alaraby-search
الأربعاء 30/01/2019 م (آخر تحديث) الساعة 15:20 بتوقيت القدس 13:20 (غرينتش)
الطقس
errors

الذين يرقصون على بعد أميال من المذبحة

نور عويتي
30 يناير 2019

نبذة عن المدون

نور عويتي
نور عويتي
مدوّن
نور عويتي، كاتبة وصحفية فلسطينة سورية مقيمة في بيروت.
الأكثر مشاهدة
في المشهد السوري اليوم نرى عدسات إعلام النظام السوري تسارع لنقل وتصوير جميع الاحتفالات والفعاليات المقامة بمناسبة الانتصارات التي حققها النظام السوري على "الإرهاب".

ووسط تلك المشاهد الاحتفالية نرى تجمعات بشرية هائلة تتعمد إظهار التأييد الأعمى للنظام في كل ثانية تظهر بها أمام الكاميرا، هذا المشهد يضعنا أمام عدد كبير من التساؤلات: في البداية لماذا يلجأ النظام لهذه الطقوس الاحتفالية في التعبير عن انتصاره؟ وهل ما نراه من تأييد وشعبية للنظام حقيقي؟ وما هو الدافع وراء هذا التأييد الشعبي الأعمى من قبل السوريين في الداخل؟ فحتى مؤيدو النظام نراهم اليوم يتذمرن منه ومن سياسته التي أدّت إلى تجويع الشعب.

يرى الكاتب الفرنسي ميلان كونديرا (من أصول تشيكية) أن للضحك وطقوس الاحتفال نوعين: أحدهما يعبر عن التمرد والسخرية، والآخر يعبر عن الفرح والرضى؛ ففي كتابه "الضحك والنسيان" يقول: "في البدء كان الضحك من مجال الشيطان، حين سمع الملاك للمرة الأولى ضحك إبليس صعقه الذهول.


وقد حدث ذلك أثناء عيد، وكانت القاعة تغص بالمدعوين، واجتاح هؤلاء ضحك الشيطان واحداً تلو آخر، آنئذٍ أيقن الملاك جلياً بأن هذا الضحك كان موجهاً ضد الله وضد عزة صنعه، وأدرك أن عليه التصرف بسرعة، ولما عجز هو ذاته عن اختلاق شيء، راح يقلد خصمه، ولكن بإعطائه معنى معارضاً، ففي حين كان ضحك الشيطان يدل على عبثية الأشياء، أراد الملاك على العكس أن يعبر عن سروره بأن كل شيء ها هنا يصير إلى انتظام جيد، ويرتأي بحكمة ويبدو خيراً ومليئاً بالمعنى، وهكذا تواجه الملاك والشيطان، إذ جعلا فميهما مفتوحين، وأصدرا تقريباً الأصوات نفسها، ولكن راح كل منهما يعبر بصخبه عن أمور متعارضة تماماً".

يمكن مقاربة ما كتبه كونديرا بالمشهد السوري اليوم، ففي بداية الثورة السورية ظهر المتظاهرون للشارع ليعبروا عن تمردهم ورفضهم للنظام بمظاهرات احتفالية، ضجت فيها الأغاني الثورية والهتافات وقام المتظاهرون بالرقص والدبك على أنغام تلك الأغاني؛ كنت تلك الاحتفالات تعبر عن الثورة السلمية ضد النظام والتمرد الشعبي.

واليوم يعمل النظام السوري على صبغ الاحتفالية بطابع تأييد كما فعل الملاك بضحكة إبليس، والملاك حسب كونديرا هو صورة نمطية للخير لا أكثر، فالملائكة هم جيش الإله لا أكثر، وليس بالضرورة إلباسهم صفة الخير. فالنظام السوري يتقصد اليوم إقامة احتفالات وسهرات فنية في كافة المناطق التي استطاع السيطرة عليها، وتبدأ تلك الاحتفالات بالأغاني الوطنية، ليصبغ الاحتفالات والرقصات الشعبية في الشارع بطابع الرضى والتأييد.

يصف كونديرا ردة فعله وفعل التشيكيين في براغ عقب المجازر التي ارتكبها الاتحاد السوفييتي والمحكمة الشيوعية بحق التشكيين المعارضين فيقول: "في حزيران عام 1950، كانت ميلادا روكافا قد أعدمت شنقاً عشية ذاك اليوم. كانت آنئذٍ نائبة عن الحزب الاشتراكي، وكانت المحكمة الشيوعية قد اتهمتها بمكائد معادية للدولة. وكان قد شنق في الوقت عينه زافيس كالاندا، السريالي التشكيكي، إلا أن الشباب التشيكيين ظلوا يرقصون وهم يعلمون أن عشية ذلك اليوم تأرجحت امرأة وشاعر سريالي على حبال المشنقة، ولبثوا يرقصون بجنون أكبر لأن رقصتهم كانت التعبير عن براءتهم التي باتت تفصلهم بنصاعة عن الاسوداد المذنب الذي سقط إلى دركه المشنوقان، خائنا الشعب وأمله. ورحت أتنقل عبر شوارع براغ، ومن حولي كانت حلقات التشيكيين آخذة في الدوران، هؤلاء التشيكيون الذين ما برحوا يرقصون ضاحكين، كنت على يقين أنني لن أقف إلى جانبهم، بل إلى جانب كالاندرا الذي كان قد انفصل بدوره عن المسار الدائري، وكان قد سقط، سقط لينهي سقوطه في نعش من أدانه الشعب".

عمل النظام السوري على إقامة كرنفالات في العاصمة دمشق بالتزامن مع المجازر التي كان يرتكبها بحق معارضيه في باقي المحافظات، تعمد النظام التوافق الزمني بين المجازر وكرنفالاته، في محاولة استغلال الخوف الناتج عن كمية العنف الذي يرتكبه، ليفتح أمام الشعب مجالاً للبحث عن فرصة لتبرئة أنفسهم من تهمة الإرهاب، من خلال الاحتفال معه في كرنفالاته. لا يمكننا الجزم بأن كل من شارك بتلك الاحتفالات هو مؤيد للنظام السوري، فربما هو كما كان كونديرا، يشارك في الاحتفالات بسبب الوجود ضمن الدائرة ذاتها، ولكنه ضمنياً هو متضامن مع الضحايا ويعارض النظام. فحسب فرويد فإن ردة الفعل العكسية الناتجة عن الأحداث، لا تلغي تعاطف الفرد مع تلك الأحداث وإدراكها، وإنما يعمل وعيه على ميكانيزمات الدفاع النفسي، فأغلب الناس في سورية تكره وتبغض الأسد وما يرتكبه من مجازر، إلا أنها ترى نفسها عاجزة عن تحمل عواقب المجاهرة بتلك المشاعر، فيعمل هذا الميكانيزم على إظهار الولاء للنظام والمبالغة في إظهاره، وهذا ما يمكن أن يفسر كيف استطاع الناس في سورية الرقص والغناء، في الوقت نفسه الذي كان فيه آخرون يذبحون على بعد أميال من الحفلة.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: سورية الثورة النظام الإعلام المذبحة الإرهاب الانتصارات الرقص العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 4 أبريل 2017 | اليوم يتفتح البنفسج في جسدي، يتهشم جدار الذاكرة، أصبح عاريةً تماماً. أراكِ بوضوح، صرختك الأخيرة تشبه صراخي في زمانٍ ما. اعذريني لم أصرخ في الوقت المناسب، فضلت الصمت، لكنني تمنيت لو أنني صرخت.
    • مشاركة

نبذة عن المدون

نور عويتي
نور عويتي
مدوّن
نور عويتي، كاتبة وصحفية فلسطينة سورية مقيمة في بيروت.
الأكثر مشاهدة

الذين يرقصون على بعد أميال من المذبحة

نور عويتي
30 يناير 2019

نبذة عن المدون

نور عويتي
نور عويتي
مدوّن
نور عويتي، كاتبة وصحفية فلسطينة سورية مقيمة في بيروت.
الأكثر مشاهدة
في المشهد السوري اليوم نرى عدسات إعلام النظام السوري تسارع لنقل وتصوير جميع الاحتفالات والفعاليات المقامة بمناسبة الانتصارات التي حققها النظام السوري على "الإرهاب".

ووسط تلك المشاهد الاحتفالية نرى تجمعات بشرية هائلة تتعمد إظهار التأييد الأعمى للنظام في كل ثانية تظهر بها أمام الكاميرا، هذا المشهد يضعنا أمام عدد كبير من التساؤلات: في البداية لماذا يلجأ النظام لهذه الطقوس الاحتفالية في التعبير عن انتصاره؟ وهل ما نراه من تأييد وشعبية للنظام حقيقي؟ وما هو الدافع وراء هذا التأييد الشعبي الأعمى من قبل السوريين في الداخل؟ فحتى مؤيدو النظام نراهم اليوم يتذمرن منه ومن سياسته التي أدّت إلى تجويع الشعب.

يرى الكاتب الفرنسي ميلان كونديرا (من أصول تشيكية) أن للضحك وطقوس الاحتفال نوعين: أحدهما يعبر عن التمرد والسخرية، والآخر يعبر عن الفرح والرضى؛ ففي كتابه "الضحك والنسيان" يقول: "في البدء كان الضحك من مجال الشيطان، حين سمع الملاك للمرة الأولى ضحك إبليس صعقه الذهول.


وقد حدث ذلك أثناء عيد، وكانت القاعة تغص بالمدعوين، واجتاح هؤلاء ضحك الشيطان واحداً تلو آخر، آنئذٍ أيقن الملاك جلياً بأن هذا الضحك كان موجهاً ضد الله وضد عزة صنعه، وأدرك أن عليه التصرف بسرعة، ولما عجز هو ذاته عن اختلاق شيء، راح يقلد خصمه، ولكن بإعطائه معنى معارضاً، ففي حين كان ضحك الشيطان يدل على عبثية الأشياء، أراد الملاك على العكس أن يعبر عن سروره بأن كل شيء ها هنا يصير إلى انتظام جيد، ويرتأي بحكمة ويبدو خيراً ومليئاً بالمعنى، وهكذا تواجه الملاك والشيطان، إذ جعلا فميهما مفتوحين، وأصدرا تقريباً الأصوات نفسها، ولكن راح كل منهما يعبر بصخبه عن أمور متعارضة تماماً".

يمكن مقاربة ما كتبه كونديرا بالمشهد السوري اليوم، ففي بداية الثورة السورية ظهر المتظاهرون للشارع ليعبروا عن تمردهم ورفضهم للنظام بمظاهرات احتفالية، ضجت فيها الأغاني الثورية والهتافات وقام المتظاهرون بالرقص والدبك على أنغام تلك الأغاني؛ كنت تلك الاحتفالات تعبر عن الثورة السلمية ضد النظام والتمرد الشعبي.

واليوم يعمل النظام السوري على صبغ الاحتفالية بطابع تأييد كما فعل الملاك بضحكة إبليس، والملاك حسب كونديرا هو صورة نمطية للخير لا أكثر، فالملائكة هم جيش الإله لا أكثر، وليس بالضرورة إلباسهم صفة الخير. فالنظام السوري يتقصد اليوم إقامة احتفالات وسهرات فنية في كافة المناطق التي استطاع السيطرة عليها، وتبدأ تلك الاحتفالات بالأغاني الوطنية، ليصبغ الاحتفالات والرقصات الشعبية في الشارع بطابع الرضى والتأييد.

يصف كونديرا ردة فعله وفعل التشيكيين في براغ عقب المجازر التي ارتكبها الاتحاد السوفييتي والمحكمة الشيوعية بحق التشكيين المعارضين فيقول: "في حزيران عام 1950، كانت ميلادا روكافا قد أعدمت شنقاً عشية ذاك اليوم. كانت آنئذٍ نائبة عن الحزب الاشتراكي، وكانت المحكمة الشيوعية قد اتهمتها بمكائد معادية للدولة. وكان قد شنق في الوقت عينه زافيس كالاندا، السريالي التشكيكي، إلا أن الشباب التشيكيين ظلوا يرقصون وهم يعلمون أن عشية ذلك اليوم تأرجحت امرأة وشاعر سريالي على حبال المشنقة، ولبثوا يرقصون بجنون أكبر لأن رقصتهم كانت التعبير عن براءتهم التي باتت تفصلهم بنصاعة عن الاسوداد المذنب الذي سقط إلى دركه المشنوقان، خائنا الشعب وأمله. ورحت أتنقل عبر شوارع براغ، ومن حولي كانت حلقات التشيكيين آخذة في الدوران، هؤلاء التشيكيون الذين ما برحوا يرقصون ضاحكين، كنت على يقين أنني لن أقف إلى جانبهم، بل إلى جانب كالاندرا الذي كان قد انفصل بدوره عن المسار الدائري، وكان قد سقط، سقط لينهي سقوطه في نعش من أدانه الشعب".

عمل النظام السوري على إقامة كرنفالات في العاصمة دمشق بالتزامن مع المجازر التي كان يرتكبها بحق معارضيه في باقي المحافظات، تعمد النظام التوافق الزمني بين المجازر وكرنفالاته، في محاولة استغلال الخوف الناتج عن كمية العنف الذي يرتكبه، ليفتح أمام الشعب مجالاً للبحث عن فرصة لتبرئة أنفسهم من تهمة الإرهاب، من خلال الاحتفال معه في كرنفالاته. لا يمكننا الجزم بأن كل من شارك بتلك الاحتفالات هو مؤيد للنظام السوري، فربما هو كما كان كونديرا، يشارك في الاحتفالات بسبب الوجود ضمن الدائرة ذاتها، ولكنه ضمنياً هو متضامن مع الضحايا ويعارض النظام. فحسب فرويد فإن ردة الفعل العكسية الناتجة عن الأحداث، لا تلغي تعاطف الفرد مع تلك الأحداث وإدراكها، وإنما يعمل وعيه على ميكانيزمات الدفاع النفسي، فأغلب الناس في سورية تكره وتبغض الأسد وما يرتكبه من مجازر، إلا أنها ترى نفسها عاجزة عن تحمل عواقب المجاهرة بتلك المشاعر، فيعمل هذا الميكانيزم على إظهار الولاء للنظام والمبالغة في إظهاره، وهذا ما يمكن أن يفسر كيف استطاع الناس في سورية الرقص والغناء، في الوقت نفسه الذي كان فيه آخرون يذبحون على بعد أميال من الحفلة.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: سورية الثورة النظام الإعلام المذبحة الإرهاب الانتصارات الرقص العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 4 أبريل 2017 | اليوم يتفتح البنفسج في جسدي، يتهشم جدار الذاكرة، أصبح عاريةً تماماً. أراكِ بوضوح، صرختك الأخيرة تشبه صراخي في زمانٍ ما. اعذريني لم أصرخ في الوقت المناسب، فضلت الصمت، لكنني تمنيت لو أنني صرخت.
    • مشاركة

نبذة عن المدون

نور عويتي
نور عويتي
مدوّن
نور عويتي، كاتبة وصحفية فلسطينة سورية مقيمة في بيروت.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل