alaraby-search
الأحد 26/03/2017 م (آخر تحديث) الساعة 03:59 بتوقيت القدس 00:59 (غرينتش)
الطقس
errors

الروائح في المنفى

26 مارس 2017

نبذة عن المدون

مدوّنة سوريّة، وطالبة في الدراسات الشرق أوسطية والدراسات الجندرية. مقيمة في شيكاجو، في الولايات المتحدة الأميركيّة.

تقول: "أحد أكبر الحركات الثورية التي تستطيع المرأة القيام بها، هوعدم تبرير نفسها لأي أحد".
الأكثر مشاهدة

  

اليوم، دعتني فتاة فلسطينية تشبه دمشق، إلى مطعم فلسطيني في شيكاغو. أعطتني حفنة من أنوثتها الخالصة: أربعة أقلام من أحمر الشفاه. أهدتني صورة لبحرٍ زعمت أنه يشبهني، مع بعض الشِّعر، وقطعة من قلبها الذي شرب من المنفى كؤوساً أسكرته بالوَجْد.

وبالرغم من نباتيّتي الصارمة، لم أقدر على عدم طلب الشاورما من مطعم ينضح بالشوارع السورية وبموسيقا العود التي تئن بشجن. عند وصول الطبق، جلست أتأمله لدقائق شعرت فيها بأني وقعت في ثقب أسود أرجعني إلى سورية. آخر مرة أكلت فيها الشاورما كانت في سورية، ثم بيروت، منذ أربع سنوات. الكثير تغير مذ ذاك الوقت، فقد ترقّى المنفى ليصبح منفىً مع منافع وغرف أكبر لأضع فيها بعض الأحلام التي انتظرَت طويلاً. صرت أحس أكثر أيضاً، لدرجة أنني لم أعد أستطع أن أقتل المخلوقات قليلة الحيلة كالدجاج والبقر من أجل متعتي اللحظية فقط.

للحظة، أخذتني الرائحة إلى هناك. طريق قنوات في السويداء التي ذهبت عنها غاضبة. باب توما في دمشق التي ودعتها كما ودعت أبي قبل أن أعرفه جيداً، لكنني عرفت دائماً بأني منه، ومنها. شارع الحمرا بيروت، شاورما "بربر" التي ألقتني في الفراش مريضة بعد كل وجبة تقدر بأربعة آلاف ليرة لبنانية، لكن ولسبب ما، مرضي هذا لم يمنعني من شرائها عند نهاية كل أسبوع أو اثنين كمكافأة على استقلالي المادي المتواضع. في تركيا، لم أفكر حتى في شراء الشاورما الملقبة بالدونر، والتي حاول الكثير من الأصدقاء أن يقنعني بأنها "شاورما" دون أن أقتنع. فتلك "الشاورما" بدت لي كخيانة لطبقنا الأصلي مع كل تلك الإضافات والخضروات.

رائحة الشاورما والثوم صفعتني هنا في شيكاغو، وأوقعتني في حفرة من الذكريات تنتهي من حيث أنا، وترميني في قاعها البعيد الذي يقع هناك، في سورية.

لم أكمل الوجبة، فالوليمة التي اقترفَتْها ذاكرتي كانت مُتخِمة، وقلبي الساخر لم يحرك ساكناً عندما أمرته بالعودة إلى الـ"هنا". يضحك بصدقٍ متعجرف ويقول:

"المنفى المُختار، لا يزال منفى. الذاكرة، وإن طُمِرت، لا تزل ذاكرة. الروائح المألوفة تمسح الغبار عن الذاكرة بشغف، وتقدمها للقلب على طبق من حنين. لن تهربي. ابكي انكساري أيتها الصغيرة المنفية، لا بأس بذلك". ثم انفَطَرْ.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 10 أغسطس 2017 | ربما إن لم ننظر في عين المجرم مباشرةً،سننسى.ربما،
    • مشاركة
  • 29 مايو 2017 | وقفت تحت المطر لمدة ساعة في أكثر مكان مزدحم في هذه المدينة العملاقة عند تقاطع للمشاة. السماء تمطر بخفة أحياناً، وبشدة أحياناً أخرى.
    • مشاركة
  • 29 أبريل 2017 | مشكلتي مع الوجود أنه يصبح عصيّاً على الرؤية كلما تقدم الزمن. الوجود قديماً كان واضحاً: إن كنت في مكان ما، فأنت موجود فيه. وإن كنت في مكان آخر، فأنت هناك، ولست هنا.
    • مشاركة
  • 18 مارس 2017 | أقف أمام الفرح باستغرابأنظر حولي لأتأكد إن كان يمشي نحويأنا؟
    • مشاركة

نبذة عن المدون

مدوّنة سوريّة، وطالبة في الدراسات الشرق أوسطية والدراسات الجندرية. مقيمة في شيكاجو، في الولايات المتحدة الأميركيّة.

تقول: "أحد أكبر الحركات الثورية التي تستطيع المرأة القيام بها، هوعدم تبرير نفسها لأي أحد".
الأكثر مشاهدة

الروائح في المنفى

26 مارس 2017

نبذة عن المدون

مدوّنة سوريّة، وطالبة في الدراسات الشرق أوسطية والدراسات الجندرية. مقيمة في شيكاجو، في الولايات المتحدة الأميركيّة.

تقول: "أحد أكبر الحركات الثورية التي تستطيع المرأة القيام بها، هوعدم تبرير نفسها لأي أحد".
الأكثر مشاهدة

  

اليوم، دعتني فتاة فلسطينية تشبه دمشق، إلى مطعم فلسطيني في شيكاغو. أعطتني حفنة من أنوثتها الخالصة: أربعة أقلام من أحمر الشفاه. أهدتني صورة لبحرٍ زعمت أنه يشبهني، مع بعض الشِّعر، وقطعة من قلبها الذي شرب من المنفى كؤوساً أسكرته بالوَجْد.

وبالرغم من نباتيّتي الصارمة، لم أقدر على عدم طلب الشاورما من مطعم ينضح بالشوارع السورية وبموسيقا العود التي تئن بشجن. عند وصول الطبق، جلست أتأمله لدقائق شعرت فيها بأني وقعت في ثقب أسود أرجعني إلى سورية. آخر مرة أكلت فيها الشاورما كانت في سورية، ثم بيروت، منذ أربع سنوات. الكثير تغير مذ ذاك الوقت، فقد ترقّى المنفى ليصبح منفىً مع منافع وغرف أكبر لأضع فيها بعض الأحلام التي انتظرَت طويلاً. صرت أحس أكثر أيضاً، لدرجة أنني لم أعد أستطع أن أقتل المخلوقات قليلة الحيلة كالدجاج والبقر من أجل متعتي اللحظية فقط.

للحظة، أخذتني الرائحة إلى هناك. طريق قنوات في السويداء التي ذهبت عنها غاضبة. باب توما في دمشق التي ودعتها كما ودعت أبي قبل أن أعرفه جيداً، لكنني عرفت دائماً بأني منه، ومنها. شارع الحمرا بيروت، شاورما "بربر" التي ألقتني في الفراش مريضة بعد كل وجبة تقدر بأربعة آلاف ليرة لبنانية، لكن ولسبب ما، مرضي هذا لم يمنعني من شرائها عند نهاية كل أسبوع أو اثنين كمكافأة على استقلالي المادي المتواضع. في تركيا، لم أفكر حتى في شراء الشاورما الملقبة بالدونر، والتي حاول الكثير من الأصدقاء أن يقنعني بأنها "شاورما" دون أن أقتنع. فتلك "الشاورما" بدت لي كخيانة لطبقنا الأصلي مع كل تلك الإضافات والخضروات.

رائحة الشاورما والثوم صفعتني هنا في شيكاغو، وأوقعتني في حفرة من الذكريات تنتهي من حيث أنا، وترميني في قاعها البعيد الذي يقع هناك، في سورية.

لم أكمل الوجبة، فالوليمة التي اقترفَتْها ذاكرتي كانت مُتخِمة، وقلبي الساخر لم يحرك ساكناً عندما أمرته بالعودة إلى الـ"هنا". يضحك بصدقٍ متعجرف ويقول:

"المنفى المُختار، لا يزال منفى. الذاكرة، وإن طُمِرت، لا تزل ذاكرة. الروائح المألوفة تمسح الغبار عن الذاكرة بشغف، وتقدمها للقلب على طبق من حنين. لن تهربي. ابكي انكساري أيتها الصغيرة المنفية، لا بأس بذلك". ثم انفَطَرْ.
  • مشاركة
  • 0
  • 0
  • 0
  • print
العودة إلى القسم

تدوينات سابقة

  • 10 أغسطس 2017 | ربما إن لم ننظر في عين المجرم مباشرةً،سننسى.ربما،
    • مشاركة
  • 29 مايو 2017 | وقفت تحت المطر لمدة ساعة في أكثر مكان مزدحم في هذه المدينة العملاقة عند تقاطع للمشاة. السماء تمطر بخفة أحياناً، وبشدة أحياناً أخرى.
    • مشاركة
  • 29 أبريل 2017 | مشكلتي مع الوجود أنه يصبح عصيّاً على الرؤية كلما تقدم الزمن. الوجود قديماً كان واضحاً: إن كنت في مكان ما، فأنت موجود فيه. وإن كنت في مكان آخر، فأنت هناك، ولست هنا.
    • مشاركة
  • 18 مارس 2017 | أقف أمام الفرح باستغرابأنظر حولي لأتأكد إن كان يمشي نحويأنا؟
    • مشاركة

نبذة عن المدون

مدوّنة سوريّة، وطالبة في الدراسات الشرق أوسطية والدراسات الجندرية. مقيمة في شيكاجو، في الولايات المتحدة الأميركيّة.

تقول: "أحد أكبر الحركات الثورية التي تستطيع المرأة القيام بها، هوعدم تبرير نفسها لأي أحد".
الأكثر مشاهدة

التعليقات

شكراً لك ،
التعليقات الواردة من القراء تعبر عن آرائهم فقط، دون تحمل أي مسؤولية من قبل موقع "العربي الجديد" الالكتروني
alaraby-commentsloading

التعليقات ()

    المزيد

    انشر تعليقك عن طريق

    • زائر
    • فيسبوك alaraby - facebook - comment tabs loding
    • تويتر alaraby - Twitter - comment tabs loding
    تبقى لديك 500 حرف
    الحقول المعلّمة بـ ( * ) إلزامية أرسل