alaraby-search
السبت 21/07/2018 م (آخر تحديث) الساعة 18:13 بتوقيت القدس 15:13 (غرينتش)
الطقس
errors

قبيل النوم

21 يوليو 2018

نبذة عن المدون

كاتب وصحافي سوري، يقيم في العاصمة الألمانية برلين. يدرس في الدراسات الثقافية والفلسفة في جامعة هومبولدت في برلين. له كتابان منشوران: "الوحدة تدلل ضحاياها" و"إكثار القليل". من أسرة "العربي الجديد"، ومحرّر قسم المدوّنات في الموقع.
يقول:
أكثر الناس إحساساً بالعدالة، يعيشون في أقل الأمكنة عدالة

الأكثر مشاهدة
(التفكير بالموت)

قبيل النوم، ساعة الإغماضة، لكلِّ طريقتهُ في تفريغ الرأس، للدخول التدريجيّ إلى عالم النوم. ثمَّة من يسرح في الأوهام، ويتخيّل نفسه غنيّاً يمتلك سلطة كل شيء، وثمّة من يتخيَّل نفسه لاعب كرة قدم يسجّل أهدافًا حاسمة في اللحظات الأخيرة، وثمَّة من يتخيَّل حبكة لاغتيال بشار الأسد أو محاكمته، ويكون هو القاضي، وثمَّة من يفكّر في الفضاء وشساعة الكون، ليشعر بالضآلة والضمور والصغر. تتغيّر طريقة الدخول إلى عالم النوم باختلاف المرحلة العمريَّة. في الصغر، كنتُ أتخيّل نفسي بطلاً خارقًا لا يموت، ويمتلك صفات استثنائيَّة. الأرق هو وجود شيءٍ أقوى من قدرتك على نسج الأوهام، الأرق هو خنق التفكير الواقعي طاقة التخيّل. منذ فترة، أدخل عالم النوم بالتفكير في الموت، هذا الحدثُ المفصليُّ الجلل. أتمزَّق من الداخل رعبًا، وأشعرُ باللاعدالة على هذا المصير. وأعوّل على أنّ العلم ممكن سيتمكّن، قبل أن أغادر، من التغلّب على هذا اللغز الحارق. التفكير في الموت يجعلني مترفّعاً عن الصغائر، وعمّا حصل خلال اليوم، ويعطيني هالة حكمة مخادعة، ومنصّة عليا أنظر من خلالها إلى الوجود، التفكير في الموت يجعلك طبقيًا من الناحية الروحيَّة، كإحساس الترفّع عند البرجوازي. 

لا شيء يُخضِع الأرق مثل التفكير في الموت.

(القامشلي)
أدخل كل ليلة إلى صفحة على الفيسبوك بعنوان "القامشلي- مدينة الحبّ". أفتح الصفحة ليلًا، كأني أدخل بيتًا على رؤوس أصابعي بخجل. أرى صورًا للمدينة، وأخمّن اسم الحي. منذ فترة، صار المكان الذي خرجنا منه، كتلة عامّة معدومة التفاصيل. الذاكرة تدريجيّاً، بدأت تفقد القدرة على استحضار التفاصيل، وصارت شبيهة بذاكرة سائحٍ أجنبيّ زار البلد مرّات فقط. حتى المادة الأساسية للأحلام، لم تعد قادرة على رتق نزيف النسيان المطلق. لمّا تفقد أحلامك القدرة على استحضار تفاصيل طفولتك، فهذا يعني الخروج التامّ، والانفصال الكليّ.

... بكاء جدّي أثناء تلاوة سورة النبي يوسف، وأرغفة الخبز الساخنة التي تتوازن على رؤوس العجائز، والعشب الفسيح الأخضر في براري الجزيرة، وإخراج العقارب من جحورها بسكب البنزين، واصطياد الديدان لتصبح طعمًا يصيد الطيور. هذه أمورٌ، إذا نسيتها، لن أستطيع أن أحفظ أي شيء جديد.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: دارا عبدالله أدب التفكير الواقعي الحدث المفصلي العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 21 سبتمبر 2019 | نحن من اعتقدنا أنَّ مُجرد إرادة النهوض الجماعي، هو أمر كافٍ لإحقاق التغيير، نقلقُ من كلفة التفاؤل، لأننا رأينا أكثر من ثلاثين ألف طفلٍ ميَّت، وأجنَّة أُخرِجَت من أرحام أمّهات موتى.
    • مشاركة
  • 17 أغسطس 2019 | إضافة إلى الضحكة المتقطّعة والذكورة السمراء والطلّة البدويَّة وإطلاق الرصاص بالبواريد، إلا أنَّ جزءاً كبيراً من شعبيّة صدام حسين في العالم العربي قادمة من ظروف محاكمته وطقس إعدامه وتوقيته.
    • مشاركة
  • 10 أغسطس 2019 | مرّتين كان نظام آل الأسد فيهما مهدّدًا بالسقوط بشكلٍ جدّي. الأولى في مايو/ أيار 2013، لما تدخّل حزب الله في معركة القصير.
    • مشاركة
  • 8 أغسطس 2019 | والمؤلم في الأمر: إذا نقلتَ شخصاً كبر في إحدى القطع إلى قطعة أخرى مجاورة، فسيحلم… بالعودة!
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب وصحافي سوري، يقيم في العاصمة الألمانية برلين. يدرس في الدراسات الثقافية والفلسفة في جامعة هومبولدت في برلين. له كتابان منشوران: "الوحدة تدلل ضحاياها" و"إكثار القليل". من أسرة "العربي الجديد"، ومحرّر قسم المدوّنات في الموقع.
يقول:
أكثر الناس إحساساً بالعدالة، يعيشون في أقل الأمكنة عدالة

الأكثر مشاهدة

قبيل النوم

21 يوليو 2018

نبذة عن المدون

كاتب وصحافي سوري، يقيم في العاصمة الألمانية برلين. يدرس في الدراسات الثقافية والفلسفة في جامعة هومبولدت في برلين. له كتابان منشوران: "الوحدة تدلل ضحاياها" و"إكثار القليل". من أسرة "العربي الجديد"، ومحرّر قسم المدوّنات في الموقع.
يقول:
أكثر الناس إحساساً بالعدالة، يعيشون في أقل الأمكنة عدالة

الأكثر مشاهدة
(التفكير بالموت)

قبيل النوم، ساعة الإغماضة، لكلِّ طريقتهُ في تفريغ الرأس، للدخول التدريجيّ إلى عالم النوم. ثمَّة من يسرح في الأوهام، ويتخيّل نفسه غنيّاً يمتلك سلطة كل شيء، وثمّة من يتخيَّل نفسه لاعب كرة قدم يسجّل أهدافًا حاسمة في اللحظات الأخيرة، وثمَّة من يتخيَّل حبكة لاغتيال بشار الأسد أو محاكمته، ويكون هو القاضي، وثمَّة من يفكّر في الفضاء وشساعة الكون، ليشعر بالضآلة والضمور والصغر. تتغيّر طريقة الدخول إلى عالم النوم باختلاف المرحلة العمريَّة. في الصغر، كنتُ أتخيّل نفسي بطلاً خارقًا لا يموت، ويمتلك صفات استثنائيَّة. الأرق هو وجود شيءٍ أقوى من قدرتك على نسج الأوهام، الأرق هو خنق التفكير الواقعي طاقة التخيّل. منذ فترة، أدخل عالم النوم بالتفكير في الموت، هذا الحدثُ المفصليُّ الجلل. أتمزَّق من الداخل رعبًا، وأشعرُ باللاعدالة على هذا المصير. وأعوّل على أنّ العلم ممكن سيتمكّن، قبل أن أغادر، من التغلّب على هذا اللغز الحارق. التفكير في الموت يجعلني مترفّعاً عن الصغائر، وعمّا حصل خلال اليوم، ويعطيني هالة حكمة مخادعة، ومنصّة عليا أنظر من خلالها إلى الوجود، التفكير في الموت يجعلك طبقيًا من الناحية الروحيَّة، كإحساس الترفّع عند البرجوازي. 

لا شيء يُخضِع الأرق مثل التفكير في الموت.

(القامشلي)
أدخل كل ليلة إلى صفحة على الفيسبوك بعنوان "القامشلي- مدينة الحبّ". أفتح الصفحة ليلًا، كأني أدخل بيتًا على رؤوس أصابعي بخجل. أرى صورًا للمدينة، وأخمّن اسم الحي. منذ فترة، صار المكان الذي خرجنا منه، كتلة عامّة معدومة التفاصيل. الذاكرة تدريجيّاً، بدأت تفقد القدرة على استحضار التفاصيل، وصارت شبيهة بذاكرة سائحٍ أجنبيّ زار البلد مرّات فقط. حتى المادة الأساسية للأحلام، لم تعد قادرة على رتق نزيف النسيان المطلق. لمّا تفقد أحلامك القدرة على استحضار تفاصيل طفولتك، فهذا يعني الخروج التامّ، والانفصال الكليّ.

... بكاء جدّي أثناء تلاوة سورة النبي يوسف، وأرغفة الخبز الساخنة التي تتوازن على رؤوس العجائز، والعشب الفسيح الأخضر في براري الجزيرة، وإخراج العقارب من جحورها بسكب البنزين، واصطياد الديدان لتصبح طعمًا يصيد الطيور. هذه أمورٌ، إذا نسيتها، لن أستطيع أن أحفظ أي شيء جديد.

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: دارا عبدالله أدب التفكير الواقعي الحدث المفصلي العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 21 سبتمبر 2019 | نحن من اعتقدنا أنَّ مُجرد إرادة النهوض الجماعي، هو أمر كافٍ لإحقاق التغيير، نقلقُ من كلفة التفاؤل، لأننا رأينا أكثر من ثلاثين ألف طفلٍ ميَّت، وأجنَّة أُخرِجَت من أرحام أمّهات موتى.
    • مشاركة
  • 17 أغسطس 2019 | إضافة إلى الضحكة المتقطّعة والذكورة السمراء والطلّة البدويَّة وإطلاق الرصاص بالبواريد، إلا أنَّ جزءاً كبيراً من شعبيّة صدام حسين في العالم العربي قادمة من ظروف محاكمته وطقس إعدامه وتوقيته.
    • مشاركة
  • 10 أغسطس 2019 | مرّتين كان نظام آل الأسد فيهما مهدّدًا بالسقوط بشكلٍ جدّي. الأولى في مايو/ أيار 2013، لما تدخّل حزب الله في معركة القصير.
    • مشاركة
  • 8 أغسطس 2019 | والمؤلم في الأمر: إذا نقلتَ شخصاً كبر في إحدى القطع إلى قطعة أخرى مجاورة، فسيحلم… بالعودة!
    • مشاركة

نبذة عن المدون

كاتب وصحافي سوري، يقيم في العاصمة الألمانية برلين. يدرس في الدراسات الثقافية والفلسفة في جامعة هومبولدت في برلين. له كتابان منشوران: "الوحدة تدلل ضحاياها" و"إكثار القليل". من أسرة "العربي الجديد"، ومحرّر قسم المدوّنات في الموقع.
يقول:
أكثر الناس إحساساً بالعدالة، يعيشون في أقل الأمكنة عدالة

الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل