alaraby-search
الثلاثاء 29/10/2019 م (آخر تحديث) الساعة 00:15 بتوقيت القدس 22:15 (غرينتش)
الطقس
errors

من ملامح الوجه الآخر لكبار كتّاب مصر (2/4)

29 أكتوبر 2019

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة
في مسألة أجور الكتاب وحقوقهم المادية، تروي عايدة الشريف أن أبرز المتشددين في المطالبة بحقوقه المادية من بين عرفتهم من الكتاب، كان الكاتب الكبير توفيق الحكيم الذي وافق على الظهور في برنامج (بورتريه) مع المذيع التلفزيوني الشهير طارق حبيب، واستفاض في حكاية ذكرياته التي أمتعت المشاهدين، لأنه حصل على عدة آلاف من الجنيهات لم تحددها عايدة، التي تحدثت عن الواقعة بشكل ينتقد الحكيم الذي لم يفعل شيئاً أكثر من طلب حقه خصوصاً أن البرنامج لم يكن يذاع فقط على التلفزيون المصري، بل كان يتم بيعه للقنوات العربية بأرقام كبيرة، وهو ما كان يعرفه توفيق الحكيم جيداً، في المقابل ترى عايدة الشريف أن نجيب محفوظ هو أكثر الكتاب تواضعاً في ما يطلبه من أجور عن البرامج التي يسجلها، وحين يقول له البعض إن ما يقوم بالحصول عليه قليل، يرد قائلاً بأنه كثير مقارنة بمرتبه الذي كان يحصل عليه في أول تعيين له بعد التخرج، والبالغ ثمانية جنيهات فقط.

تروي عايدة نقلاً عن المخرج الكبير صلاح أبو سيف أن النجم فريد شوقي سأله خلال الإعداد لفيلم (الأسطى حسن) الذي أنتجه فريد، عن الأجر الذي سيطلبه منه نجيب محفوظ نظير اشتراكه في كتابة السيناريو، وكان نجيب محفوظ وقتها من أهم وأشهر كتاب الرواية في مصر، ولذلك كان فريد متخوفاً من أن يطلب نجيب مبلغاً ضخماً يفوق طاقة شركته، ولم يصدق فريد حين قال له صلاح إن "نجيب ممكن يرضى بأجر مائتين جنيه"، لكن نجيب فاجأ الإثنين حين أجاب فريد عن سؤاله عما يطلبه أجراً له، حيث طلب مائة جنيه فقط، وشعر صلاح بالحرج خوفاً من أن يظن فريد أنه كان سيأخذ لنفسه باقي المبلغ مثلاً، لتزداد دهشة صلاح وفريد حين قام نجيب أثناء التصوير بوضع المائة جنيه التي حصل عليها من فريد في ظرف وأعطاه لفريد شوقي، قائلاً له إنه لا يستحق هذا المبلغ لأن كتابة السيناريو أفادته في تطوير سرده الروائي.

ستندهش أكثر حين تعرف أن نجيب محفوظ ظل من سنة 1961 وحتى سنة 1965 دون أن يصرف أجره عن إنتاج روايته (زقاق المدق) للسينما، لأن المنتج رمسيس نجيب أعطاه شيكاً بدون رصيد، وحين قامت عايدة الشريف بتسريب الخبر للصحف، غضب نجيب منها جداً لأنها ستحرجه مع رمسيس نجيب، ومع أن رمسيس اضطر بعد نشر الخبر لمنح نجيب حقه عن الرواية، إلا أنه لم يفعل ذلك ـ طبقاً لشهادة عايدة ـ إلا بعد أن اشترط عليه كتابة المعالجة السينمائية لعدة أعمال سينتجها، ليضرب أربعة عصافير بحجر واحد، ووافق نجيب على ذلك دون أن يقوم بإثارة أزمة.


في الوقت نفسه تروي عايدة أن نجيب محفوظ كان يرفض تسديد ثمن مشروبات ضيوفه من حساب مؤسسة السينما التي كان يرأسها، ويصر على دفع المشاريب من جيبه الخاص، كما كان يرفض العلاج على نفقة المؤسسة، وكان الأديب الوحيد الذي يدفع الضرائب عن أرباح رواياته حتى لو نشرت خارج مصر، وهو أمر لا تطلبه مصلحة الضرائب، وكان يدخر أجور الأحاديث الإذاعية والتلفزيونية لدفع نفقات عطلة الصيف التي يقضيها مع أسرته في الإسكندرية، وحدث في صيف سنة 1966 أن قام بصرف هذا المبلغ من البنك، وبعد خطوات ابتعد فيها عن البنك اكتشف أن المبلغ سرق من جيبه، فما كان منه إلا أن ألغى "التصييف" في تلك السنة، فقد كان حريصاً طيلة عمره على أن يكون إنفاقه في حدود دخله بالضبط.

ومع ذلك، تبقى طريقة نجيب محفوظ في إدارة شئونه المالية، أقل إبهاراً من طريقة الكاتب العظيم يحيى حقي الذي استكتبه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في (الأهرام) أيام عزها وسطوتها، فقال له يحيى حقي بهدوء: "يا ليتكم قلتم لي قبل ذلك بأيام، فقد تعاقدت على نشر مقالاتي مع جريدة التعاون"، كان توزيع صحيفة (التعاون) محدوداً للغاية، لكن يحيى حقي لم يتخلى عنها من أجل مبالغ (الأهرام) الضخمة، لأنه كان مؤمناً بأهمية الكتابة للعمال الذين لا يهتم أحد بالكتابة لهم، وحين استكتبه (الأهرام) ذات مرة في مناسبة خاصة، وأرسلت إليه أربعين جنيهاً مكافأة لمقالته، رفض استلامها قائلاً: "ده كتير هذه سرقة".

بالمناسبة حكى لي الكاتب الكبير لويس جريس خلال فترة عملي معه في قناة الـ ART أنه حين حاول هو وزميله الروائي العظيم فتحي غانم أن يستكتبا يحيى حقي في مؤسسة روز اليوسف، قال لهم إنه يفضل أن يستمر في الكتابة في (التعاون)، وحين سألاه عن سر تفضيله لها برغم محدودية توزيعها، قال لهم إنه يشعر فيها بالراحة النفسية وبالاحترام، ولذلك فهو لا يهتم بالتوزيع، لأنه يدرك أن كلماته ستصل يوماً لجمهور عريض، وهو ما حدث بالفعل، حين تم نشر مقالاته تلك في كتب رائعة، تفرغ الناقد الكبير فؤاد دوارة لجمعها في كتب كنا سنخسر كثيراً لو بقيت قراءة ما فيها من حظ ونصيب قراء (التعاون) فحسب.

تواصل عايدة الشريف في كتابها (شاهدة ربع قرن) استعراض أجور كبار الكتاب، فتشير إلى أن المفكر الدكتور جمال حمدان صاحب كتاب (شخصية مصر) أحد أشهر الكتب المصرية وأقلها قراءة، كان يحصل من صحيفة (الأهرام) على رقم ضخم هو مائة جنيه في المقالة الواحدة، وقد وافق على أن تحتكر الصحيفة كتاباته، وكان أجره عن مقالاته فيها مصدر رزقه الوحيد بعد تركه للجامعة. في زمن يسبق ذلك بكثير، كان عباس محمود العقاد يتقاضى أجورا متواضعة عن مقالاته، لكنه بعد أن لمس إقبال القراء على ما يكتبه، رفع سعره كثيراً، وأصبح يطلب في الكتاب الواحد ألف جنيه مكافأة من الناشر، وحين وجد استجابة من ناشره، قرر أن يطبع الكتاب الذي ألفه عن الزعيم سعد زغلول على حسابه، وحين واجهته أزمة مالية وهو يعد للكتاب، فتح باب الاشتراك في تحمل تكاليف طباعة الكتاب للقراء، وحين عرف طلعت حرب مؤسس بنك مصر بهذه الأزمة أمر بصرف سلفة مالية للعقاد من بنك مصر قدرها خمسمائة جنيه، وبرغم أن العقاد كان من أشهر وأنجح كتاب زمانه، إلا أنه حين تعرض لأزمة مالية في مطلع الخمسينات حاول التغلب عليها ببيع مكتبته، وحين علم الكاتب الشاب وقتها أحمد بهاء الدين بتلك الأزمة، اقترح على الأخوين مصطفى وعلي أمين أن يقوما بتعيين العقاد في صحيفة (أخبار اليوم)، وهو ما استجاب له الشقيقان اللذين منحا العقاد أعلى أجر يحصل عليه كاتب مقالات في صحف أخبار اليوم، فأنقذا مكتبته من الضياع.

منهج آخر في التعامل مع الصحافة وأجورها، كان يتبعه العلامة الشيخ محمود محمد شاكر، الذي عملت عايدة لفترة مساعدة له وكتبت عنه كتابها (قصة قلم) الصادر عن سلسلة (كتاب الهلال)، كان الشيخ شاكر يرفض استلام الأجور التي ترسلها له الصحف والمجلات كمكافأة عن مقالاته الصحفية، حيث أعاد لمجلة (العربي) الكويتية مائة وخمسين دولاراً أمريكياً أرسلتها إليه كمكافأة عن مقال كتبه رداً على الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح، كما رفض أن يستلم مكافأة قدرها ثلاثمائة جنية مصري من الأستاذ مصطفى نبيل رئيس تحرير مجلة (الهلال) كأجر عن نشر كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)، لكن الشيخ شاكر في المقابل كان يتشدد في تفاصيل وطريقة استلام أجره عن تحقيق كتب التراث، لأنه كان يعلم جيداً الميزانيات الكبيرة التي ترصد لنشر كتب التراث والأرباح التي تحصل عليها دور النشر عنها قبل نشرها أصلاً.


طبقاً لما جرت عليه العادة في بلادنا، لا تكتفي عايدة الشريف بالحديث عن الأوضاع المجحفة التي يعاني منها الكتاب والمفكرون، بل تنشغل بعقد مقارنات بين الأجور التي يحصلون عليها وما يحصل عليه الفنانون ولاعبو الكرة بل والأطباء، فبعد أن تروي واقعة سمعتها من الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور الذي قال لها إنه حين كان رئيساً للهيئة المصرية العامة للكتاب، سمع الفيلسوف الكبير الدكتور زكريا إبراهيم يقول بصوت خافت لزميله المفكر الدكتور فؤاد زكريا إن عليه أن يتشدد في طلب خمسة مليمات مقابل ترجمة الكلمة، بدلاً من أربعة مليمات، لأن ذلك سيجعله يحصل على مائة جنيه كمقابل لترجمة كتاب (الفيلسوف وفن الموسيقى)، وحين دارت الأيام وتولى الدكتور فؤاد زكريا مسئولية سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية الشهيرة، فوجئ بأن طبيباً كبيراً رفض عرضه بترجمة كتاب طبي للسلسلة مقابل 750 ديناراً كويتياً، وهو مبلغ كان أي مثقف يعتبره ثروة وقتها، لكن الطبيب الكبير رد عليه بأنه يمكن أن يحصل على هذا المبلغ من عمل أسبوع واحد في عيادته لو استقبل أربعة مرضى فقط في اليوم بدون أن يرهق فكره.

في نفس السياق، تقارن عايدة الشريف بين حصول عادل إمام على 16 ألف جنيه كأجر عن مسلسل (أحلام الفتى الطائر) من التلفزيون المصري، واشتراطه أن يرى عربة مرسيدس بيضاء أمام منزله كعربون قبل أن يسافر إلى الكويت ليعرض مسرحية (شاهد ما شافش حاجة)، بينما قضى أستاذ الأدب المقارن الدكتور محمد غنيمي هلال أربع سنوات للتدريس في السودان في جو كان يضر بصحته، لكي يشتري سيارة تريحه من عناء المواصلات لكنه مات قبل تحقيق هذا الحلم، وتقارن بين الوقت الذي كان مفكرو مصر وكتابها يقضونه في طرقات الإذاعة انتظاراً لصرف أجورهم عن ما يلقونه من أحاديث إذاعية، في حين كان عبد الحليم حافظ لا يقوم باستلام أجوره عن أحاديثه في الإذاعة، أما المقرئ الشهير الشيخ الحصري فقد كان يأتي لاستلام أجوره في الإذاعة ثم يفرقها على السعاة والفراشين.

كنت قد سألت الفنان الكبير عادل إمام عن الواقعة التي نشرتها عايدة الشريف في كتابه فأنكرها غاضباً، قائلاً لي إنه لم يكن يتعامل أبداً مع المنتجين والموزعين بهذا الأسلوب الرخيص، وبغض النظر عن أنه لم يقتن سيارة مرسيدس بيضاء في حياته، إلا أن لديه سيارة أغلى وأفضل، يفتخر بأنه حصل عليها من إيرادات شباك التذاكر الذي يعكس إقبال الجماهير على أفلامه، معرباً عن استيائه من هذه النغمة التي تقلل من شأن التمثيل والرياضة والغناء، بشكل يلغي الفوارق بين ما يقوله كثير من المثقفين مثل عايدة الشريف، وبين ما يردده أنصار تيارات الشعارات الإسلامية، وأن المقارنة أصلاً بين مجال الكتابة ومجالات مثل التمثيل والغناء وكرة القدم غير منطقية وغير عادلة، لاختلاف طبيعة العمل في كل مجال من هذه المجالات، فالفنان الذي يحصل على أجر كبير في فيلم ناجح، يمكن ألا يحصل على نفس الأجر في أفلام فاشلة تليه، وقد يقضي سنوات حياته الأخيرة في أسوأ حال بعيداً عن الأضواء، ولاعب الكرة اللامع قد يغادر الملاعب إلى غير رجعة بعد إصابة مفاجئة في مباراة، والمغني الشهير قد يضيع مستقبله في غمضة عين إذا تعرضت أحباله الصوتية لأزمة صحية، في الوقت نفسه قد يحصل المثقف والكاتب على معاش وتأمين صحي يستمران حتى نهاية عمره.

ومع أننا لا نستطيع تعميم ما قاله عادل إمام على كل المثقفين والكتاب، ولا نستطيع أن نتهم عايدة الشريف باحتقار الفن والرياضة، إلا أن المنطق الذي استخدمته في كتابها يتجاوزها شخصياً ويتجاوز حالات عادل إمام أو الشيخ الحصري أو مو صلاح، ليمتد إلى طريقة التفكير التي تسود تعامل الكثير منا مع أحوال الثقافة والمثقفين حتى الآن، والتي تهتم بنقد الطريقة التي تتعامل بها الأجهزة الحكومية مع المثقفين، أكثر من اهتمامها بنقد الأوضاع الرديئة التي أوصلت المثقف إلى هذه الحالة المزرية التي يعتمد فيها على الحكومات في رزقه، في ظل غياب كامل للدور الذي يمكن أن يلعبه القارئ/المواطن الذي يتحدث عنه الجميع، دون أن يكون لوجوده أدنى أهمية فعلية.

.....

نكمل الأسبوع القادم بإذن الله.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: بلال فضل الكشكول في أحضان الكتب الحقوق المادية نجيب محفوظ عايدة شريف شاهدة ربع قرن العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 28 يناير 2020 | منذ اللحظات التي أعقبت خلع حسني مبارك في 11 فبراير 2011، كان هناك استقتال من كافة أجهزة الدولة المصرية في التأكيد على أن حرق الكثير من أقسام الشرطة وبعض المؤسسات الأمنية والقضائية، لم يكن فعلاً شعبياً عفوياً..
    • مشاركة
  • 27 يناير 2020 | ـ "السياسة هي تحقيق ما كان يمكن أن يحدث على أي حال". هانز ماجنوس إنزنبرجر
    • مشاركة
  • 26 يناير 2020 | قبل أيام من انتهاء علاقتي بصحيفة (الشروق) القاهرية، التي ظللت أكتب فيها طيلة عامي 2012 و2013، بسبب منع نشر مقال لي بعنوان (الماريشال السياسي)، لأنه كان يتطرق إلى حكاية منح رتبة المشير لعبد الفتاح السيسي، ويربطها بحصول عبد الحكيم عامر
    • مشاركة
  • 23 يناير 2020 | لم تكن أبلة عزيزة أقل من أم محمود ورانيا في تقدير النزاهة والشرف، ولذلك فقد أثار إعجابها أداء الأستاذ عبد الحكيم ووقوفه في وجه الفاسدين من زملائه داخل الوزارة، مع أنه كان يمكن أن يختار التربيط معهم أو الطرمخة عليهم..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة

من ملامح الوجه الآخر لكبار كتّاب مصر (2/4)

29 أكتوبر 2019

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة
في مسألة أجور الكتاب وحقوقهم المادية، تروي عايدة الشريف أن أبرز المتشددين في المطالبة بحقوقه المادية من بين عرفتهم من الكتاب، كان الكاتب الكبير توفيق الحكيم الذي وافق على الظهور في برنامج (بورتريه) مع المذيع التلفزيوني الشهير طارق حبيب، واستفاض في حكاية ذكرياته التي أمتعت المشاهدين، لأنه حصل على عدة آلاف من الجنيهات لم تحددها عايدة، التي تحدثت عن الواقعة بشكل ينتقد الحكيم الذي لم يفعل شيئاً أكثر من طلب حقه خصوصاً أن البرنامج لم يكن يذاع فقط على التلفزيون المصري، بل كان يتم بيعه للقنوات العربية بأرقام كبيرة، وهو ما كان يعرفه توفيق الحكيم جيداً، في المقابل ترى عايدة الشريف أن نجيب محفوظ هو أكثر الكتاب تواضعاً في ما يطلبه من أجور عن البرامج التي يسجلها، وحين يقول له البعض إن ما يقوم بالحصول عليه قليل، يرد قائلاً بأنه كثير مقارنة بمرتبه الذي كان يحصل عليه في أول تعيين له بعد التخرج، والبالغ ثمانية جنيهات فقط.

تروي عايدة نقلاً عن المخرج الكبير صلاح أبو سيف أن النجم فريد شوقي سأله خلال الإعداد لفيلم (الأسطى حسن) الذي أنتجه فريد، عن الأجر الذي سيطلبه منه نجيب محفوظ نظير اشتراكه في كتابة السيناريو، وكان نجيب محفوظ وقتها من أهم وأشهر كتاب الرواية في مصر، ولذلك كان فريد متخوفاً من أن يطلب نجيب مبلغاً ضخماً يفوق طاقة شركته، ولم يصدق فريد حين قال له صلاح إن "نجيب ممكن يرضى بأجر مائتين جنيه"، لكن نجيب فاجأ الإثنين حين أجاب فريد عن سؤاله عما يطلبه أجراً له، حيث طلب مائة جنيه فقط، وشعر صلاح بالحرج خوفاً من أن يظن فريد أنه كان سيأخذ لنفسه باقي المبلغ مثلاً، لتزداد دهشة صلاح وفريد حين قام نجيب أثناء التصوير بوضع المائة جنيه التي حصل عليها من فريد في ظرف وأعطاه لفريد شوقي، قائلاً له إنه لا يستحق هذا المبلغ لأن كتابة السيناريو أفادته في تطوير سرده الروائي.

ستندهش أكثر حين تعرف أن نجيب محفوظ ظل من سنة 1961 وحتى سنة 1965 دون أن يصرف أجره عن إنتاج روايته (زقاق المدق) للسينما، لأن المنتج رمسيس نجيب أعطاه شيكاً بدون رصيد، وحين قامت عايدة الشريف بتسريب الخبر للصحف، غضب نجيب منها جداً لأنها ستحرجه مع رمسيس نجيب، ومع أن رمسيس اضطر بعد نشر الخبر لمنح نجيب حقه عن الرواية، إلا أنه لم يفعل ذلك ـ طبقاً لشهادة عايدة ـ إلا بعد أن اشترط عليه كتابة المعالجة السينمائية لعدة أعمال سينتجها، ليضرب أربعة عصافير بحجر واحد، ووافق نجيب على ذلك دون أن يقوم بإثارة أزمة.


في الوقت نفسه تروي عايدة أن نجيب محفوظ كان يرفض تسديد ثمن مشروبات ضيوفه من حساب مؤسسة السينما التي كان يرأسها، ويصر على دفع المشاريب من جيبه الخاص، كما كان يرفض العلاج على نفقة المؤسسة، وكان الأديب الوحيد الذي يدفع الضرائب عن أرباح رواياته حتى لو نشرت خارج مصر، وهو أمر لا تطلبه مصلحة الضرائب، وكان يدخر أجور الأحاديث الإذاعية والتلفزيونية لدفع نفقات عطلة الصيف التي يقضيها مع أسرته في الإسكندرية، وحدث في صيف سنة 1966 أن قام بصرف هذا المبلغ من البنك، وبعد خطوات ابتعد فيها عن البنك اكتشف أن المبلغ سرق من جيبه، فما كان منه إلا أن ألغى "التصييف" في تلك السنة، فقد كان حريصاً طيلة عمره على أن يكون إنفاقه في حدود دخله بالضبط.

ومع ذلك، تبقى طريقة نجيب محفوظ في إدارة شئونه المالية، أقل إبهاراً من طريقة الكاتب العظيم يحيى حقي الذي استكتبه الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل في (الأهرام) أيام عزها وسطوتها، فقال له يحيى حقي بهدوء: "يا ليتكم قلتم لي قبل ذلك بأيام، فقد تعاقدت على نشر مقالاتي مع جريدة التعاون"، كان توزيع صحيفة (التعاون) محدوداً للغاية، لكن يحيى حقي لم يتخلى عنها من أجل مبالغ (الأهرام) الضخمة، لأنه كان مؤمناً بأهمية الكتابة للعمال الذين لا يهتم أحد بالكتابة لهم، وحين استكتبه (الأهرام) ذات مرة في مناسبة خاصة، وأرسلت إليه أربعين جنيهاً مكافأة لمقالته، رفض استلامها قائلاً: "ده كتير هذه سرقة".

بالمناسبة حكى لي الكاتب الكبير لويس جريس خلال فترة عملي معه في قناة الـ ART أنه حين حاول هو وزميله الروائي العظيم فتحي غانم أن يستكتبا يحيى حقي في مؤسسة روز اليوسف، قال لهم إنه يفضل أن يستمر في الكتابة في (التعاون)، وحين سألاه عن سر تفضيله لها برغم محدودية توزيعها، قال لهم إنه يشعر فيها بالراحة النفسية وبالاحترام، ولذلك فهو لا يهتم بالتوزيع، لأنه يدرك أن كلماته ستصل يوماً لجمهور عريض، وهو ما حدث بالفعل، حين تم نشر مقالاته تلك في كتب رائعة، تفرغ الناقد الكبير فؤاد دوارة لجمعها في كتب كنا سنخسر كثيراً لو بقيت قراءة ما فيها من حظ ونصيب قراء (التعاون) فحسب.

تواصل عايدة الشريف في كتابها (شاهدة ربع قرن) استعراض أجور كبار الكتاب، فتشير إلى أن المفكر الدكتور جمال حمدان صاحب كتاب (شخصية مصر) أحد أشهر الكتب المصرية وأقلها قراءة، كان يحصل من صحيفة (الأهرام) على رقم ضخم هو مائة جنيه في المقالة الواحدة، وقد وافق على أن تحتكر الصحيفة كتاباته، وكان أجره عن مقالاته فيها مصدر رزقه الوحيد بعد تركه للجامعة. في زمن يسبق ذلك بكثير، كان عباس محمود العقاد يتقاضى أجورا متواضعة عن مقالاته، لكنه بعد أن لمس إقبال القراء على ما يكتبه، رفع سعره كثيراً، وأصبح يطلب في الكتاب الواحد ألف جنيه مكافأة من الناشر، وحين وجد استجابة من ناشره، قرر أن يطبع الكتاب الذي ألفه عن الزعيم سعد زغلول على حسابه، وحين واجهته أزمة مالية وهو يعد للكتاب، فتح باب الاشتراك في تحمل تكاليف طباعة الكتاب للقراء، وحين عرف طلعت حرب مؤسس بنك مصر بهذه الأزمة أمر بصرف سلفة مالية للعقاد من بنك مصر قدرها خمسمائة جنيه، وبرغم أن العقاد كان من أشهر وأنجح كتاب زمانه، إلا أنه حين تعرض لأزمة مالية في مطلع الخمسينات حاول التغلب عليها ببيع مكتبته، وحين علم الكاتب الشاب وقتها أحمد بهاء الدين بتلك الأزمة، اقترح على الأخوين مصطفى وعلي أمين أن يقوما بتعيين العقاد في صحيفة (أخبار اليوم)، وهو ما استجاب له الشقيقان اللذين منحا العقاد أعلى أجر يحصل عليه كاتب مقالات في صحف أخبار اليوم، فأنقذا مكتبته من الضياع.

منهج آخر في التعامل مع الصحافة وأجورها، كان يتبعه العلامة الشيخ محمود محمد شاكر، الذي عملت عايدة لفترة مساعدة له وكتبت عنه كتابها (قصة قلم) الصادر عن سلسلة (كتاب الهلال)، كان الشيخ شاكر يرفض استلام الأجور التي ترسلها له الصحف والمجلات كمكافأة عن مقالاته الصحفية، حيث أعاد لمجلة (العربي) الكويتية مائة وخمسين دولاراً أمريكياً أرسلتها إليه كمكافأة عن مقال كتبه رداً على الشاعر اليمني عبد العزيز المقالح، كما رفض أن يستلم مكافأة قدرها ثلاثمائة جنية مصري من الأستاذ مصطفى نبيل رئيس تحرير مجلة (الهلال) كأجر عن نشر كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا)، لكن الشيخ شاكر في المقابل كان يتشدد في تفاصيل وطريقة استلام أجره عن تحقيق كتب التراث، لأنه كان يعلم جيداً الميزانيات الكبيرة التي ترصد لنشر كتب التراث والأرباح التي تحصل عليها دور النشر عنها قبل نشرها أصلاً.


طبقاً لما جرت عليه العادة في بلادنا، لا تكتفي عايدة الشريف بالحديث عن الأوضاع المجحفة التي يعاني منها الكتاب والمفكرون، بل تنشغل بعقد مقارنات بين الأجور التي يحصلون عليها وما يحصل عليه الفنانون ولاعبو الكرة بل والأطباء، فبعد أن تروي واقعة سمعتها من الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور الذي قال لها إنه حين كان رئيساً للهيئة المصرية العامة للكتاب، سمع الفيلسوف الكبير الدكتور زكريا إبراهيم يقول بصوت خافت لزميله المفكر الدكتور فؤاد زكريا إن عليه أن يتشدد في طلب خمسة مليمات مقابل ترجمة الكلمة، بدلاً من أربعة مليمات، لأن ذلك سيجعله يحصل على مائة جنيه كمقابل لترجمة كتاب (الفيلسوف وفن الموسيقى)، وحين دارت الأيام وتولى الدكتور فؤاد زكريا مسئولية سلسلة (عالم المعرفة) الكويتية الشهيرة، فوجئ بأن طبيباً كبيراً رفض عرضه بترجمة كتاب طبي للسلسلة مقابل 750 ديناراً كويتياً، وهو مبلغ كان أي مثقف يعتبره ثروة وقتها، لكن الطبيب الكبير رد عليه بأنه يمكن أن يحصل على هذا المبلغ من عمل أسبوع واحد في عيادته لو استقبل أربعة مرضى فقط في اليوم بدون أن يرهق فكره.

في نفس السياق، تقارن عايدة الشريف بين حصول عادل إمام على 16 ألف جنيه كأجر عن مسلسل (أحلام الفتى الطائر) من التلفزيون المصري، واشتراطه أن يرى عربة مرسيدس بيضاء أمام منزله كعربون قبل أن يسافر إلى الكويت ليعرض مسرحية (شاهد ما شافش حاجة)، بينما قضى أستاذ الأدب المقارن الدكتور محمد غنيمي هلال أربع سنوات للتدريس في السودان في جو كان يضر بصحته، لكي يشتري سيارة تريحه من عناء المواصلات لكنه مات قبل تحقيق هذا الحلم، وتقارن بين الوقت الذي كان مفكرو مصر وكتابها يقضونه في طرقات الإذاعة انتظاراً لصرف أجورهم عن ما يلقونه من أحاديث إذاعية، في حين كان عبد الحليم حافظ لا يقوم باستلام أجوره عن أحاديثه في الإذاعة، أما المقرئ الشهير الشيخ الحصري فقد كان يأتي لاستلام أجوره في الإذاعة ثم يفرقها على السعاة والفراشين.

كنت قد سألت الفنان الكبير عادل إمام عن الواقعة التي نشرتها عايدة الشريف في كتابه فأنكرها غاضباً، قائلاً لي إنه لم يكن يتعامل أبداً مع المنتجين والموزعين بهذا الأسلوب الرخيص، وبغض النظر عن أنه لم يقتن سيارة مرسيدس بيضاء في حياته، إلا أن لديه سيارة أغلى وأفضل، يفتخر بأنه حصل عليها من إيرادات شباك التذاكر الذي يعكس إقبال الجماهير على أفلامه، معرباً عن استيائه من هذه النغمة التي تقلل من شأن التمثيل والرياضة والغناء، بشكل يلغي الفوارق بين ما يقوله كثير من المثقفين مثل عايدة الشريف، وبين ما يردده أنصار تيارات الشعارات الإسلامية، وأن المقارنة أصلاً بين مجال الكتابة ومجالات مثل التمثيل والغناء وكرة القدم غير منطقية وغير عادلة، لاختلاف طبيعة العمل في كل مجال من هذه المجالات، فالفنان الذي يحصل على أجر كبير في فيلم ناجح، يمكن ألا يحصل على نفس الأجر في أفلام فاشلة تليه، وقد يقضي سنوات حياته الأخيرة في أسوأ حال بعيداً عن الأضواء، ولاعب الكرة اللامع قد يغادر الملاعب إلى غير رجعة بعد إصابة مفاجئة في مباراة، والمغني الشهير قد يضيع مستقبله في غمضة عين إذا تعرضت أحباله الصوتية لأزمة صحية، في الوقت نفسه قد يحصل المثقف والكاتب على معاش وتأمين صحي يستمران حتى نهاية عمره.

ومع أننا لا نستطيع تعميم ما قاله عادل إمام على كل المثقفين والكتاب، ولا نستطيع أن نتهم عايدة الشريف باحتقار الفن والرياضة، إلا أن المنطق الذي استخدمته في كتابها يتجاوزها شخصياً ويتجاوز حالات عادل إمام أو الشيخ الحصري أو مو صلاح، ليمتد إلى طريقة التفكير التي تسود تعامل الكثير منا مع أحوال الثقافة والمثقفين حتى الآن، والتي تهتم بنقد الطريقة التي تتعامل بها الأجهزة الحكومية مع المثقفين، أكثر من اهتمامها بنقد الأوضاع الرديئة التي أوصلت المثقف إلى هذه الحالة المزرية التي يعتمد فيها على الحكومات في رزقه، في ظل غياب كامل للدور الذي يمكن أن يلعبه القارئ/المواطن الذي يتحدث عنه الجميع، دون أن يكون لوجوده أدنى أهمية فعلية.

.....

نكمل الأسبوع القادم بإذن الله.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: بلال فضل الكشكول في أحضان الكتب الحقوق المادية نجيب محفوظ عايدة شريف شاهدة ربع قرن العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 28 يناير 2020 | منذ اللحظات التي أعقبت خلع حسني مبارك في 11 فبراير 2011، كان هناك استقتال من كافة أجهزة الدولة المصرية في التأكيد على أن حرق الكثير من أقسام الشرطة وبعض المؤسسات الأمنية والقضائية، لم يكن فعلاً شعبياً عفوياً..
    • مشاركة
  • 27 يناير 2020 | ـ "السياسة هي تحقيق ما كان يمكن أن يحدث على أي حال". هانز ماجنوس إنزنبرجر
    • مشاركة
  • 26 يناير 2020 | قبل أيام من انتهاء علاقتي بصحيفة (الشروق) القاهرية، التي ظللت أكتب فيها طيلة عامي 2012 و2013، بسبب منع نشر مقال لي بعنوان (الماريشال السياسي)، لأنه كان يتطرق إلى حكاية منح رتبة المشير لعبد الفتاح السيسي، ويربطها بحصول عبد الحكيم عامر
    • مشاركة
  • 23 يناير 2020 | لم تكن أبلة عزيزة أقل من أم محمود ورانيا في تقدير النزاهة والشرف، ولذلك فقد أثار إعجابها أداء الأستاذ عبد الحكيم ووقوفه في وجه الفاسدين من زملائه داخل الوزارة، مع أنه كان يمكن أن يختار التربيط معهم أو الطرمخة عليهم..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

بلال فضل
مدوّن
كاتب وسيناريست من مصر
بلال فضل
مدوّن
الأكثر مشاهدة