alaraby-search
الخميس 15/03/2018 م (آخر تحديث) الساعة 07:17 بتوقيت القدس 05:17 (غرينتش)
الطقس
errors

هوامش من دفتر الدهشة

15 مارس 2018

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مصري، من أسرة "العربي الجديد".

يعرّف بنفسه:
مسافر زاده حلم ثورة 25 يناير، بحثاً عن مصر المخطوفة من التاريخ والجغرافيا


الأكثر مشاهدة

هامش أول:
في عام 2011، ذات ليلة شتوية باردة من ليالي أحداث شارع محمد محمود، المطل على ميدان التحرير في القاهرة، قالوا إن الشباب في لجان تأمين مداخل الميدان بحاجة إلى مياه وعصائر وبعض الطعام.

ذهبت مع أحد القضاة المعروفين (من جيل الوسط) وإعلامية مشهورة (من جيل الوسط أيضاً) وبعض الأصدقاء من شباب الثورة.

اشترينا كل ما يلزم، وتوجهنا لتسليمه للواقفين على المداخل، فقال صوت من الأصدقاء بمنتهى الحماس: من الأفضل أن نسلم كل شيء للدكتور أشرف حتى نضمن وصولها لمن يستحق.
تساءلت من الدكتور أشرف؟ ردت هو من أطباء الميدان ومعروف بقدراته في التأمين والتنظيم، فقلنا لا بأس.


فيما بعد، وعقب انتهاء أحداث مجلس الوزراء، جاءني اتصال من أحد شباب الميدان: الدكتور أشرف ليس دكتوراً وإنما ضابط مخابرات.

كيف؟ تساءلت في دهشة.. قال إن شكوكاً كثيرة حامت حوله، إذ فتح أحد الأطباء الحقيقيين، في مجال تخصصه، حواراً علمياً معه، تبين من خلاله أن علاقته بالطب منعدمة، وهنا تم استدراجه إلى مكتب في إحدى العمارات المطلة على الميدان ومواجهته ومطالبته بأن يثبت أنه دكتور، وتطور الأمر إلى اشتباك عنيف بالأيدي كاد ينهي حياته، وفي تلك اللحظة أخرج لهم كارنيه من جهة سيادية يحمل صورته للردع والتخويف.

ربما كان ذلك الدكتور المزعوم رجل أمن بالفعل، وقد يكون مزيفاً واستخدم هذه الصفة لزوم الترهيب والنصب، لكن المؤكد أن هذا الموقف علمني ألا أسرف في الاندهاش.

غير أنني أتذكره، وعشرات المواقف مثله، وأضحك على نفسي، لكني لم أندم على ما فعلت من حماقات، كانت تبدو لي أعمالاً عظيمة في وقتها.

هامش ثانٍ
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كنت أعمل محرراً للأدب والثقافة بأسبوعية "روز اليوسف" الشهيرة، تربطني علاقات عمل جيدة بمعظم الأسماء الكبيرة في دنيا الإبداع، وفي ذلك الوقت حكى لي أحد المصادر عن شاعر عامية من جيل الستينيات، اسمه نبيه سرحان، انشقت الأرض وابتلعته، ثم ظهر في الكيان الصهيوني بعد ذلك بسنوات.

بذلت كل الجهد اللازم للوقوف على الحكاية، وعلمت أنه كان شاباً فقيراً من محافظة الشرقية، من بلد يوسف إدريس الأديب اللامع في ذلك الوقت، والذي تحمس له وساعده في النشر، وكان لافتاً لي أن معظم مجايليه الذين سألتهم عنه كانوا يتهربون من الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بأصله وفصله، ومن تحدث منهم أجاب باقتضاب، موحياً لي بأنه لم يكن ذا أهمية.

من ضمن ما توفر لدي من معلومات أنه كان بالفعل شاعر عامية واعداً، غير أن الفقر طحنه، والإحساس العميق بالتجاهل وانعدام القيمة دفعه للهجرة إلى الكيان الصهيوني، ليفاجأ به الوفد المصاحب لأنور السادات في زيارته لإسرائيل ضمن مستقبليهم في مطار بن غوريون، مقدماً نفسه صحافياً في إذاعة العدو.

لم يعرف التحقيق الصحافي الذي أعددته عنه طريقاً إلى النشر، لأسباب لا أعلمها حتى الآن، غير أنه بعد سنوات نشرت الصحافة العبرية عن مطربة إسرائيلية، مصرية الأصل، كانت ابنة شاعر العامية نبيه سرحان، الذي صار اسمه الإسرائيلي يوسف سمير.

وفي عام 2003، أجرى موقع "دنيا الوطن" الفلسطيني حواراً مع إحدى زوجتيه، وهي مصرية الأصل، قالت فيه إنه عندما وقعت حرب حزيران 1967 كنت متزوجة من "يوسف سمير" منذ أسبوعين، و شارك في الحرب كمتطوع من الجيش الشعبي، وكنا نسكن في حي روض الفرج في منزل خاله، وأذكر تلك المرحلة المؤلمة بعد النكسة، فقد تحولت القاهرة لمدينة أشباح؛ الجميع صامت والسواد في كل مكان، واستشهد في الحرب أعداد كبيرة من المصريين، وانتظرت عودته و لم يرجع، ومرت الشهور، واعتقدت بأنه استشهد في الحرب، و بعد تسعة أشهر، وعند الساعة الخامسة صباحاً، جاء إلى منزل والدي، حيث عدت لمنزل الأسرة طبعاً في تلك الظروف، و كان عمري 14 عاماً، وسمعته يقول لوالدي بأنه كان في سجن "أبو زعبل" بمصر، وأخذ يتحدث عن اعتقاله.

وأخيراً:
لن تتوقف الحياة عن صفعك بحكايات تشبه قصة طبيب الميدان الوهمي، وشاعر العامية الذي تصهين حتى الموت؛ فحاول أن تبحث عن وسيلة لترشيد دهشتك مما هو آت.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 20 مارس 2019 | يقيني، أن قاتلك من الغرباء، فالذين يعرفونك يدركون أنه ليس ثمة ما يمثل غنيمة للصوص في بيتك، وأنك على امتداد سنواتك الثلاث والسبعين، لم تعرفي الادخار، فكل ما لديك يخرج زكوات وصدقات آناء الليل وأطراف النهار..
    • مشاركة
  • 23 سبتمبر 2017 | بعد ساعات من عاصفة عماد جاد، جاءت فاجعة رحيل مرشد جماعة الإخوان السابق، الدكتور محمد مهدي عاكف، في سجنه، ضحية تنكيل وحرمان من العلاج في محبسه؛ فعادت الأصوات ذاتها، التي كانت في الصباح تجزل الشكر لإسرائيل على صنيع الانقلاب.
    • مشاركة
  • 30 يوليو 2017 | يعرف عبدالفتاح السيسي جيداً أنه لا يوجد خطر خارجي على مصر، ويدرك يقيناً أن أحداً لا يتربص بها، لكنه يفهم جيداً أنه لن يكون مستقراً في حكمه لو كفر المصريون بهلاوس المؤامرة الكونية، وتمردوا على تعاويذ الفزع وتعاليم الوطنية الملوثة.
    • مشاركة
  • 15 يوليو 2017 | يؤسفني أن أقول لك إننا، بوصفنا شعوباً عربية، بتنا نفرح، كما تريد لنا إسرائيل أن نفرح، ونحزن بالقدر الذي تحدده لنا إسرائيل، ونغضب إلى المستوى الذي تقرره إسرائيل.
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مصري، من أسرة "العربي الجديد".

يعرّف بنفسه:
مسافر زاده حلم ثورة 25 يناير، بحثاً عن مصر المخطوفة من التاريخ والجغرافيا


الأكثر مشاهدة

هوامش من دفتر الدهشة

15 مارس 2018

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مصري، من أسرة "العربي الجديد".

يعرّف بنفسه:
مسافر زاده حلم ثورة 25 يناير، بحثاً عن مصر المخطوفة من التاريخ والجغرافيا


الأكثر مشاهدة

هامش أول:
في عام 2011، ذات ليلة شتوية باردة من ليالي أحداث شارع محمد محمود، المطل على ميدان التحرير في القاهرة، قالوا إن الشباب في لجان تأمين مداخل الميدان بحاجة إلى مياه وعصائر وبعض الطعام.

ذهبت مع أحد القضاة المعروفين (من جيل الوسط) وإعلامية مشهورة (من جيل الوسط أيضاً) وبعض الأصدقاء من شباب الثورة.

اشترينا كل ما يلزم، وتوجهنا لتسليمه للواقفين على المداخل، فقال صوت من الأصدقاء بمنتهى الحماس: من الأفضل أن نسلم كل شيء للدكتور أشرف حتى نضمن وصولها لمن يستحق.
تساءلت من الدكتور أشرف؟ ردت هو من أطباء الميدان ومعروف بقدراته في التأمين والتنظيم، فقلنا لا بأس.


فيما بعد، وعقب انتهاء أحداث مجلس الوزراء، جاءني اتصال من أحد شباب الميدان: الدكتور أشرف ليس دكتوراً وإنما ضابط مخابرات.

كيف؟ تساءلت في دهشة.. قال إن شكوكاً كثيرة حامت حوله، إذ فتح أحد الأطباء الحقيقيين، في مجال تخصصه، حواراً علمياً معه، تبين من خلاله أن علاقته بالطب منعدمة، وهنا تم استدراجه إلى مكتب في إحدى العمارات المطلة على الميدان ومواجهته ومطالبته بأن يثبت أنه دكتور، وتطور الأمر إلى اشتباك عنيف بالأيدي كاد ينهي حياته، وفي تلك اللحظة أخرج لهم كارنيه من جهة سيادية يحمل صورته للردع والتخويف.

ربما كان ذلك الدكتور المزعوم رجل أمن بالفعل، وقد يكون مزيفاً واستخدم هذه الصفة لزوم الترهيب والنصب، لكن المؤكد أن هذا الموقف علمني ألا أسرف في الاندهاش.

غير أنني أتذكره، وعشرات المواقف مثله، وأضحك على نفسي، لكني لم أندم على ما فعلت من حماقات، كانت تبدو لي أعمالاً عظيمة في وقتها.

هامش ثانٍ
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، كنت أعمل محرراً للأدب والثقافة بأسبوعية "روز اليوسف" الشهيرة، تربطني علاقات عمل جيدة بمعظم الأسماء الكبيرة في دنيا الإبداع، وفي ذلك الوقت حكى لي أحد المصادر عن شاعر عامية من جيل الستينيات، اسمه نبيه سرحان، انشقت الأرض وابتلعته، ثم ظهر في الكيان الصهيوني بعد ذلك بسنوات.

بذلت كل الجهد اللازم للوقوف على الحكاية، وعلمت أنه كان شاباً فقيراً من محافظة الشرقية، من بلد يوسف إدريس الأديب اللامع في ذلك الوقت، والذي تحمس له وساعده في النشر، وكان لافتاً لي أن معظم مجايليه الذين سألتهم عنه كانوا يتهربون من الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بأصله وفصله، ومن تحدث منهم أجاب باقتضاب، موحياً لي بأنه لم يكن ذا أهمية.

من ضمن ما توفر لدي من معلومات أنه كان بالفعل شاعر عامية واعداً، غير أن الفقر طحنه، والإحساس العميق بالتجاهل وانعدام القيمة دفعه للهجرة إلى الكيان الصهيوني، ليفاجأ به الوفد المصاحب لأنور السادات في زيارته لإسرائيل ضمن مستقبليهم في مطار بن غوريون، مقدماً نفسه صحافياً في إذاعة العدو.

لم يعرف التحقيق الصحافي الذي أعددته عنه طريقاً إلى النشر، لأسباب لا أعلمها حتى الآن، غير أنه بعد سنوات نشرت الصحافة العبرية عن مطربة إسرائيلية، مصرية الأصل، كانت ابنة شاعر العامية نبيه سرحان، الذي صار اسمه الإسرائيلي يوسف سمير.

وفي عام 2003، أجرى موقع "دنيا الوطن" الفلسطيني حواراً مع إحدى زوجتيه، وهي مصرية الأصل، قالت فيه إنه عندما وقعت حرب حزيران 1967 كنت متزوجة من "يوسف سمير" منذ أسبوعين، و شارك في الحرب كمتطوع من الجيش الشعبي، وكنا نسكن في حي روض الفرج في منزل خاله، وأذكر تلك المرحلة المؤلمة بعد النكسة، فقد تحولت القاهرة لمدينة أشباح؛ الجميع صامت والسواد في كل مكان، واستشهد في الحرب أعداد كبيرة من المصريين، وانتظرت عودته و لم يرجع، ومرت الشهور، واعتقدت بأنه استشهد في الحرب، و بعد تسعة أشهر، وعند الساعة الخامسة صباحاً، جاء إلى منزل والدي، حيث عدت لمنزل الأسرة طبعاً في تلك الظروف، و كان عمري 14 عاماً، وسمعته يقول لوالدي بأنه كان في سجن "أبو زعبل" بمصر، وأخذ يتحدث عن اعتقاله.

وأخيراً:
لن تتوقف الحياة عن صفعك بحكايات تشبه قصة طبيب الميدان الوهمي، وشاعر العامية الذي تصهين حتى الموت؛ فحاول أن تبحث عن وسيلة لترشيد دهشتك مما هو آت.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 20 مارس 2019 | يقيني، أن قاتلك من الغرباء، فالذين يعرفونك يدركون أنه ليس ثمة ما يمثل غنيمة للصوص في بيتك، وأنك على امتداد سنواتك الثلاث والسبعين، لم تعرفي الادخار، فكل ما لديك يخرج زكوات وصدقات آناء الليل وأطراف النهار..
    • مشاركة
  • 23 سبتمبر 2017 | بعد ساعات من عاصفة عماد جاد، جاءت فاجعة رحيل مرشد جماعة الإخوان السابق، الدكتور محمد مهدي عاكف، في سجنه، ضحية تنكيل وحرمان من العلاج في محبسه؛ فعادت الأصوات ذاتها، التي كانت في الصباح تجزل الشكر لإسرائيل على صنيع الانقلاب.
    • مشاركة
  • 30 يوليو 2017 | يعرف عبدالفتاح السيسي جيداً أنه لا يوجد خطر خارجي على مصر، ويدرك يقيناً أن أحداً لا يتربص بها، لكنه يفهم جيداً أنه لن يكون مستقراً في حكمه لو كفر المصريون بهلاوس المؤامرة الكونية، وتمردوا على تعاويذ الفزع وتعاليم الوطنية الملوثة.
    • مشاركة
  • 15 يوليو 2017 | يؤسفني أن أقول لك إننا، بوصفنا شعوباً عربية، بتنا نفرح، كما تريد لنا إسرائيل أن نفرح، ونحزن بالقدر الذي تحدده لنا إسرائيل، ونغضب إلى المستوى الذي تقرره إسرائيل.
    • مشاركة

نبذة عن المدون

صحافي وكاتب مصري، من أسرة "العربي الجديد".

يعرّف بنفسه:
مسافر زاده حلم ثورة 25 يناير، بحثاً عن مصر المخطوفة من التاريخ والجغرافيا


الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل