alaraby-search
الأربعاء 30/10/2019 م (آخر تحديث) الساعة 17:12 بتوقيت القدس 15:12 (غرينتش)
الطقس
errors

قرأت لك: صنع العادات (1)

30 أكتوبر 2019

نبذة عن المدون

كاتب مقال ومدون
الأكثر مشاهدة
قبل أيام، قرأت كتاباً جديداً يحمل اسم "صنع العادات، كسر العادات"، مؤلفه طبيب نفسي يدعى جيرمي دين، مهتم بتشكيل العادات الجديدة، وله مدونة على شبكة الإنترنت يضيف من خلالها الدراسات الحديثة المتعلقة بالموضوع نفسه.

تناول الكتاب تكوين العادات الجديدة، وتغيير العادات غير المرغوبة من منظور نفسي؛ فالكتاب وإن جاء عنوانه تحت تصنيف كتب التنمية الذاتية، إلا أنه يناقش الفكرة من جانب نفسي، ويلتقي مع كتاب آخر في هذه النقطة، كتاب قوة العادات لتشارلز دويج، وثمة فروق بين الكتابين سنعرض لكلٍ في حينه.

قسّم دين كتابه إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول بعنوان تشريح العادة في أربعة فصول (ميلاد العادة، العادات في مقابل النيات معركة غير متكافئة، ربانك الآلي السري، لا تفكر افعلها وحسب)، ثم الجزء الثاني وعنوانه العادات اليومية في أربعة فصول (الروتين اليومي، مُحاصر في حلقة مفرغة من الإحباط، حينما تقتلنا العادات السيئة، متصل بالإنترنت طوال الوقت)، أما الجزء الثالث والأخير فعنوانه تغيير العادات، وتندرج تحته خمسة فصول (بناء العادات، التخلص من العادات، العادات الصحية، العادات الإبداعية، العادات السعيدة).


في الفصل الأول، يناقش دين تكوين العادة الجديدة تحت عنوان ميلاد العادات، ويحدد خصائص العادة الجديدة في ثلاث نقاط: الآلية/ التلقائية، وانعدام المشاعر المصاحبة والوضوح. الآلية تشير إلى ممارسة العادة دون تفكير فيها، قارن مثلاً بين قيادتك للسيارة الآن والمرة الأولى لجلوسك على مقعد القيادة. في المرة الأولى كنت تؤدي كل حركة بشكل واعٍ، يستطيع كل من شاهدك لحظتها أن يجزم بأنك تتعلم القيادة، لكن الأمر اختلف كلياً، ومبعث ذلك أن الدور الأول (العقل الواعي)، إلى الدور الثاني (العقل الباطن).

كل حركة أو سكنة نمارسها لا بدّ أن تمرّ بالعقل الواعي، العقل المحلل المنطقي، لكن بلوغها العقل الباطن يجردها من المنطقية، ويخلع عليها صفة الآلية أو التلقائية. من ذلك، ندرك أن العادات تترسخ في العقل الباطن، وكل ممارسة لم تصل إلى العقل الباطن لا تسمى عادة. وصول مرحلة الآلية/ التلقائية في ممارسة العادات يستلزم التكرار، وعلى طريقة بروس لي "لا يخيفني من يتدرب على ألف ضربة، بل أخاف بشدة من يتدرب على ضربة واحدة ألف مرة"؛ فالتكرار يؤدي إلى إتقان المهارة ورسوخها في العقل الباطن، ما يترتب عليه التلقائية الشديدة.

الخاصية الثانية للعادات، غياب المشاعر المصاحبة، وهي ناتجة من آلية ممارسة العادة، ففي قيادتك السيارة تشعر في المرات الأولى بسعادة، لكن السعادة تختفي دريجاً مع الأعمال اليومية والمسافات الطويلة المرهقة من القيادة.

وليسمح لي القارئ العزيز بأن أختلف مع جيرمي دين في نقطة؛ فهو يقول بانعدام المشاعر المصاحبة، بينما يرى كاتب هذه السطور "غياب المشاعر" وليس انعدامها، لأن المشاعر تظل موجودة لكن درجة ارتباطها بالعادة تضعف وتنزوي، وتنتقل إلى أشياء أخرى قريبة الصلة بها. تنتقل المشاعر من المستوى الأول، وهو المستوى السهل، إلى مستويات أخرى متعلقة بالعادة لكنها أكثر صعوبة وتتطلب مزيداً من الجهد وبعض التغييرات لتحريك المشاعر.

الخاصية الثالثة المرتبطة بالعادات تتمثل بالوضوح، وعلى طريقة البردوني "كاد من شهرة اسمه لا يُسمى"؛ فالعادة تكون واضحة، لدرجة أن المرء لا يلاحظها في أغلب الأوقات. فكّر مثلاً في سلوكك اليومي فور نهوضك من الفراش وحتى الوصول إلى عملك، ستكتشف أنك لم تنتبه لكثيرٍ من هذه الممارسات، ليس لأنها لوغاريتمات أو لتفاهتها، بل لأنها شديدة الوضوح لم تشغل بالك بالتفكير عنها سلفاً.

لكنك ستشعر بهذه الممارسات إن اختلف السياق؛ فإن انتقلت إلى منزل جديد، أو اشتريت سيارة جديدة، أو انتقلت إلى بيئة عمل مغايرة، يختلف السياق المصاحب لعاداتك اليومية، وتجد أنك تمارس بعض العادات القديمة غير المناسبة للسياق الجديد، وتظل على ذلك مدة حتى تُفعّل خاصية التكرار والآلية/التلقائية، إلى أن تتكيف مع السياق الجديد، وهكذا دواليك.

في الفصل الثاني، تجد تقسيماً للنيات (قوية - ضعيفة) وآخر للعادات (قوية - ضعيفة)، وفي معظم الحالات فإن العادة تقهر النيات الطيبة، وهذا يبرر عزوف العملاء عن شراء بعض السلع رغم العروض المغرية عليها، ويشترون سلعاً أخرى أعلى تكلفة مادية، بدافع قوة العادة. يحدث أن نستنتج نياتنا من عاداتنا دون انتباه، ما يعرف بالتفكير الاستقرائي، وفيه ينطلق المرء من الجزء إلى الكل، ومن العادة إلى العقيدة والنية، ما يدعم مقولة تسويقية رائجة مفادها "أن الناس يشترون بالعاطفة ويبررون بالمنطق"، وبإمكاننا إجراء تغيير طفيف عليها لتصبح "الناس يشترون (بالعادة) ويبررون بالمنطق".

نفيد من ذلك أن الإنسان يدور في فلك عمليتين متناقضتين: تكوين عادات عن قصد لغرض محدد، أو استنتاج نيات ومقاصد معينة من سلوكيات ما، لكن تتبع التداخل بين هاتين العمليتين يقودنا إلى دور قوة العادة مقارنة بقوة النية في ترجيح إحدى العمليتين على صاحبتها؛ فالعادة القوية تقهر النية، والعادة الضعيفة قد تتطامن للنية الطيبة أو تغلبها وفق السياق المحيط.

يتعين عليك أن تميز بين العادات القوية التي تقودك، والعادات الضعيفة التي تسيطر عليها، وهذا يفيدك كثيراً في تحديد كيفية تغيير العادات القوية السلبية في حياتك، ومنها التدخين والنوم بعد تناول الطعام مباشرة، وإدمان تناول الوجبات السريعة وغيرها.

أما الفصلان الثالث والرابع، فيمكنك جمعهما تحت مسمى واحد، دور العقل الباطن في تشكيل العادات، وقد عرض دين عدداً من الأمثلة تنوعت ما بين الطرافة والغرابة، لكن الرابط الرئيس بينها التطرف، ونريد بالتطرف أنه جاء بأمثال من أقاصي الاضطرابات النفسية، حديثه عن السلوك النفعي و"متلازمة اليد الغريبة"، وتعمد ذلك ليقول إن الشخص العادي بمقدوره التكيف مع الأمور، قياساً على قدرة هؤلاء المرضى على التكيف وتحقيق قفزات إيجابية في مجال تكوين عادات جديدة وتغيير عادات قديمة.

ينصح دين باستيعاب الانفصال بين الهدف والعادة، وفكّ الارتباط بينهما قدر المستطاع؛ فأنت تلتقي أصدقاءك للترويح عن النفس، وهذا الهدف من اللقاء، لكن أصدقاءك يلتهمون كميات كبيرة من الأطعمة السريعة بغرض التسلية أثناء اللقاء، وهذه عادة ارتبطت بتجمعكم؛ فلتحافظ على الهدف ولتحاول جاهداً تغيير مكان التجمع أو توقيته، ما يسهم في تغيير العادة مع الحفاظ على الهدف.

في الفصل الخامس، يدحض المؤلف فكرة طال رواجها تلعن الروتين اليومي، وتلصق به كل ملل يعلق بالنفس والحياة، ويؤكد أن الروتين يشكّل الصورة العامة للمرء والعائلة، ويخلع عليه صفة التميز عن غيره، أما الروتين على صعيد العمل فيوفر الوقت والجهد، ويساعد في إنجاز قدر كبير جداً من المهام. ونظراً لأن التكرار روتين، والتكرار جزء رئيس من تكوين العادات؛ فإنه يستعرض بعض العادات الاجتماعية، وعادات العمل والانتقال وتناول الطعام والتسوق، ويقدم رؤية موجزها أن بعض الأعمال الروتينية يحفظ حياتنا، في حين أن جزءاً آخر من الروتين ينغِّص على كثيرين حياتهم، واكتشاف النوعين والتمييز بينهما الوسيلة المثلى للحياة المتوازنة.

ثم يأتي الفصل السادس، وفيه يستعرض الكاتب عدداً من الاضطربات النفسية، مثل متلازمة توريت والوسواس القهري والقلق والاكتئاب، وهو يعزز لدى الإنسان الطبيعي شعور التغلب على المنغصات الحياتية، ويستشهد في ذلك بتكيف أترابهم من المرضى النفسيين وتعافيهم. يعمد الأطباء والمرشدون النفسيون إلى تدريب المرضى، ومنها تدريب مرضى الوسواس القهري ومتلازمة توريت المسمى "التدريب على عكس العادة"، ويجب الانتباه إلى المسمى؛ فليس "التدريب على التخلص من العادة" بل تبني عادة عكسية، وذلك لأن العادات لا تختفي للأبد، لكنها تنزوي في "العقد القاعدية" بالعقل الباطن.

ينطوي تدريب عكس العادة على مرحلتين: أولاً الوعي بالعادة، ثانياً توفير استجابة منافسة، ويتوقف نجاح هذا التدريب على عوامل أهمها دافع المرء وقوة إرادته وقدرته على الاستمرار. أما مرضى الاكتئاب، فإن "الإلهاء" أفضل استراتيجية تناسبهم، ولا تتناسب معهم استراتيجية "الاجترار"؛ لأنهم يعانون تدنياً حاداً في الثقة بالنفس ومستوى أقل من التحيز الذاتي، ما يجعل الاجترار سبيلاً لزيادة معاناتهم وربما يدفعهم إلى الانتحار.

من خلال 114 دراسة طبية أجريت على آلاف المرضى النفسيين، قارنت إحدى الدراسات بين الاجترار وغيره من الاستراتيجيات، فاكتشفت أن الاجترار هو الاستراتيجية الأكثر ارتباطاً بالأمراض النفسية، بما في ذلك اضطرابات الأكل والإدمان والقلق والاكتئاب. بينما يستعرض الفصل السابع قصة واقعية ويناقشها، وينصح كاتب هذه السطور القارئ العزيز بمشاهدة الفيلم الوثائقي الذي يستعرض تفاصيل القصة بتوسع، وهو الحلقة الثالثة من الموسم 17 لبرنامج تحقيقات الكوارث الجوية بعنوان "الالتهاء القاتل"، ويمكنه بعدها قراءة الفصل السابع من الكتاب إمعاناً في الإفادة. وبشكلٍ سريع، فإن الفصل يؤطر لبعض الهفوات أو العادات الصغيرة التي تنجم عنها أخطاء مدمرة، ويبين مغزى استعمال قوائم المراجعة في الطائرات.

يدور الفصل الثامن في فلك الإنترنت، الشبكة التي تلتهم معظم أوقاتنا في عصر التكنولوجيا والثورة الرقمية، وبلغة علم النفس السلوكي يرى المؤلف أن البقاء على الإنترنت لساعات طويلة مؤذٍ نفسياً، ويرفض تسمية ذلك بـ"الإدمان"، لكنه يطلق عليه "خلل في إدارة الذات"، لكن المؤلف لا يقدّم نصائح كافية للتخلص من هذا العبء المتزايد، لذلك يقترح كاتب هذه السطور على القارئ الكريم قراءة كتاب "كيف تفصل الكمبيوتر والهاتف.. تحرر من أجهزتك الإلكترونية وانعم بحياتك"، وهو كتاب صغير الحجم مزوّد برسومات، من تأليف روس ديكينسون، يمدّ القارئ بمجموعة من النصائح العملية المفيدة، وفيه يقدّر ديكينسون لكل مهمة درجة صعوبة، ويبدأ معك بالأمور السهلة.

يمكن كذلك الاطلاع على كتاب "كيف تقطع علاقتك بهاتفك"، تأليف كاثرين برايس، وفي هذين الكتابين الكفاية والغُنية لمن أراد أن ينعم بفاصلٍ طويل من العلاقة المزمنة بالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

بهذا نكون قد تعرفنا مُجملاً إلى الجزأين الأول والثاني من الكتاب، ويبقى لنا التطواف في جزئه الثالث والأخير، ولأهميته القصوى سنفرد له مقالاً مستقلاً، إن قُدِّر الله لنا البقاء.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: قرأت لك صنع العادات المشاعر الاضطربات النفسية الإنترنت العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 17 نوفمبر 2019 | نادى على الجرسون وطلب منه نصف كوب من الشاي ونصف فنجان من القهوة! وقف الشاب أمامه مبهوتًا، وهمس له بأدبٍ جم: إيه اللي بتقوله حضرتك؟ أنا مسمعتش الطلب ده لا هنا ولا في أي مكان!..
    • مشاركة
  • 13 نوفمبر 2019 | يُكثِر الناس مما يحبونه، وإن قتلهم. فكِّر في الأكل مثلاً، يدفعهم إلى ذلك حافز داخلي أو فضول لا يجدون له تبريراً، وقد يحشرون أشياء لا رابط بينها، لا لشيءٍ إلا لأنهم لا يعرفون غيرها.
    • مشاركة
  • 11 نوفمبر 2019 | في الخامس والعشرين من يوليو/تموز الماضي، فاز الشاب مصطفى التواني بجائزة معهد غوته للقصص القصيرة، لم يكن طموحه -إن أفرط في التفاؤل- أن يكون بين المراكز الأولى، ومع ذلك فقد فاز بالجائزة..
    • مشاركة
  • 3 نوفمبر 2019 | أليس فيكم رجل رشيد؟ أليس فيكم قاضٍ رحيم؟ ألم تسمعوا ولو على سبيل الخطأ اسم فرانك كابريو، وكيف لقبوه في بلاد الكفار "القاضي الرحيم"؛ أيقترن القضاء بالرحمة في بلاد العم سام، ويصر أتباع خير الأنام أن يلصقوا القضاء بالقهر..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب مقال ومدون
الأكثر مشاهدة

قرأت لك: صنع العادات (1)

30 أكتوبر 2019

نبذة عن المدون

كاتب مقال ومدون
الأكثر مشاهدة
قبل أيام، قرأت كتاباً جديداً يحمل اسم "صنع العادات، كسر العادات"، مؤلفه طبيب نفسي يدعى جيرمي دين، مهتم بتشكيل العادات الجديدة، وله مدونة على شبكة الإنترنت يضيف من خلالها الدراسات الحديثة المتعلقة بالموضوع نفسه.

تناول الكتاب تكوين العادات الجديدة، وتغيير العادات غير المرغوبة من منظور نفسي؛ فالكتاب وإن جاء عنوانه تحت تصنيف كتب التنمية الذاتية، إلا أنه يناقش الفكرة من جانب نفسي، ويلتقي مع كتاب آخر في هذه النقطة، كتاب قوة العادات لتشارلز دويج، وثمة فروق بين الكتابين سنعرض لكلٍ في حينه.

قسّم دين كتابه إلى ثلاثة أجزاء: الجزء الأول بعنوان تشريح العادة في أربعة فصول (ميلاد العادة، العادات في مقابل النيات معركة غير متكافئة، ربانك الآلي السري، لا تفكر افعلها وحسب)، ثم الجزء الثاني وعنوانه العادات اليومية في أربعة فصول (الروتين اليومي، مُحاصر في حلقة مفرغة من الإحباط، حينما تقتلنا العادات السيئة، متصل بالإنترنت طوال الوقت)، أما الجزء الثالث والأخير فعنوانه تغيير العادات، وتندرج تحته خمسة فصول (بناء العادات، التخلص من العادات، العادات الصحية، العادات الإبداعية، العادات السعيدة).


في الفصل الأول، يناقش دين تكوين العادة الجديدة تحت عنوان ميلاد العادات، ويحدد خصائص العادة الجديدة في ثلاث نقاط: الآلية/ التلقائية، وانعدام المشاعر المصاحبة والوضوح. الآلية تشير إلى ممارسة العادة دون تفكير فيها، قارن مثلاً بين قيادتك للسيارة الآن والمرة الأولى لجلوسك على مقعد القيادة. في المرة الأولى كنت تؤدي كل حركة بشكل واعٍ، يستطيع كل من شاهدك لحظتها أن يجزم بأنك تتعلم القيادة، لكن الأمر اختلف كلياً، ومبعث ذلك أن الدور الأول (العقل الواعي)، إلى الدور الثاني (العقل الباطن).

كل حركة أو سكنة نمارسها لا بدّ أن تمرّ بالعقل الواعي، العقل المحلل المنطقي، لكن بلوغها العقل الباطن يجردها من المنطقية، ويخلع عليها صفة الآلية أو التلقائية. من ذلك، ندرك أن العادات تترسخ في العقل الباطن، وكل ممارسة لم تصل إلى العقل الباطن لا تسمى عادة. وصول مرحلة الآلية/ التلقائية في ممارسة العادات يستلزم التكرار، وعلى طريقة بروس لي "لا يخيفني من يتدرب على ألف ضربة، بل أخاف بشدة من يتدرب على ضربة واحدة ألف مرة"؛ فالتكرار يؤدي إلى إتقان المهارة ورسوخها في العقل الباطن، ما يترتب عليه التلقائية الشديدة.

الخاصية الثانية للعادات، غياب المشاعر المصاحبة، وهي ناتجة من آلية ممارسة العادة، ففي قيادتك السيارة تشعر في المرات الأولى بسعادة، لكن السعادة تختفي دريجاً مع الأعمال اليومية والمسافات الطويلة المرهقة من القيادة.

وليسمح لي القارئ العزيز بأن أختلف مع جيرمي دين في نقطة؛ فهو يقول بانعدام المشاعر المصاحبة، بينما يرى كاتب هذه السطور "غياب المشاعر" وليس انعدامها، لأن المشاعر تظل موجودة لكن درجة ارتباطها بالعادة تضعف وتنزوي، وتنتقل إلى أشياء أخرى قريبة الصلة بها. تنتقل المشاعر من المستوى الأول، وهو المستوى السهل، إلى مستويات أخرى متعلقة بالعادة لكنها أكثر صعوبة وتتطلب مزيداً من الجهد وبعض التغييرات لتحريك المشاعر.

الخاصية الثالثة المرتبطة بالعادات تتمثل بالوضوح، وعلى طريقة البردوني "كاد من شهرة اسمه لا يُسمى"؛ فالعادة تكون واضحة، لدرجة أن المرء لا يلاحظها في أغلب الأوقات. فكّر مثلاً في سلوكك اليومي فور نهوضك من الفراش وحتى الوصول إلى عملك، ستكتشف أنك لم تنتبه لكثيرٍ من هذه الممارسات، ليس لأنها لوغاريتمات أو لتفاهتها، بل لأنها شديدة الوضوح لم تشغل بالك بالتفكير عنها سلفاً.

لكنك ستشعر بهذه الممارسات إن اختلف السياق؛ فإن انتقلت إلى منزل جديد، أو اشتريت سيارة جديدة، أو انتقلت إلى بيئة عمل مغايرة، يختلف السياق المصاحب لعاداتك اليومية، وتجد أنك تمارس بعض العادات القديمة غير المناسبة للسياق الجديد، وتظل على ذلك مدة حتى تُفعّل خاصية التكرار والآلية/التلقائية، إلى أن تتكيف مع السياق الجديد، وهكذا دواليك.

في الفصل الثاني، تجد تقسيماً للنيات (قوية - ضعيفة) وآخر للعادات (قوية - ضعيفة)، وفي معظم الحالات فإن العادة تقهر النيات الطيبة، وهذا يبرر عزوف العملاء عن شراء بعض السلع رغم العروض المغرية عليها، ويشترون سلعاً أخرى أعلى تكلفة مادية، بدافع قوة العادة. يحدث أن نستنتج نياتنا من عاداتنا دون انتباه، ما يعرف بالتفكير الاستقرائي، وفيه ينطلق المرء من الجزء إلى الكل، ومن العادة إلى العقيدة والنية، ما يدعم مقولة تسويقية رائجة مفادها "أن الناس يشترون بالعاطفة ويبررون بالمنطق"، وبإمكاننا إجراء تغيير طفيف عليها لتصبح "الناس يشترون (بالعادة) ويبررون بالمنطق".

نفيد من ذلك أن الإنسان يدور في فلك عمليتين متناقضتين: تكوين عادات عن قصد لغرض محدد، أو استنتاج نيات ومقاصد معينة من سلوكيات ما، لكن تتبع التداخل بين هاتين العمليتين يقودنا إلى دور قوة العادة مقارنة بقوة النية في ترجيح إحدى العمليتين على صاحبتها؛ فالعادة القوية تقهر النية، والعادة الضعيفة قد تتطامن للنية الطيبة أو تغلبها وفق السياق المحيط.

يتعين عليك أن تميز بين العادات القوية التي تقودك، والعادات الضعيفة التي تسيطر عليها، وهذا يفيدك كثيراً في تحديد كيفية تغيير العادات القوية السلبية في حياتك، ومنها التدخين والنوم بعد تناول الطعام مباشرة، وإدمان تناول الوجبات السريعة وغيرها.

أما الفصلان الثالث والرابع، فيمكنك جمعهما تحت مسمى واحد، دور العقل الباطن في تشكيل العادات، وقد عرض دين عدداً من الأمثلة تنوعت ما بين الطرافة والغرابة، لكن الرابط الرئيس بينها التطرف، ونريد بالتطرف أنه جاء بأمثال من أقاصي الاضطرابات النفسية، حديثه عن السلوك النفعي و"متلازمة اليد الغريبة"، وتعمد ذلك ليقول إن الشخص العادي بمقدوره التكيف مع الأمور، قياساً على قدرة هؤلاء المرضى على التكيف وتحقيق قفزات إيجابية في مجال تكوين عادات جديدة وتغيير عادات قديمة.

ينصح دين باستيعاب الانفصال بين الهدف والعادة، وفكّ الارتباط بينهما قدر المستطاع؛ فأنت تلتقي أصدقاءك للترويح عن النفس، وهذا الهدف من اللقاء، لكن أصدقاءك يلتهمون كميات كبيرة من الأطعمة السريعة بغرض التسلية أثناء اللقاء، وهذه عادة ارتبطت بتجمعكم؛ فلتحافظ على الهدف ولتحاول جاهداً تغيير مكان التجمع أو توقيته، ما يسهم في تغيير العادة مع الحفاظ على الهدف.

في الفصل الخامس، يدحض المؤلف فكرة طال رواجها تلعن الروتين اليومي، وتلصق به كل ملل يعلق بالنفس والحياة، ويؤكد أن الروتين يشكّل الصورة العامة للمرء والعائلة، ويخلع عليه صفة التميز عن غيره، أما الروتين على صعيد العمل فيوفر الوقت والجهد، ويساعد في إنجاز قدر كبير جداً من المهام. ونظراً لأن التكرار روتين، والتكرار جزء رئيس من تكوين العادات؛ فإنه يستعرض بعض العادات الاجتماعية، وعادات العمل والانتقال وتناول الطعام والتسوق، ويقدم رؤية موجزها أن بعض الأعمال الروتينية يحفظ حياتنا، في حين أن جزءاً آخر من الروتين ينغِّص على كثيرين حياتهم، واكتشاف النوعين والتمييز بينهما الوسيلة المثلى للحياة المتوازنة.

ثم يأتي الفصل السادس، وفيه يستعرض الكاتب عدداً من الاضطربات النفسية، مثل متلازمة توريت والوسواس القهري والقلق والاكتئاب، وهو يعزز لدى الإنسان الطبيعي شعور التغلب على المنغصات الحياتية، ويستشهد في ذلك بتكيف أترابهم من المرضى النفسيين وتعافيهم. يعمد الأطباء والمرشدون النفسيون إلى تدريب المرضى، ومنها تدريب مرضى الوسواس القهري ومتلازمة توريت المسمى "التدريب على عكس العادة"، ويجب الانتباه إلى المسمى؛ فليس "التدريب على التخلص من العادة" بل تبني عادة عكسية، وذلك لأن العادات لا تختفي للأبد، لكنها تنزوي في "العقد القاعدية" بالعقل الباطن.

ينطوي تدريب عكس العادة على مرحلتين: أولاً الوعي بالعادة، ثانياً توفير استجابة منافسة، ويتوقف نجاح هذا التدريب على عوامل أهمها دافع المرء وقوة إرادته وقدرته على الاستمرار. أما مرضى الاكتئاب، فإن "الإلهاء" أفضل استراتيجية تناسبهم، ولا تتناسب معهم استراتيجية "الاجترار"؛ لأنهم يعانون تدنياً حاداً في الثقة بالنفس ومستوى أقل من التحيز الذاتي، ما يجعل الاجترار سبيلاً لزيادة معاناتهم وربما يدفعهم إلى الانتحار.

من خلال 114 دراسة طبية أجريت على آلاف المرضى النفسيين، قارنت إحدى الدراسات بين الاجترار وغيره من الاستراتيجيات، فاكتشفت أن الاجترار هو الاستراتيجية الأكثر ارتباطاً بالأمراض النفسية، بما في ذلك اضطرابات الأكل والإدمان والقلق والاكتئاب. بينما يستعرض الفصل السابع قصة واقعية ويناقشها، وينصح كاتب هذه السطور القارئ العزيز بمشاهدة الفيلم الوثائقي الذي يستعرض تفاصيل القصة بتوسع، وهو الحلقة الثالثة من الموسم 17 لبرنامج تحقيقات الكوارث الجوية بعنوان "الالتهاء القاتل"، ويمكنه بعدها قراءة الفصل السابع من الكتاب إمعاناً في الإفادة. وبشكلٍ سريع، فإن الفصل يؤطر لبعض الهفوات أو العادات الصغيرة التي تنجم عنها أخطاء مدمرة، ويبين مغزى استعمال قوائم المراجعة في الطائرات.

يدور الفصل الثامن في فلك الإنترنت، الشبكة التي تلتهم معظم أوقاتنا في عصر التكنولوجيا والثورة الرقمية، وبلغة علم النفس السلوكي يرى المؤلف أن البقاء على الإنترنت لساعات طويلة مؤذٍ نفسياً، ويرفض تسمية ذلك بـ"الإدمان"، لكنه يطلق عليه "خلل في إدارة الذات"، لكن المؤلف لا يقدّم نصائح كافية للتخلص من هذا العبء المتزايد، لذلك يقترح كاتب هذه السطور على القارئ الكريم قراءة كتاب "كيف تفصل الكمبيوتر والهاتف.. تحرر من أجهزتك الإلكترونية وانعم بحياتك"، وهو كتاب صغير الحجم مزوّد برسومات، من تأليف روس ديكينسون، يمدّ القارئ بمجموعة من النصائح العملية المفيدة، وفيه يقدّر ديكينسون لكل مهمة درجة صعوبة، ويبدأ معك بالأمور السهلة.

يمكن كذلك الاطلاع على كتاب "كيف تقطع علاقتك بهاتفك"، تأليف كاثرين برايس، وفي هذين الكتابين الكفاية والغُنية لمن أراد أن ينعم بفاصلٍ طويل من العلاقة المزمنة بالإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي.

بهذا نكون قد تعرفنا مُجملاً إلى الجزأين الأول والثاني من الكتاب، ويبقى لنا التطواف في جزئه الثالث والأخير، ولأهميته القصوى سنفرد له مقالاً مستقلاً، إن قُدِّر الله لنا البقاء.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: قرأت لك صنع العادات المشاعر الاضطربات النفسية الإنترنت العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 17 نوفمبر 2019 | نادى على الجرسون وطلب منه نصف كوب من الشاي ونصف فنجان من القهوة! وقف الشاب أمامه مبهوتًا، وهمس له بأدبٍ جم: إيه اللي بتقوله حضرتك؟ أنا مسمعتش الطلب ده لا هنا ولا في أي مكان!..
    • مشاركة
  • 13 نوفمبر 2019 | يُكثِر الناس مما يحبونه، وإن قتلهم. فكِّر في الأكل مثلاً، يدفعهم إلى ذلك حافز داخلي أو فضول لا يجدون له تبريراً، وقد يحشرون أشياء لا رابط بينها، لا لشيءٍ إلا لأنهم لا يعرفون غيرها.
    • مشاركة
  • 11 نوفمبر 2019 | في الخامس والعشرين من يوليو/تموز الماضي، فاز الشاب مصطفى التواني بجائزة معهد غوته للقصص القصيرة، لم يكن طموحه -إن أفرط في التفاؤل- أن يكون بين المراكز الأولى، ومع ذلك فقد فاز بالجائزة..
    • مشاركة
  • 3 نوفمبر 2019 | أليس فيكم رجل رشيد؟ أليس فيكم قاضٍ رحيم؟ ألم تسمعوا ولو على سبيل الخطأ اسم فرانك كابريو، وكيف لقبوه في بلاد الكفار "القاضي الرحيم"؛ أيقترن القضاء بالرحمة في بلاد العم سام، ويصر أتباع خير الأنام أن يلصقوا القضاء بالقهر..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب مقال ومدون
الأكثر مشاهدة