alaraby-search
الأربعاء 19/12/2018 م (آخر تحديث) الساعة 15:58 بتوقيت القدس 13:58 (غرينتش)
الطقس
errors

في الحب

19 ديسمبر 2018

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
في جولة نهارية في الشارع لن تفتقد أسبابا إضافية للتعاسة. فإذا كنت محظوظا مثلي ولم يمتلئ إناؤك عن آخره بعد كل ما نعيشه، فها هو الشارع الذي أكل الدهر على أسفلته وشرب حتى لتتعجب من وصفه شارعا في مدينة كبرى في القرن الواحد والعشرين.

وها هي الألواح الخرسانية التي تحيط بمدخل الكنيسة معززة بجوالات الرمال المرصوصة وكأنها دشمة حربية وليست بيتا لله، ترمقها بطرف عينك بكل وجع القلب والخجل من إخوة الوطن المضطرين لحماية أرواحهم بهذا الشكل المهين للجميع.

ثم تتقدم قليلا لتجد قسم الشرطة الذي تطاول ليأكل الرصيف كله وجزءا من نهر الشارع، بل ويغلق الشارع المجاور للقسم تماما ويحوله مع الوقت إلى مرفأ لسياراته، ومجلس لكتبته ومن يحتاجهم من المواطنين، بالإضافة لمقلب قمامة مصغر للمجندين وزائري القسم.

ثم تُفاجأ بهدم فيلا أخرى من القلائل الباقية في الإسكندرية. متنفس آخر للشمس والهواء والخضرة والحياة يضنّون به علينا، لينمو مكانه تنين مجنح جديد على كامل المساحة وبسرعة البرق وبارتفاع عشرين طابقا حاجبا النور والهواء! ولن تعدم مصادفة قط صغير نافق بجانب الرصيف، أو كلب شارع أجرب نحيل متعب، أو شتلة صغيرة جافة تعاني الإهمال والعطش.


ولن تفتقد المكفهرين، والمتحفزين، والمتعاركين، ومن تلطم طفلها ذا السابعة على وجهه وسط الشارع وأمام المارة لأي سبب كان، مطلقة كل طاقات إحباطها وغضبها من نفسها ومن العالم! أو من يسبّ زميله بأبشع الألفاظ طلبا للضحك! أو من يخطئ ولا يعتذر، أو من لا يرد السلام ولا الشكر..ولا يبدأ أحدا بهما أبدا..

لكنني مع كل ذلك أضمن لك مشاهدة أحدهم يخرج من دكانه حاملا زجاجة مياه بلاستيكية ليسقي شجيرات الرصيف التائقة لجرعة محبته تلك لتتشبث مثلنا بالبقاء.

وأضمن لك أن تسمع صوت فيروز فجأة منطلقا من محل بقالة أو من نافذة سيارة فتدندن وراءه وكأنه قرص بانادول يسكّن صداع العالم.

أو أن تفرح لرؤية ضابط المرور الطيب الممتلئ متوسط العمر الذي يقف بجوار دراجته النارية قرب العصر ليؤدي مهمته في تيسير الحياة على الناس بجدية وتواضع.. والذي للعجب لا يحتاج في ذلك لارتداء نظارة شمسية ثمينة جدا!

أو أن ترى من يحمل الأكياس عن زوجته ويضاحكها وهما يسرعان للحاق بالترام، فتتأكد من أن الزوج خفيف الظل رزق كما يروق للنساء أن يمزحن ساخرات.. وكذلك الزوجة الضاحكة المتجاوبة رزق آخر!

أو أن يوشك سائق التريسكل الخمسيني البسيط على مزاحمتك في الشارع والاحتكاك بجانب السيارة، فتنظر له بلوم عارضا عليه أخذ مرآة السيارة الجانبية لو كان هذا هدفه! فيضحك كثيرا وكأنه بحاجة للضحك والله، ثم يميل برأسه لمواجهة نافذتك تماما قائلا من قلبه: نهارك زي العسل!

أو أن تصادف في إحدى الإشارات صغيرة جميلة في الخامسة، تستند بذقنها على نافذة السيارة وأمها بجوارها مشغولة بالقيادة وبحديث الهاتف، وهي سارحة في أحلام طفولتها التي تتمنى أن تكون سعيدة، فتفاجئها بالنظر لعينيها الخضراوين وشعرها المجعد الجميل وتقول باسما: إيه الجمال ده بس! لتجدها تلتفت للأمام بسرعة وبمنتهى الخجل.. ثم تلمح جانب وجهها المنمنم وقد انفرجت شفتاها الصغيرتان فيه عن ابتسامة واسعة تفتح لقلبك كل أقفال العالم!

قالتها الست يا عزيزي: "وأهو من ده وده.. الحب كده" .. حب الحياة بالكدر والمسرات معا. خلطة الحب هي كده فعلا.. المهم ألا يعدمه قلبك أبدا..

مساء المحبة..
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الإسكندرية الحب التعاسة الحياة العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 20 مايو 2019 | الواحد فينا بعد أن تنهكه الحيرة عمراً طويلاً وهو يطالع الأمثلة في نفسه وفي الناس، ويظل يتساءل عن كيفية حل المعضلات الاجتماعية التي لا يكاد يرضى أحد أطرافها حتى يسخط الآخر..
    • مشاركة
  • 9 مايو 2019 | عندما عدنا لبلدتنا في الشرقية، كان له في أسرته وبين أقاربه وضع مميز.. الحاج عبد السلام الثري القادم من الخليج، صاحب الدار الفخمة المبنية بالرخام على الطريق العمومي. كان الكل يتسابقون لاستشارته ولمرافقته. وكان يفتخر أمامنا بذلك كثيراً.
    • مشاركة
  • 5 مايو 2019 | في مثل هذا الوقت من كل عام تستعر حملات الدعاية التليفزيونية للتبرع للجهات الخيرية ومنها الكثير من المستشفيات، وتقابلها حملات مضادة من نسبة معتبرة من الناس تشكك في كل تلك الحملات وتدعو لعدم التبرع لتلك الجهات بالكلية..
    • مشاركة
  • 2 أبريل 2019 | تتذكر "جو" الآن، بعد الضجة الكبيرة حول حالتها النادرة، أنها بالفعل عاشت عمرها كله ولم تكن تشعر بآلام الجروح والحروق وقت حدوثها، وتستدرك ضاحكة: ربما فقط نبهتني رائحة الدخان أو صوت طقطقة لحم يحترق، فأنظر لأجده ذراعي!..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة

في الحب

19 ديسمبر 2018

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
في جولة نهارية في الشارع لن تفتقد أسبابا إضافية للتعاسة. فإذا كنت محظوظا مثلي ولم يمتلئ إناؤك عن آخره بعد كل ما نعيشه، فها هو الشارع الذي أكل الدهر على أسفلته وشرب حتى لتتعجب من وصفه شارعا في مدينة كبرى في القرن الواحد والعشرين.

وها هي الألواح الخرسانية التي تحيط بمدخل الكنيسة معززة بجوالات الرمال المرصوصة وكأنها دشمة حربية وليست بيتا لله، ترمقها بطرف عينك بكل وجع القلب والخجل من إخوة الوطن المضطرين لحماية أرواحهم بهذا الشكل المهين للجميع.

ثم تتقدم قليلا لتجد قسم الشرطة الذي تطاول ليأكل الرصيف كله وجزءا من نهر الشارع، بل ويغلق الشارع المجاور للقسم تماما ويحوله مع الوقت إلى مرفأ لسياراته، ومجلس لكتبته ومن يحتاجهم من المواطنين، بالإضافة لمقلب قمامة مصغر للمجندين وزائري القسم.

ثم تُفاجأ بهدم فيلا أخرى من القلائل الباقية في الإسكندرية. متنفس آخر للشمس والهواء والخضرة والحياة يضنّون به علينا، لينمو مكانه تنين مجنح جديد على كامل المساحة وبسرعة البرق وبارتفاع عشرين طابقا حاجبا النور والهواء! ولن تعدم مصادفة قط صغير نافق بجانب الرصيف، أو كلب شارع أجرب نحيل متعب، أو شتلة صغيرة جافة تعاني الإهمال والعطش.


ولن تفتقد المكفهرين، والمتحفزين، والمتعاركين، ومن تلطم طفلها ذا السابعة على وجهه وسط الشارع وأمام المارة لأي سبب كان، مطلقة كل طاقات إحباطها وغضبها من نفسها ومن العالم! أو من يسبّ زميله بأبشع الألفاظ طلبا للضحك! أو من يخطئ ولا يعتذر، أو من لا يرد السلام ولا الشكر..ولا يبدأ أحدا بهما أبدا..

لكنني مع كل ذلك أضمن لك مشاهدة أحدهم يخرج من دكانه حاملا زجاجة مياه بلاستيكية ليسقي شجيرات الرصيف التائقة لجرعة محبته تلك لتتشبث مثلنا بالبقاء.

وأضمن لك أن تسمع صوت فيروز فجأة منطلقا من محل بقالة أو من نافذة سيارة فتدندن وراءه وكأنه قرص بانادول يسكّن صداع العالم.

أو أن تفرح لرؤية ضابط المرور الطيب الممتلئ متوسط العمر الذي يقف بجوار دراجته النارية قرب العصر ليؤدي مهمته في تيسير الحياة على الناس بجدية وتواضع.. والذي للعجب لا يحتاج في ذلك لارتداء نظارة شمسية ثمينة جدا!

أو أن ترى من يحمل الأكياس عن زوجته ويضاحكها وهما يسرعان للحاق بالترام، فتتأكد من أن الزوج خفيف الظل رزق كما يروق للنساء أن يمزحن ساخرات.. وكذلك الزوجة الضاحكة المتجاوبة رزق آخر!

أو أن يوشك سائق التريسكل الخمسيني البسيط على مزاحمتك في الشارع والاحتكاك بجانب السيارة، فتنظر له بلوم عارضا عليه أخذ مرآة السيارة الجانبية لو كان هذا هدفه! فيضحك كثيرا وكأنه بحاجة للضحك والله، ثم يميل برأسه لمواجهة نافذتك تماما قائلا من قلبه: نهارك زي العسل!

أو أن تصادف في إحدى الإشارات صغيرة جميلة في الخامسة، تستند بذقنها على نافذة السيارة وأمها بجوارها مشغولة بالقيادة وبحديث الهاتف، وهي سارحة في أحلام طفولتها التي تتمنى أن تكون سعيدة، فتفاجئها بالنظر لعينيها الخضراوين وشعرها المجعد الجميل وتقول باسما: إيه الجمال ده بس! لتجدها تلتفت للأمام بسرعة وبمنتهى الخجل.. ثم تلمح جانب وجهها المنمنم وقد انفرجت شفتاها الصغيرتان فيه عن ابتسامة واسعة تفتح لقلبك كل أقفال العالم!

قالتها الست يا عزيزي: "وأهو من ده وده.. الحب كده" .. حب الحياة بالكدر والمسرات معا. خلطة الحب هي كده فعلا.. المهم ألا يعدمه قلبك أبدا..

مساء المحبة..
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
دلالات: الإسكندرية الحب التعاسة الحياة العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 20 مايو 2019 | الواحد فينا بعد أن تنهكه الحيرة عمراً طويلاً وهو يطالع الأمثلة في نفسه وفي الناس، ويظل يتساءل عن كيفية حل المعضلات الاجتماعية التي لا يكاد يرضى أحد أطرافها حتى يسخط الآخر..
    • مشاركة
  • 9 مايو 2019 | عندما عدنا لبلدتنا في الشرقية، كان له في أسرته وبين أقاربه وضع مميز.. الحاج عبد السلام الثري القادم من الخليج، صاحب الدار الفخمة المبنية بالرخام على الطريق العمومي. كان الكل يتسابقون لاستشارته ولمرافقته. وكان يفتخر أمامنا بذلك كثيراً.
    • مشاركة
  • 5 مايو 2019 | في مثل هذا الوقت من كل عام تستعر حملات الدعاية التليفزيونية للتبرع للجهات الخيرية ومنها الكثير من المستشفيات، وتقابلها حملات مضادة من نسبة معتبرة من الناس تشكك في كل تلك الحملات وتدعو لعدم التبرع لتلك الجهات بالكلية..
    • مشاركة
  • 2 أبريل 2019 | تتذكر "جو" الآن، بعد الضجة الكبيرة حول حالتها النادرة، أنها بالفعل عاشت عمرها كله ولم تكن تشعر بآلام الجروح والحروق وقت حدوثها، وتستدرك ضاحكة: ربما فقط نبهتني رائحة الدخان أو صوت طقطقة لحم يحترق، فأنظر لأجده ذراعي!..
    • مشاركة

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل