alaraby-search
الخميس 08/11/2018 م (آخر تحديث) الساعة 15:11 بتوقيت القدس 13:11 (غرينتش)
الطقس
errors

أنقذوا "دولة كأن"!

8 نوفمبر 2018

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
نحن يا سادة نعرف قدرنا في هذا العالم الكبير، كبرنا وأفقنا من أوهام الماضي المجيد والتاريخ التليد، وتخلينا عن نزق الشباب وتهوره، أو تخلت عنا حِميته وكبرياؤه، فأصبحنا نقدر العالم الثالث الذي ننتمي إليه، نقدره ونألفه، بل ونحبه!

على الأقل هو عالم له غاية يسعى للوصول إليها في مستقبله مهما ساء حال حاضره، لكن خبرني بالله عليك كيف يعيش أهل العالم الأول هؤلاء هكذا بلا غاية؟ متنعمين على الدوام؟ مرتاحين أبدا؟ لا يتطلعون إلى طبقة أعلى على سلم التقدم ليرتقوها، ولا يرومون إصلاح مجارٍ، ولا تشغيل مدارس، ولا إلغاء دروس خصوصية، ولا خفض أسعار، ولا رفع قمامة؟ تالله لهي حياة تبدو للرائي هنيةً على البعد، لكنها تنضح في قلبها بالملل والوحشة والاكتئاب بلا شك، فلهم الله!

هذه مقدمة ضرورية لكي تتأكدوا من أن الرضا بالمقسوم هو شعارنا، وأننا لسنا شعوبا من النماريد و"قلالات الأصل" ومن يأكلون زادكم الطيب ثم ينكرونه كما يدّعي علينا الإخوة "السنيدة" في الصحف والقنوات، بالعكس، لقد نضجنا وأمسينا "لا أصبحنا"، في ظلام عالمنا الجميل، أكثر سعادة وامتنانا. فمن يأكل منا، ينظر لمن يبيت خاوي الجوف، ومن يكدح عمره كله لسد الرمق، ينظر للعاطل البائس، ومن ينجُ من حفرة العلاج الشحيح، يشفق على من يقع فيها، ومن ينخرس لسانه لكنه ما يزال قادرا على سماع صوت تنفسه، يتذكر بفرحة الناجين مَن يُقَطّعون بالمناشير ويذابون في الأحماض، وهكذا دواليك.

كلنا يتدلى رأسه للنظر للأسفل طالبا كبح جماح نفسه المتطلعة الأمارة بالسوء، حتى أمسينا أمة من مقصوفي الرقبة فعلا، كما يهمز بها ويلمز الإخوة "السنيدة" لهم من المولى ما يستحقون.


وللحق، لا يتعارض الرضا بالحال وقصف الرقبة هذا مع رغبة الواحد منا في حفظ شكله أمام العالم، مجرد شكله! فقد صرت مع النضج والوعي، محبة لـ"دولة كأن" ومعضدة لوجودها.

إذ ما أبدع أن نتخفف من أعباء الجد والاجتهاد لملء الجوهر وتحقيق المعاني، فيما يسعنا، بلا مجهود يذكر، رسم مظهر معقول نكيد به العذال والشامتين والمتهكمين على موقعنا المتأخر بين الأمم!

لكن على ما صرت أعتقده من عبقرية في إقامة دولة كأن والحفاظ عليها لعقود طويلة، أجدني الآن قلقة على بقاء تلك الدولة الظريفة التي نرتع في خيرها صباح مساء. فقد بت ألاحظ هبوطا عن مستوى الحد الأدنى الذي تتطلبه إقامة دولتنا العامرة بكل أسف، وأقصد بالحد الأدنى أقل قدر ممكن من الشروط اللازمة لإقامة "مناظر" دولتنا، وهو الحد الذي يعني الهبوط عنه تهديد دولة كأن في وجودها نفسه!

ولتنظروا معي لكل المهن بلا استثناء واحد، كلها بدأت تتخلى عن الحد الأدنى المطلوب، فمثلا، نحن لن نتجرأ ونطلب لـ"دولة كأن" المعلم المتعلم بحق، ولا الفاهم، ولا المتنور، ولا التربوي، ولا المحترم المهاب، فذلك من خيالات الماضي البائد، لكننا يجب أن نقلق ونراجع الحدود الدنيا عندما يتفشى المعلم "الصايع" والبلطجي والسبّاب والفحاش والراقص والمعتدي والمتحرش والمغتصب.

لا نطلب تعميم الطبيب المتعلم المتدرب الإنساني الراقي المتعاطف المواكب لأطباء العالم علما وعملا وخلقا، لكننا يجب أن نحد من أخبار الطبيب المضروب والمهان، ومن نماذج الطبيب الغليظ عديم الرحمة، ومن حوادث الطبيب المقصر المخطئ الهارب من المسؤولية.

لا نطلب القاضي العلامة الفطحل في اللغة والقانون والأدب والتاريخ والذي يتذكر الناس أحكامه ومواقفه بعد الزمان بزمان، فنحن راضون به "بيفك الخط" ويقرأ على العوام ما تيسر من الذكر ولو بلا أي تجويد!

لا نطالب باستنساخ علماء مثل زويل وحجي ومشرفة، بل لا نريد علماء بالمرة، "دولة كأن" لا تحتاجهم أصلا! لكن ارحمونا من مسوخ الفضائيات من المخترعين والعباقرة وفلتات زمانهم قبل أن يتنبه لنا العالم!

لا نريد المذيعين والمذيعات مثقفين ولا محاورين ولا وقورين ولا حتى ذوي أصوات صالحة للمايكروفون، لكننا لا نريدهم في صورة الراقصات والمتبذلات والبلطجية والسِفلة والمحرضين، أو الفلاح الفصيح!

لن نحلم بالسياسي والتنفيذي الحريص المتزن الواعي المدقق في كلامه لأنه محسوب عليه، فالحساب عندنا يوم الحساب كما قال أحدهم، لكننا ننصح بالستر وبقلة التصريحات، فنحن نفضلهم "يعملون في صمت" عن فضحنا بكل هذا الهراء!

وقس على ذلك الكتّاب والصحافيين والفنانين والدعاة والشيوخ والحقوقيين والمعارضة و"المنافقة"، والعامل في مصنعه والفلاح في حقله وكل من يعيش معنا حالة كأن البديعة هذه.

انتبهوا يا سادة! حافظوا على الحد الأدنى لـ"المظهر" المقبول لكل شيء، وابتعدوا عن الفجاجة ومخاصمة أبسط ما اتفقت عليه البشرية، فالخوف كل الخوف أن نكون -لبؤس طالعنا- الجيل الشقي الذي يبدد "دولة كأن" التي هلك دونها الآباء والأجداد، والتي تضمن لنا البقاء في العالم الثالث، أو في أي عالم والسلام!

اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
دلالات: العالم الثالث الرضا الدولة الحد الأدنى المظهر الماضي المستقبل الحاضر العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 5 نوفمبر 2018 | كان لي في لندن صديقة وزوجها مصريان شديدا الالتزام. وكانا يتضرران بشدة من مشاهد العري والحميمية في الشوارع والحدائق ووسائل المواصلات. وكان هذا هو سبب الفراق النفسي بينهما وبين البلد طوال فترة إقامتهما الطويلة فيها..
    • مشاركة
  • 29 أكتوبر 2018 | شكت لي صديقة قديمة يوما في بدايات زواجنا، وكنا حقا صغيرات وبلا أية خبرة، من أنها تستهلك كل طاقتها الجسدية والنفسية في أعمال المنزل ورعاية الصغير طوال النهار، بهدف أن يأتي الزوج المرهق في عمله، فيجد كل شيء معدا لراحته.
    • مشاركة
  • 16 أكتوبر 2018 | تعلق صديقتي بتهكم ومرارة على رأيي بضرورة وجود دليل على ما يقام من دعاوى تحرش واعتداء جنسي، وبأن القول بغير ذلك يعد طعناً للعدالة في مقتل وفتحاً لباب شيطاني من التجني على سمعة الأفراد وهدم حياتهم..
    • مشاركة
  • 1 أكتوبر 2018 | منذ حوالى العامين تابعت باهتمام اندلاع فضيحة المنتج الأميركي هارفي واينستين بعشرات دعاوى التحرش والاغتصاب التي وجهتها له شهيرات في عالم هوليوود، والتي كان من تداعياتها إطلاق حملة me too..
    • مشاركة

أنقذوا "دولة كأن"!

8 نوفمبر 2018

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
نحن يا سادة نعرف قدرنا في هذا العالم الكبير، كبرنا وأفقنا من أوهام الماضي المجيد والتاريخ التليد، وتخلينا عن نزق الشباب وتهوره، أو تخلت عنا حِميته وكبرياؤه، فأصبحنا نقدر العالم الثالث الذي ننتمي إليه، نقدره ونألفه، بل ونحبه!

على الأقل هو عالم له غاية يسعى للوصول إليها في مستقبله مهما ساء حال حاضره، لكن خبرني بالله عليك كيف يعيش أهل العالم الأول هؤلاء هكذا بلا غاية؟ متنعمين على الدوام؟ مرتاحين أبدا؟ لا يتطلعون إلى طبقة أعلى على سلم التقدم ليرتقوها، ولا يرومون إصلاح مجارٍ، ولا تشغيل مدارس، ولا إلغاء دروس خصوصية، ولا خفض أسعار، ولا رفع قمامة؟ تالله لهي حياة تبدو للرائي هنيةً على البعد، لكنها تنضح في قلبها بالملل والوحشة والاكتئاب بلا شك، فلهم الله!

هذه مقدمة ضرورية لكي تتأكدوا من أن الرضا بالمقسوم هو شعارنا، وأننا لسنا شعوبا من النماريد و"قلالات الأصل" ومن يأكلون زادكم الطيب ثم ينكرونه كما يدّعي علينا الإخوة "السنيدة" في الصحف والقنوات، بالعكس، لقد نضجنا وأمسينا "لا أصبحنا"، في ظلام عالمنا الجميل، أكثر سعادة وامتنانا. فمن يأكل منا، ينظر لمن يبيت خاوي الجوف، ومن يكدح عمره كله لسد الرمق، ينظر للعاطل البائس، ومن ينجُ من حفرة العلاج الشحيح، يشفق على من يقع فيها، ومن ينخرس لسانه لكنه ما يزال قادرا على سماع صوت تنفسه، يتذكر بفرحة الناجين مَن يُقَطّعون بالمناشير ويذابون في الأحماض، وهكذا دواليك.

كلنا يتدلى رأسه للنظر للأسفل طالبا كبح جماح نفسه المتطلعة الأمارة بالسوء، حتى أمسينا أمة من مقصوفي الرقبة فعلا، كما يهمز بها ويلمز الإخوة "السنيدة" لهم من المولى ما يستحقون.


وللحق، لا يتعارض الرضا بالحال وقصف الرقبة هذا مع رغبة الواحد منا في حفظ شكله أمام العالم، مجرد شكله! فقد صرت مع النضج والوعي، محبة لـ"دولة كأن" ومعضدة لوجودها.

إذ ما أبدع أن نتخفف من أعباء الجد والاجتهاد لملء الجوهر وتحقيق المعاني، فيما يسعنا، بلا مجهود يذكر، رسم مظهر معقول نكيد به العذال والشامتين والمتهكمين على موقعنا المتأخر بين الأمم!

لكن على ما صرت أعتقده من عبقرية في إقامة دولة كأن والحفاظ عليها لعقود طويلة، أجدني الآن قلقة على بقاء تلك الدولة الظريفة التي نرتع في خيرها صباح مساء. فقد بت ألاحظ هبوطا عن مستوى الحد الأدنى الذي تتطلبه إقامة دولتنا العامرة بكل أسف، وأقصد بالحد الأدنى أقل قدر ممكن من الشروط اللازمة لإقامة "مناظر" دولتنا، وهو الحد الذي يعني الهبوط عنه تهديد دولة كأن في وجودها نفسه!

ولتنظروا معي لكل المهن بلا استثناء واحد، كلها بدأت تتخلى عن الحد الأدنى المطلوب، فمثلا، نحن لن نتجرأ ونطلب لـ"دولة كأن" المعلم المتعلم بحق، ولا الفاهم، ولا المتنور، ولا التربوي، ولا المحترم المهاب، فذلك من خيالات الماضي البائد، لكننا يجب أن نقلق ونراجع الحدود الدنيا عندما يتفشى المعلم "الصايع" والبلطجي والسبّاب والفحاش والراقص والمعتدي والمتحرش والمغتصب.

لا نطلب تعميم الطبيب المتعلم المتدرب الإنساني الراقي المتعاطف المواكب لأطباء العالم علما وعملا وخلقا، لكننا يجب أن نحد من أخبار الطبيب المضروب والمهان، ومن نماذج الطبيب الغليظ عديم الرحمة، ومن حوادث الطبيب المقصر المخطئ الهارب من المسؤولية.

لا نطلب القاضي العلامة الفطحل في اللغة والقانون والأدب والتاريخ والذي يتذكر الناس أحكامه ومواقفه بعد الزمان بزمان، فنحن راضون به "بيفك الخط" ويقرأ على العوام ما تيسر من الذكر ولو بلا أي تجويد!

لا نطالب باستنساخ علماء مثل زويل وحجي ومشرفة، بل لا نريد علماء بالمرة، "دولة كأن" لا تحتاجهم أصلا! لكن ارحمونا من مسوخ الفضائيات من المخترعين والعباقرة وفلتات زمانهم قبل أن يتنبه لنا العالم!

لا نريد المذيعين والمذيعات مثقفين ولا محاورين ولا وقورين ولا حتى ذوي أصوات صالحة للمايكروفون، لكننا لا نريدهم في صورة الراقصات والمتبذلات والبلطجية والسِفلة والمحرضين، أو الفلاح الفصيح!

لن نحلم بالسياسي والتنفيذي الحريص المتزن الواعي المدقق في كلامه لأنه محسوب عليه، فالحساب عندنا يوم الحساب كما قال أحدهم، لكننا ننصح بالستر وبقلة التصريحات، فنحن نفضلهم "يعملون في صمت" عن فضحنا بكل هذا الهراء!

وقس على ذلك الكتّاب والصحافيين والفنانين والدعاة والشيوخ والحقوقيين والمعارضة و"المنافقة"، والعامل في مصنعه والفلاح في حقله وكل من يعيش معنا حالة كأن البديعة هذه.

انتبهوا يا سادة! حافظوا على الحد الأدنى لـ"المظهر" المقبول لكل شيء، وابتعدوا عن الفجاجة ومخاصمة أبسط ما اتفقت عليه البشرية، فالخوف كل الخوف أن نكون -لبؤس طالعنا- الجيل الشقي الذي يبدد "دولة كأن" التي هلك دونها الآباء والأجداد، والتي تضمن لنا البقاء في العالم الثالث، أو في أي عالم والسلام!

اللهم قد بلغت.. اللهم فاشهد.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print

نبذة عن المدون

مدونة مصرية حاصلة على بكالوريوس علوم تخصص كيمياء، وبعدها "ليسانس" آداب لغة إنجليزية، من جامعة الإسكندرية حيث تقيم. عملت بالترجمة لفترة في الولايات المتحدة.
الأكثر مشاهدة
دلالات: العالم الثالث الرضا الدولة الحد الأدنى المظهر الماضي المستقبل الحاضر العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 5 نوفمبر 2018 | كان لي في لندن صديقة وزوجها مصريان شديدا الالتزام. وكانا يتضرران بشدة من مشاهد العري والحميمية في الشوارع والحدائق ووسائل المواصلات. وكان هذا هو سبب الفراق النفسي بينهما وبين البلد طوال فترة إقامتهما الطويلة فيها..
    • مشاركة
  • 29 أكتوبر 2018 | شكت لي صديقة قديمة يوما في بدايات زواجنا، وكنا حقا صغيرات وبلا أية خبرة، من أنها تستهلك كل طاقتها الجسدية والنفسية في أعمال المنزل ورعاية الصغير طوال النهار، بهدف أن يأتي الزوج المرهق في عمله، فيجد كل شيء معدا لراحته.
    • مشاركة
  • 16 أكتوبر 2018 | تعلق صديقتي بتهكم ومرارة على رأيي بضرورة وجود دليل على ما يقام من دعاوى تحرش واعتداء جنسي، وبأن القول بغير ذلك يعد طعناً للعدالة في مقتل وفتحاً لباب شيطاني من التجني على سمعة الأفراد وهدم حياتهم..
    • مشاركة
  • 1 أكتوبر 2018 | منذ حوالى العامين تابعت باهتمام اندلاع فضيحة المنتج الأميركي هارفي واينستين بعشرات دعاوى التحرش والاغتصاب التي وجهتها له شهيرات في عالم هوليوود، والتي كان من تداعياتها إطلاق حملة me too..
    • مشاركة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل