التي توكل إليه أياً كانت طبيعتها، ولا سيما أنه من أسرة عاشت في فقر وفاقة، وهذا كلّه لم يوقفه عن التعامل مع الصعاب التي تواجهه، وبسعادة غامرة يتقبلها، لأنه تجاوز في صباه وبداية شبابه أمثال الكثير من هذه الصور المؤسية، وهو ابن القرية الذي لم يتأفّف يوماً من خوضه أعمالاً مجهدة كان يقوم بها لقاء ما يتطلب منه، ومساعدة والده على إعالة أسرته وأخوته في هذه الحياة.

 كل هذه الصعاب لم تقلّل من شأنه أو تفتر همته وعزيمته، بل كانت تزيده قوةً وتألقاً، ولم تقف حجر عثرة في تحقيق نجاحه وفي تجاوز ما يمكن أن يحول بينه وبين تجسيد بعض آماله ورغباته التي تقف أمامه بصورة دائمة موقفاً عادياً، لأنها لا تعني شيئاً بالنسبة إليه.

تجاوز فتحي كل هذه الصورة السيئة، وإن كانت تسدّ عليه طريق نجاحه وتفوقه، إلّا أن ذلك كان يدفعه، إذا تعثّر، نحو تقويم نفسه والحد من كل ما يمكن أن يعوّق طريقه الشائك!

 لملم المدرس فتحي آخر ما تبقى له، وهو مسافر باتجاه مكان إقامته الجديد في دولة يزورها للمرة الأولى، ولم يتأثّر بالغربة والبعد عن أهله وأصدقائه، لأنه ارتوى منها وهو في سنّ الدراسة الثانوية، وحتى في إكمال دراسته الجامعية حيث إقامته في المدينة الكبيرة التي احتضنته لفترة طويلة.

وصل إلى مكان إقامته الجديد، القريب من مدرسته التي ستكون بيته الأول في غربته، وهو مكان عمله الذي سيقضي فيه ساعات طويلة.

 كانت رغبة فتحي كبيرة جداً، ومخزونه العلمي والفكري لا حدود له، كل هذا سيفعّله ويلقي به أمام طلابه الجدد الذين سيلتقي بهم يوم غد، وهو اليوم الأول الذي سيكون موعده مع مدير المدرسة الثانوية وطلابها.

 في اليوم التالي صحا من نومه مُبكراً كعادته، وبعد أن خلص من ترتيب مسكنه، ولبس ملابسه الجديدة التي تليق به كمدرس متميّز، توجّه إلى مدرسته ودخلها بحب غريب لم يعرفه من قبل، وتوجه إلى غرفة المدير الذي عرّفه بنفسه وسلّمه ما بحوزته من أوراق رسمية بخصوص تعيينه مدرساً في المدرسة. رحّب به مدير المدرسة وعرّفه إلى زملائه البقية من المدرسين الذين كانوا جالسين في غرفته، وبعد ذلك أخذه إلى الصف الدراسي الذي سيعلّم طلابه مادة علم الاجتماع، بالإضافة إلى مقرّر التاريخ، فضلاً عن بقية الصفوف الأخرى التي سيكون له محطّات فيها وسيتوقف عندها كثيراً.

في الصف، التقى الأستاذ فتحي بالطلبة الجدد، طلاب الصف الثالث الثانوي الأدبي، وعرّفهم بدوره إلى نفسه، كما عرّفوه إلى أنفسهم وأخذوا يبادلونه الود والاحترام مع أوّل يوم دراسي...

بعد ساعات أنهى الأستاذ فتحي الفترة المخصصة له في المدرسة بعد إعطاء الطلاب عدداً من الدروس خلال الفترة التي قضاها، وكان مقنعاً بإعطائه، وفرحاً بطلابه الجدد الذين فرحوا أيضاً به، وبأسلوبه السلس البسيط المشوّق في كيفية تلقي المعلومة وحفظها بكل سهولة، متمنياً لهم نجاحاً موفقاً وتألقاً يليق بهم، وأبدوا تحمسهم في استعدادهم لفهم ما يطلب منهم لتحقيق أحلامهم في مستقبل زاهر.

كانت فرحة فتحي لا تضاهيها فرحة أخرى برضاه عن طلابه وتميّزهم، واحترامهم له، وكان أغلبهم في امتحاناتهم ينالون العلامة الكاملة في المادتين اللتين يدرّسهما للطلاب، وهذا ما دفع بهم إلى حب هاتين المادتين. وكان لإدارة المدرسة رأيها فيه، حيث لفت إليه أنظار الجميع، ما يعني أنه طالما ما كان يكافأ بشهادات تكريم، فضلاً عن المكافآت المالية التي تمنح له، والتي كانت تحفّزه أكثر على العطاء وتقديم الأفضل، وهذا كلّه هيّأ أمامه طريق النجاح تلو الآخر، ناقلاً ذلك إلى أسرته التي طالما يغدق عليها الكثير من المال لسدّ حاجتها، ولتأمين مستقبل أخوته، ومساعدة والديه الطاعنين في السن.

 وبعد انقضاء سنوات على غربته وانتهاء فترة تعاقده الذي مُدِّد أكثر مرّة، عاد إلى بلده وإلى أهله، تاركاً وراءه الكثير من الذكريات الجميلة، والأيام السعيدة التي قضاها في بلد أحبّه أهله وأكرموه، وساهم في تفوّق أبنائه، وسار بهم نحو تحقيق أهداف تسمو بالعلم والمعرفة، وتحترم المتفوقين من أبنائه الذين تحقق لهم ما أرادوا، وما تركه من أثر طيّب في نفوسهم، ما جعلهم دائماً في تذكره، وفي تسابقهم على مساعدته مادياً، وهو في المقابل لم يبخل يوماً في العطاء، فكان مثال المدرس الناجح والأب الروحي لأبنائه الطلاب الذين كانوا يبادرون بمراسلته بصورةٍ مستمرة ويبادلونه الاحترام والود.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: عبد الكريم البلخ الأب الروحي المدرس الناجح الشباب القدوة العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 10 ديسمبر 2019 | كان لبعض الرعاع من أبناء الرَّقّة التي غزاها "داعش"، وما زالت إلى اليوم سجينة لم تتحرر من عصابات "قسد"، دورهم وأذيتهم في الحياة تجاه إخوتهم البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوّة، بعد أن كانوا يعيشون في خبر كان..
    • مشاركة
  • 4 ديسمبر 2019 | كان حبّي للسفر والترحال، ومنذ نعومة أظفاري، لا تحدّه حدود أو تقف في وجهه أيّ مصاعب أو تحديات، بل إنّني كنت أحب خوض غماره برغبة عارمة مهما كانت العوارض التي تقف أمامه خطيرة وميؤوساً منها!..
    • مشاركة
  • 21 نوفمبر 2019 | فرض الحراك الشعبي واسع الطيف في كل من العراق ولبنان نفسه على القيادات الحاكمة في هذين البلدين المحكومين بالطوائف الدينية، وتملي عليه مرجعياته ما يمكن أن يناقض واقعاً مريراً..
    • مشاركة
  • 8 نوفمبر 2019 | المحطّة الوحيدة المتعبة التي كان لها تأثيرها المباشر على العلاقة الحميمية التي جمعتني مع كل من علي وحسين وفهد، وهم في طريقهم إلى حيث يعيش عيسى الذي عانى الكثير نتيجة الحرب الضروس التي حصدت بيته وما يملك.
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة

عزيمة طالب

24 نوفمبر 2019

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة
في وقتٍ متأخرٍ من ليلٍ حالكِ الظُّلمة، كانت قد أشارت عقارب الساعة المعلّقة على حائطٍ جداري متهالك إلى الثانية ليلاً. كان الناس نياماً، يغطّون في سباتٍ عميق مع اقتراب فجر يوم جديد، ينشده الأمل ويعمّق روح المحبّة والصداقة التي تغمر قلبَي ساهر وفتحي المتحابين، وهما في طبيعتهما كولدَي عمّ تربطهما علاقة ودّ وصداقة حميمية قديمة.

 كان فتحي، وهو الطالب النجيب الذي سبق له أن تخرّج من كلية الآداب ـــ في قسم علم الاجتماع في إحدى الجامعات العربية قد فكر مليّاً، وبعد مضي وقتٍ قصير على تخرجه بامتياز، في اللحاق بركب إحدى ثانويات دول الخليج الكبرى لتعويض ما يمكن تعويضه، وسداد ما يترتّب عليه من مبالغ مالية متراكمة منذ ما قبل بدء دخوله الجامعة، وهو إنسان بسيط الحال ويعيش مع أهله في فقر مدقع إلى حدٍّ كبير.

 كان والده يعمل عتالاً، ووالدته بارعة في خياطة الملابس النسائية في المدينة التي تعيش فيها مع أولادها الستة وابنتيها الاثنتين، ضحى وعليا.

كان فتحي يُحب الدراسة بشغف غريب، ومواظباً عليها منذ الصغر، وطالما حقق العلامة الكاملة في كافة المواد الأدبية بصورةٍ خاصة التي كان يُحبها حبّاً جمّاً، ويوليها أهميةً كبيرةً بعيداً عن بقية المواد العلمية التي كان يُهملها، ولم تكن في يوم ما تدخل من ضمن اهتماماته، على الرغم من أهمية بعضها في تقرير مستقبل نجاحه من عدمه في المرحلة الثانوية العامّة وحصوله على شهادتها بتفوّق.

كان فتحي طالباً فطناً نجيباً مثابراً ومجداً في دراسته، وفي امتحاناته الجامعية التي كان يُحقق فيها نجاحاً لافتاً. وفي ضوء ذلك التفوّق، نال ما كان يصبو إليه، فضلاً عن رضى المدرسين الذين كانوا يشرفون على تدريسه، ويدفعون به بصورةٍ دائمة من خلال تشجيعه نتيجة تفوّقه في تحصيل شهادة الدراسة الثانوية العامّة بفرعها الأدبي، محققاً مرتبةً متقدمةً وعلامةً ميزته عن بقية أقرانه. أما أخوته الآخرون، فلم يكن لدى أيٍّ منهم الرغبة في إكمال دراسته، فاستمروا في مساعدة والدهم، وسار أغلبهم على دربه، ومنهم من نال من الحظ نصيباً ونجح في اختياره في شغل أعمال خاصة، ومنهم من اضطرته ظروفه إلى السفر لكسب لقمة العيش والعمل في أعمال مجهدة. أما أختاه، فكان من نصيبهما الزواج والارتباط بمن اختارت كل منهما من أبناء عمومتهما والركون في بيت الطاعة.

كانت أحلام الأسرة منصبّة على الشاب فتحي، حيث كانوا يتأمّلون به خيراً بتحقيق الطموح والرغبة بعيداً عن أيّ شيء. وبالفعل، كان لفتحي ما أراد، بعد أن حصل على شهادته الجامعية بدرجة امتياز، ما دعاه إلى السفر بعيداً إلى خارج بلده لتحقيق جزء من الحلم الذي كان يراوده منذ الصغر.

كانت رغبة فتحي تتجاوز كل الأحلام، ما دفع به إلى أن يتقدم بأوراقه إلى سفارة إحدى الدول الخليجية التي سبق لها أن أعلنت في الصحف المحلية رغبتها في تعيين عدد من المدرسين للتعليم في ثانوياتها من حملة الشهادة الجامعية، على أن يكونوا من المتفوقين، وعلى أن يكون معدل نجاحهم الجامعي يتجاوز التسعين في المائة وما يزيد... فضلاً عن المقابلة الشفهية التي تشرف عليها لجنة خاصة ستقوم باختبار المتقدمين منهم بعيداً عن المحسوبيات.

طبيعي أنَّ فتحي لم يكن يهتم بذلك، لأنه إنسان ناجح وقادر بلا شك على تجاوز الاختبار الشفهي والتحريري عن جدارة. وفي يوم الاختبار الشفهي، كان لفتحي ما أراد، فقد نال العلامة الكاملة في الاختبار الذي أشرف عليه ثلاثة من المدرسين النُّخبة المعروف عنهم بسعة الاطلاع والجدية، والبعيدين عن المحسوبية التي حاول كثيرون التوسّط لبعض المتقدمين للمسابقة. إلّا أنَّ اللجنة المشرفة على الاختبار كانت فوق كل الشبهات، وهذا ما اطمأن إليه فتحي واستأنس له، وأدرك أنَّ كلمة الحق لا بد أن يكون لها مكانتها في إظهار النتيجة التي تفرح المتقدمين وتنصفهم.

فوجئت اللجنة، بكامل أعضائها الثلاثة، بقدرة فتحي وذكائه المفرط الذي لم يترك للجنة المشرفة على الاختبار من متنفس، أو أن تقلل منه، أو تتواطأ في غير صالحه، بل أكدت مدى نجاحه، بتفوق قلّ مثيله، فنال علامة الاختبار في الامتحان الشفهي بامتياز، وهذا ما أفرحه.

كانت فرحة الطالب المجدّ كبيرة، خاصة أنه يعرفُ مدى مقدرته وإمكاناته في تجسيد قراءاته واهتماماته ومتابعاته واطلاعه الدائم في بطون أمهات الكتب في الاختبار التحريري والشفهي، وهذا ما أكسبه خبرة وعلماً غزيراً ساهما في أن تقول اللجنة كلمتها بصدق، وتمنحه العلامة الكاملة التي تليق به دون تردد. كذلك فإنه حقق العلامة ذاتها في الاختبار التحريري، وهذا ما جعله مطمئناً إلى أن رغبته في السفر إلى الدولة التي طالما رغب بها يوماً ستتحقق، لأنه تمكن من الحصول على ما يريد، وباستحقاق.

بعد أيام من انتهاء فترة الاختبار الشفهي والتحريري، أُعلن في لوحة الإعلانات المعلّقة في مدخل السفارة التي تعود للدولة التي أعلنت المسابقة للتدريس في ثانوياتها، فكان فتحي على رأس المتقدمين، محققاً بذلك العلامة التامّة في الاختبارين، ما دفع الإدارة المشرفة على المسابقة إلى الاتصال به على الفور وإعلامه النتيجة، ودعوته للقاء به لإنهاء تقديم ما يُطلب منه والإسراع في إحضار بقية الأوراق المطلوبة ليتمكن من السفر والالتحاق بالتدريس قبل بدء العام الدراسي الجديد، إلى حيث يرغب، وبعيداً عن أهله وصديق طفولته ساهر الذي سيترك أثراً عميقاً في فترة غيابه.

كان الوقت يجري مسرعاً مع استعداد فتحي للسفر والالتحاق بعمله الجديد بعد أن أُعلنَت أسماء المتسابقين الذين نجحوا، وإن كانت نسبة الناجحين في المسابقة تقتصر على عدد من المتميزين من الشباب القدوة الذين يستحقون علامة متفردة تؤهلهم القبول في المسابقة المعلنة.

أيام قليلة تفصل فتحي عن انطلاق موعد طائرته المتجهة إلى حيث سيكون مقعده الدراسي هناك بانتظاره للالتحاق بعمله الجديد مع عددٍ من المدرسين، وبعد أن انقضت الأيام التي تبعده عن السفر إلى حيث يرغب، ها هي الأيام تركض مسرعةً، وفتحي ينتظرها على أحرّ من الجَمر، وإن كانت والدته التي كانت تحبّه كثيراً تأمل في تأخر أيام سفره أياماً وأياماً، ولا سيما أنها لم تشبَع من رؤيته وتفرح به، لأنه كان يقضي جلّ وقته في الدراسة، في المدينة، بعيداً عن أهله وأخوته وأصدقائه...

حلّ موعد السفر، وحمل فتحي حقيبته وحاجياته وبعض كتبه التي تُعَدّ جزءاً رئيساً من اهتماماته، حملها معه في الطائرة، ورافقه في ذلك أصدقاؤه الجدد المتجهون إلى بلد جديد وحياة جديدة، إذ لم يسبق له أن خاض أمثال هذه التجربة بعيداً عن أهله ورفيق دربه الوحيد ساهر الذي بكاه طويلاً، وودعه بكل ودّ، متمنياً له حياة آمنة ومستقرة.

ساعات قليلة وتصل الطائرة التي تحمل المدرّس فتحي إلى البلد الجديد الذي كان قد حلم به قبل سنوات، مع بداية دراسته الثانوية العامّة وحصوله على شهادتها بتفوق، وأتبعها بنيله شهادة الدراسية الجامعية التي كانت بالنسبة إليه بمثابة مفترق الطرق في هذه الحياة التي أصعب ما فيها هو ما أصبح في متناول اليد بالنسبة إلى طالب مجدّ مثال فتحي الذي فتح أمامه باباً جديداً، وحلماً كذلك بعد أن قضى عديد السنوات وهو ينتظر هذه اللحظة، وبعد أن تنهّد من تعب السفر، ها هو يحطّ رحاله مع رفاقه الجدد في أرض جديدة، بانتظار أن تكون هي الهدف والمرمى بالنسبة إليه وإلى أسرته التي انتظرت تحقيقه بهدف طوى صفحات من الحاجة والذل، وتحقيق آمالها وانتشالها من بئر الفقر الذي خيّم بأسه عليه وعلى أسرته الفقيرة سنوات وسنوات.

كان فتحي الطالب المثابر في دراسته، جلداً ومتمرساً في الأعمال التي توكل إليه أياً كانت طبيعتها، ولا سيما أنه من أسرة عاشت في فقر وفاقة، وهذا كلّه لم يوقفه عن التعامل مع الصعاب التي تواجهه، وبسعادة غامرة يتقبلها، لأنه تجاوز في صباه وبداية شبابه أمثال الكثير من هذه الصور المؤسية، وهو ابن القرية الذي لم يتأفّف يوماً من خوضه أعمالاً مجهدة كان يقوم بها لقاء ما يتطلب منه، ومساعدة والده على إعالة أسرته وأخوته في هذه الحياة.

 كل هذه الصعاب لم تقلّل من شأنه أو تفتر همته وعزيمته، بل كانت تزيده قوةً وتألقاً، ولم تقف حجر عثرة في تحقيق نجاحه وفي تجاوز ما يمكن أن يحول بينه وبين تجسيد بعض آماله ورغباته التي تقف أمامه بصورة دائمة موقفاً عادياً، لأنها لا تعني شيئاً بالنسبة إليه.

تجاوز فتحي كل هذه الصورة السيئة، وإن كانت تسدّ عليه طريق نجاحه وتفوقه، إلّا أن ذلك كان يدفعه، إذا تعثّر، نحو تقويم نفسه والحد من كل ما يمكن أن يعوّق طريقه الشائك!

 لملم المدرس فتحي آخر ما تبقى له، وهو مسافر باتجاه مكان إقامته الجديد في دولة يزورها للمرة الأولى، ولم يتأثّر بالغربة والبعد عن أهله وأصدقائه، لأنه ارتوى منها وهو في سنّ الدراسة الثانوية، وحتى في إكمال دراسته الجامعية حيث إقامته في المدينة الكبيرة التي احتضنته لفترة طويلة.

وصل إلى مكان إقامته الجديد، القريب من مدرسته التي ستكون بيته الأول في غربته، وهو مكان عمله الذي سيقضي فيه ساعات طويلة.

 كانت رغبة فتحي كبيرة جداً، ومخزونه العلمي والفكري لا حدود له، كل هذا سيفعّله ويلقي به أمام طلابه الجدد الذين سيلتقي بهم يوم غد، وهو اليوم الأول الذي سيكون موعده مع مدير المدرسة الثانوية وطلابها.

 في اليوم التالي صحا من نومه مُبكراً كعادته، وبعد أن خلص من ترتيب مسكنه، ولبس ملابسه الجديدة التي تليق به كمدرس متميّز، توجّه إلى مدرسته ودخلها بحب غريب لم يعرفه من قبل، وتوجه إلى غرفة المدير الذي عرّفه بنفسه وسلّمه ما بحوزته من أوراق رسمية بخصوص تعيينه مدرساً في المدرسة. رحّب به مدير المدرسة وعرّفه إلى زملائه البقية من المدرسين الذين كانوا جالسين في غرفته، وبعد ذلك أخذه إلى الصف الدراسي الذي سيعلّم طلابه مادة علم الاجتماع، بالإضافة إلى مقرّر التاريخ، فضلاً عن بقية الصفوف الأخرى التي سيكون له محطّات فيها وسيتوقف عندها كثيراً.

في الصف، التقى الأستاذ فتحي بالطلبة الجدد، طلاب الصف الثالث الثانوي الأدبي، وعرّفهم بدوره إلى نفسه، كما عرّفوه إلى أنفسهم وأخذوا يبادلونه الود والاحترام مع أوّل يوم دراسي...

بعد ساعات أنهى الأستاذ فتحي الفترة المخصصة له في المدرسة بعد إعطاء الطلاب عدداً من الدروس خلال الفترة التي قضاها، وكان مقنعاً بإعطائه، وفرحاً بطلابه الجدد الذين فرحوا أيضاً به، وبأسلوبه السلس البسيط المشوّق في كيفية تلقي المعلومة وحفظها بكل سهولة، متمنياً لهم نجاحاً موفقاً وتألقاً يليق بهم، وأبدوا تحمسهم في استعدادهم لفهم ما يطلب منهم لتحقيق أحلامهم في مستقبل زاهر.

كانت فرحة فتحي لا تضاهيها فرحة أخرى برضاه عن طلابه وتميّزهم، واحترامهم له، وكان أغلبهم في امتحاناتهم ينالون العلامة الكاملة في المادتين اللتين يدرّسهما للطلاب، وهذا ما دفع بهم إلى حب هاتين المادتين. وكان لإدارة المدرسة رأيها فيه، حيث لفت إليه أنظار الجميع، ما يعني أنه طالما ما كان يكافأ بشهادات تكريم، فضلاً عن المكافآت المالية التي تمنح له، والتي كانت تحفّزه أكثر على العطاء وتقديم الأفضل، وهذا كلّه هيّأ أمامه طريق النجاح تلو الآخر، ناقلاً ذلك إلى أسرته التي طالما يغدق عليها الكثير من المال لسدّ حاجتها، ولتأمين مستقبل أخوته، ومساعدة والديه الطاعنين في السن.

 وبعد انقضاء سنوات على غربته وانتهاء فترة تعاقده الذي مُدِّد أكثر مرّة، عاد إلى بلده وإلى أهله، تاركاً وراءه الكثير من الذكريات الجميلة، والأيام السعيدة التي قضاها في بلد أحبّه أهله وأكرموه، وساهم في تفوّق أبنائه، وسار بهم نحو تحقيق أهداف تسمو بالعلم والمعرفة، وتحترم المتفوقين من أبنائه الذين تحقق لهم ما أرادوا، وما تركه من أثر طيّب في نفوسهم، ما جعلهم دائماً في تذكره، وفي تسابقهم على مساعدته مادياً، وهو في المقابل لم يبخل يوماً في العطاء، فكان مثال المدرس الناجح والأب الروحي لأبنائه الطلاب الذين كانوا يبادرون بمراسلته بصورةٍ مستمرة ويبادلونه الاحترام والود.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: عبد الكريم البلخ الأب الروحي المدرس الناجح الشباب القدوة العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 10 ديسمبر 2019 | كان لبعض الرعاع من أبناء الرَّقّة التي غزاها "داعش"، وما زالت إلى اليوم سجينة لم تتحرر من عصابات "قسد"، دورهم وأذيتهم في الحياة تجاه إخوتهم البسطاء الذين لا حول لهم ولا قوّة، بعد أن كانوا يعيشون في خبر كان..
    • مشاركة
  • 4 ديسمبر 2019 | كان حبّي للسفر والترحال، ومنذ نعومة أظفاري، لا تحدّه حدود أو تقف في وجهه أيّ مصاعب أو تحديات، بل إنّني كنت أحب خوض غماره برغبة عارمة مهما كانت العوارض التي تقف أمامه خطيرة وميؤوساً منها!..
    • مشاركة
  • 21 نوفمبر 2019 | فرض الحراك الشعبي واسع الطيف في كل من العراق ولبنان نفسه على القيادات الحاكمة في هذين البلدين المحكومين بالطوائف الدينية، وتملي عليه مرجعياته ما يمكن أن يناقض واقعاً مريراً..
    • مشاركة
  • 8 نوفمبر 2019 | المحطّة الوحيدة المتعبة التي كان لها تأثيرها المباشر على العلاقة الحميمية التي جمعتني مع كل من علي وحسين وفهد، وهم في طريقهم إلى حيث يعيش عيسى الذي عانى الكثير نتيجة الحرب الضروس التي حصدت بيته وما يملك.
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي من مواليد مدينة الرقّة السوريّة. حصل على شهادة جامعيَّة في كلية الحقوق من جامعة بيروت العربية. عمل في الصحافة الرياضية. واستمرّ كهاوي ومحترف في كتابة المواد التي تتعلق بالتراث والأدب والتحقيقات الصحفية.
الأكثر مشاهدة