alaraby-search
الخميس 06/12/2018 م (آخر تحديث) الساعة 19:36 بتوقيت القدس 17:36 (غرينتش)
الطقس
errors

متأكدة يا تيتا؟!

6 ديسمبر 2018

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة

كثيراً ما يحلو للواحد منا تعذيب نفسه.. آه والله! ويا سلام لو تمكن من تعذيب زمرة من السعداء أو أشباه السعداء أو مدعي السعادة معه بالمرة!

فالسعادة كما نعرف جميلة وكل حاجة.. لكنها لو طالت مع المواطن كما في حالتنا، فإنها تتحول لشيء ماسخ بلا طعم. ويحتاج المرء المنقوع في السعادة مثلنا، خصوصا وسط نوات ديسمبر السكندرية اللطيفة التي يغرق فيها داخل طين ومجاري السعادة لركبه "حرفيا".. أقول يحتاج "لحاجة حرشة كده" تذكره بعوالم أخرى يعيشها خلق آخر لكن على نفس ذات الكوكب.. سبحان الله!

شاهدت بالصدفة منذ فترة هذا الفيديو لشوارع غارقة في مياه الأمطار الفيضانية في سويسرا، لا يمكن للمشاهد تمييز وجود مياه تغطي الشارع سوى من حركة السيارة! المياه شفافة وتظهر تفاصيل الشارع بشكل لا يصدق!


والله يا مؤمن قد تكون أنظف من مياه الشرب عندنا! شاهدت الفيديو وابتسمت وسكتّ. لم أحفظه أو أنشره ترفقا بنفسي أولا.. وحرصا على محاولة الإمساك بتلابيب الحكمة بأي شكل ثانيا، إذ ما المنطقي أو الحكيم في عرض ما يحدث في سويسرا ومقارنته بنا في المحروسة، بالذات في مثل هذه الأيام التي لا يعلم بها إلا الله؟! قلة عقل طبعا أو قلة وعي أو أعراض اكتئابية.. وأنا أعيش حالة إنكار بديعة لإصابتي بأيٍ من هؤلاء والحمد لله..

بالأمس وبعد زخة أمطار معتبرة أغرقت الثغر وجعلت العودة للبيت مساء مغامرة تتحمل الفشل وقد يُكتب لها النجاح بمعجزة، وجدتني أتذكر هذا المنظر وأستدعيه، بل وبحثت عن الفيديو وقلت لا بد أن "أشارك جمهوري" فأنشره، فمثل هذه اللحظات المضيئة في حياتنا تستحق التسجيل طبعا..

- مضيئة؟!
- آه والله مضيئة!

معلش.. اللحظات الأولى بعد مشاهدة شيء كهذا تبدأ بغصة، وانطباق لعضلة القلب، وضغطة في حجابك الحاجز، وكرشة نفس، أعرف.. لكن غالبا ما ستنقذ نفسك من المقارنة البائسة الفظيعة تلك بالإسراع بتذكر هوان الدنيا، وقصر عمرها، وقرب الآخرة، وجزاء الصابرين، وما إلى ذلك من معانٍ قد تكون انشغلت عنها يا مسكين بالسرحان في أكوام القمامة، أو في دناءة نباشي القمامة، أو في كيفية المشي في بحور الطين، أو في سب السيارة التي أهدتك رشة طين أغرقت أذنيك، أو في كيفية المبيت داخل السيارة حال تعذر الخروج منها والماء "المطين" يغمرها لحدود الباب.. إلى آخر ذلك من وساوس وملهيات تبعدنا عن الحقيقة الساطعة، الحقيقة التي تجعلنا لا نحسد سويسرا ولا المتنعمين في سويسرا، الحقيقة التي طالما صاغتها جدتي رحمها الله بلهجتها الفلسطينية الظريفة قائلة: "هادولي إلهم الدنيي يا تيتا.. وإحنا إلنا الآخرة".

وبقدر ما يسعدني استدعاء هذه العبارة الرائعة كالبلسم لبعض الوقت، بقدر ما تطغى الميول الاكتئابية التي أحاربها بالإنكار على لحظات المواساة الهشة، وأجدني أحدث جدتي الراحلة متسائلة: متأكدة يا تيتا من موضوع الآخرة ده؟!

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
دلالات: السعادة تعذيب النفس الجدة الأمطار الأسكندرية سويسرا الطين العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 30 نوفمبر 2018 | يستأجر الممثل القنصلي الإسرائيلي شقة لإقامته الشخصية في إحدى بنايات رمل الإسكندرية في أواخر الثمانينيات. عمارة كبيرة تسكن غالبية وحداتها عائلات تنتمي للطبقة المتوسطة والعليا.
    • مشاركة
  • 22 نوفمبر 2018 | كم أشفقت على نفسي وأنا زوجة.. ثم وأنا أرملة.. ثم وأنا وحدي وولدي بعيد لا أراه إلا كل عامين وأكثر! كم أرعبتني هواجس المرض والعجز والوحدة والشيخوخة! وكم حزنت على عمر انقضى في تربية الفرخ الصغير حتى كبر وطار وتركني!..
    • مشاركة
  • 8 نوفمبر 2018 | نحن يا سادة نعرف قدرنا في هذا العالم الكبير. كبرنا وأفقنا من أوهام الماضي المجيد والتاريخ التليد، وتخلينا عن نزق الشباب وتهوره، أو تخلت عنا حِميته وكبرياؤه، فأصبحنا نقدر العالم الثالث الذي ننتمي إليه. نقدره ونألفه.. بل ونحبه!..
    • مشاركة
  • 5 نوفمبر 2018 | كان لي في لندن صديقة وزوجها مصريان شديدا الالتزام. وكانا يتضرران بشدة من مشاهد العري والحميمية في الشوارع والحدائق ووسائل المواصلات. وكان هذا هو سبب الفراق النفسي بينهما وبين البلد طوال فترة إقامتهما الطويلة فيها..
    • مشاركة

متأكدة يا تيتا؟!

6 ديسمبر 2018

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة

كثيراً ما يحلو للواحد منا تعذيب نفسه.. آه والله! ويا سلام لو تمكن من تعذيب زمرة من السعداء أو أشباه السعداء أو مدعي السعادة معه بالمرة!

فالسعادة كما نعرف جميلة وكل حاجة.. لكنها لو طالت مع المواطن كما في حالتنا، فإنها تتحول لشيء ماسخ بلا طعم. ويحتاج المرء المنقوع في السعادة مثلنا، خصوصا وسط نوات ديسمبر السكندرية اللطيفة التي يغرق فيها داخل طين ومجاري السعادة لركبه "حرفيا".. أقول يحتاج "لحاجة حرشة كده" تذكره بعوالم أخرى يعيشها خلق آخر لكن على نفس ذات الكوكب.. سبحان الله!

شاهدت بالصدفة منذ فترة هذا الفيديو لشوارع غارقة في مياه الأمطار الفيضانية في سويسرا، لا يمكن للمشاهد تمييز وجود مياه تغطي الشارع سوى من حركة السيارة! المياه شفافة وتظهر تفاصيل الشارع بشكل لا يصدق!


والله يا مؤمن قد تكون أنظف من مياه الشرب عندنا! شاهدت الفيديو وابتسمت وسكتّ. لم أحفظه أو أنشره ترفقا بنفسي أولا.. وحرصا على محاولة الإمساك بتلابيب الحكمة بأي شكل ثانيا، إذ ما المنطقي أو الحكيم في عرض ما يحدث في سويسرا ومقارنته بنا في المحروسة، بالذات في مثل هذه الأيام التي لا يعلم بها إلا الله؟! قلة عقل طبعا أو قلة وعي أو أعراض اكتئابية.. وأنا أعيش حالة إنكار بديعة لإصابتي بأيٍ من هؤلاء والحمد لله..

بالأمس وبعد زخة أمطار معتبرة أغرقت الثغر وجعلت العودة للبيت مساء مغامرة تتحمل الفشل وقد يُكتب لها النجاح بمعجزة، وجدتني أتذكر هذا المنظر وأستدعيه، بل وبحثت عن الفيديو وقلت لا بد أن "أشارك جمهوري" فأنشره، فمثل هذه اللحظات المضيئة في حياتنا تستحق التسجيل طبعا..

- مضيئة؟!
- آه والله مضيئة!

معلش.. اللحظات الأولى بعد مشاهدة شيء كهذا تبدأ بغصة، وانطباق لعضلة القلب، وضغطة في حجابك الحاجز، وكرشة نفس، أعرف.. لكن غالبا ما ستنقذ نفسك من المقارنة البائسة الفظيعة تلك بالإسراع بتذكر هوان الدنيا، وقصر عمرها، وقرب الآخرة، وجزاء الصابرين، وما إلى ذلك من معانٍ قد تكون انشغلت عنها يا مسكين بالسرحان في أكوام القمامة، أو في دناءة نباشي القمامة، أو في كيفية المشي في بحور الطين، أو في سب السيارة التي أهدتك رشة طين أغرقت أذنيك، أو في كيفية المبيت داخل السيارة حال تعذر الخروج منها والماء "المطين" يغمرها لحدود الباب.. إلى آخر ذلك من وساوس وملهيات تبعدنا عن الحقيقة الساطعة، الحقيقة التي تجعلنا لا نحسد سويسرا ولا المتنعمين في سويسرا، الحقيقة التي طالما صاغتها جدتي رحمها الله بلهجتها الفلسطينية الظريفة قائلة: "هادولي إلهم الدنيي يا تيتا.. وإحنا إلنا الآخرة".

وبقدر ما يسعدني استدعاء هذه العبارة الرائعة كالبلسم لبعض الوقت، بقدر ما تطغى الميول الاكتئابية التي أحاربها بالإنكار على لحظات المواساة الهشة، وأجدني أحدث جدتي الراحلة متسائلة: متأكدة يا تيتا من موضوع الآخرة ده؟!

  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
دلالات: السعادة تعذيب النفس الجدة الأمطار الأسكندرية سويسرا الطين العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 30 نوفمبر 2018 | يستأجر الممثل القنصلي الإسرائيلي شقة لإقامته الشخصية في إحدى بنايات رمل الإسكندرية في أواخر الثمانينيات. عمارة كبيرة تسكن غالبية وحداتها عائلات تنتمي للطبقة المتوسطة والعليا.
    • مشاركة
  • 22 نوفمبر 2018 | كم أشفقت على نفسي وأنا زوجة.. ثم وأنا أرملة.. ثم وأنا وحدي وولدي بعيد لا أراه إلا كل عامين وأكثر! كم أرعبتني هواجس المرض والعجز والوحدة والشيخوخة! وكم حزنت على عمر انقضى في تربية الفرخ الصغير حتى كبر وطار وتركني!..
    • مشاركة
  • 8 نوفمبر 2018 | نحن يا سادة نعرف قدرنا في هذا العالم الكبير. كبرنا وأفقنا من أوهام الماضي المجيد والتاريخ التليد، وتخلينا عن نزق الشباب وتهوره، أو تخلت عنا حِميته وكبرياؤه، فأصبحنا نقدر العالم الثالث الذي ننتمي إليه. نقدره ونألفه.. بل ونحبه!..
    • مشاركة
  • 5 نوفمبر 2018 | كان لي في لندن صديقة وزوجها مصريان شديدا الالتزام. وكانا يتضرران بشدة من مشاهد العري والحميمية في الشوارع والحدائق ووسائل المواصلات. وكان هذا هو سبب الفراق النفسي بينهما وبين البلد طوال فترة إقامتهما الطويلة فيها..
    • مشاركة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل