يوم عيد سعيد مع بهاجيجو (2/4)

يوم عيد سعيد مع بهاجيجو (2/4)

13 ابريل 2021
+ الخط -

حين طلب مني الأستاذ بهجت عثمان أن نغير موضوع المرض الثقيل على قلبه وقلبي، لم يجد أفضل ولا أحب على قلبينا من الحديث عن الكاتب الكبير محمد عفيفي رفيق سلاحه وكفاحه، خصوصاً حين عملا سوياً لسنوات في دار الهلال أو (دار الهلاك) كما كان يسميها ساخراً، واشتركا في أكثر من  تجربة صحفية من أجملها ما نشره محمد عفيفي في كتاب بعنوان (مغامرة فرعونية)، بالإضافة إلى باب ساخر أسبوعي كان عفيفي يكتبه ويشترك فيه بهجت بعدد من الكاريكاتيرات، يقول بهجت متذكراً تلك الأيام: "الحقيقة عِفّو الله يرحمه عمل مستوى صعب حد يوصل له في الكتابة الساخرة، كان بني آدم جميل وساحر، وهو على فكرة اللي دخّلني شلة الحرافيش وعرّفني بنجيب محفوظ، فاكر إني مرة قلت له: يا أخي احنا عايشين إزاي في البلد دي، كل حاجة ماشية عكس اللي مفروض يحصل، تصحى الصبح ما تلاقيش ميّة تغسل وشّك، على ما تستلف قزازة مية تغسل بيها وشك عشان تنزل شغلك وتروح تركب الأتوبيس تتبهدل وهكذا دواليك طول اليوم، أنا مش فاهمين احنا مكملين في العيشة دي إزاي؟ فقال لي تعبير عبقري كتبه بعد كده: العربة المتهالكة تستمر في المشي فقط إذا كان الطريق منحدراً".

الصورة
بهجت ومحمد عفيفي

حين حدثت الأستاذ بهجت عن إعجابي الشديد بالشغل البديع الذي كان يرسمه إلى جوار كتابة محمد عفيفي في مجلة (المصور) في سنوات الستينيات، والذي كنت قد اخترت بعضاً منه لأعيد نشره في صحيفة (الجيل)، وقبل أن أواصل إغداق الثناء على شغله، قام بتغيير الموضوع وحياني على ما قمت باختياره من شغل صديقه حجازي قائلا: "الراجل ده معلم وعمل شغل عظيم وأنا مبسوط إنه عايش مع جيلكم بقوة"، وحين قلت له إننا نحسن إلى أنفسنا بإعادة نشر إبداعهما الذي نتعلم منه الكثير، قاطعني قائلاً: "إحنا والله اللي بنتعلم منكم لإننا بنسمع من خلال اللي بتكتبوه صوتكم وصوت جيلكم وبنشوف إن في جيل جديد كويس وإن في لسه في خير في البلد، ده بيعلمنا كتير"، ثم حدثني عن علاقته بحجازي التي توطدت في الفترة التي كان فيها الاثنان أبرز فرسان الكاريكاتير في مصر في الخمسينيات في مجلة (صباح الخير)، قبل أن ينتقل بهجت إلى دار الهلال في الستينيات مع صديقه وأستاذه أحمد بهاء الدين، لكن حجازي كان في سنوات السبعينيات أغزر في الإنتاج من بهجت الذي قال لي عن صديقه ورفيق سلاحه: "أنا كنت أشعر بالغبطة ناحية إبداع حجازي، ساعات كتير كنت أشوف شغله وأقول يا سلام عليك يا حجازي، الفكرة دي كانت معدية من قدامي، إزاي أنا ما شفتهاش وفاتت عليّ، هو ده الشعور اللي كنت أحس بيه ناحية شغل حجازي، الغبطة مش الغيرة".

الصورة
طابور بهجت

قلت للأستاذ بهجت عثمان: "يا عمنا، لا أريد أن أقلب عليك المواجع، لكن بداخلي وبداخل العديد من أبناء جيلي من محبيك أسئلة كثيرة عن أسباب توقفك أنت وحجازي بالتحديد عن رسم الكاريكاتير، لأن رسوماتكما البديعة التي كانت تنشر في صحيفة (الأهالي) وقبلها في (روز اليوسف) كانت تنتصر لنا وتثأر لنا من الفاسدين والمستبدين، ما هي الحكاية بالضبط؟"، فأخذ تنهيدة طويلة ولم يرد عليّ بإفيه للمرة الأولى قائلاً: "والله قرار التوقف عن رسم الكاريكاتير ده مش قرار سهل زي ما ممكن حد يتخيل، لما تشتغل في مهنة أربعين سنة وبعدين تتوقف، ده كإنك بتقطع حتة من قلبك. لما كنت في دار الهلال أيام أنور السادات وقبل ما يصدر قرار وقفي عن الرسم، جت لي أمينة السعيد وقالت لي: الراجل مش عايزك ترسم خالص، تقصد السادات طبعاً، قلت لها طيب خديني أرسم قصص في مجلة حواء، ورحت فعلاً مجلة حواء وقعدت أرسم قصص وخلاص. بعدها بسنوات ولما رحت (الأهالي) انتعشت جداً وتحمست للشغل، واللي كنت بارسمه أنا وحجازي عمل مشاكل كتيرة وردود أفعال كنا فرحانين بيها، وكنت بارسم حاجة اسمها (الموكب)، سلسلة كده أبطالها العساكر اللي بنشوفهم في الشارع وشهم لينا وضهرهم للشارع وقت ما موكب الرئيس يعدي، وبعدين حصلت تغييرات في الأهالي لما مشّوا حسين عبد الرازق اللي كان رئيس التحرير وصلاح عيسى اللي كان مدير التحرير، وجابوا رئيس تحرير تاني، فجيت رسمت كاريكاتير من سلسلة (الموكب) إن العساكر واقفين وفي مواطن بيقول لمواطن تاني: أنا عايز أبعث فاكس لأمي عشان أقول لها إني هاتأخر، وكنت أنا عامل حكاية إني كل عدد في السلسلة دي أثبّت الشكل وأغيّر التعليق، فلقيت رئيس التحرير الجديد بيقول لي أنا خايف القارئ يحس إن العدد قديم وهو بيشتري الجرنان، قلت له: إزاي بس ده الكاريكاتير بيتنشر في الصفحة الأخيرة، الكلام ده ممكن لو كان الكاريكاتير بيتنشر في الصفحة الأولى، فقال لي: لأ برضه بلاش السلسلة دي، اعمل حاجة تانية، قلت له: طيب بلاش تنشر السلسلة دي في الصفحة الأخيرة، انشرها في بريد القراء، برضه ما حصلش، قمت بطّلت رسم".

الصورة
بهجاتوس

قلت له: "إذن مسألة التوقف لم تكن نابعة من داخلك، بل مرتبطة بعدم وجود من يتحمل نشر إبداعك دون رقابة أو قيود سواء في مجلات حكومية أو في صحف حزبية تتعرض لضغوط حكومية حين يتم تجاوز الخطوط الحمراء"، فأجاب وقد ملأ الهم صوته: "أبداً، الحكاية أكبر من كده، اللي بيحصل في البلد كله على بعضه هو السبب الحقيقي في التوقف، إنما حكاية الرقابة الفن ممكن يتجاوزها لو الفنان عايز، أنا فاكر إنه في عز سطوة عبد الحكيم عامر، كان في مرة هاجمنا إحنا رسامين الكاريكاتير عشان بنشكك في مبادئ الثورة، فرسمت يومها كاريكاتير اتنشر في (المصور) فيه دبّوس بيكلم إبرة وبيقول لها: أنا باشكّ برضه يا بتاعة الغُرَز. وطبعاً الكل كان عارف إني أقصد عبد الحكيم عامر اللي كانت النكت بتطلع كل يوم عن علاقته بالحشيش والغُرَز، لكن ما حدش قدر يتكلم طبعاً، أصل هيقولوا إيه؟ هيأكدوا التهمة على نائب الرئيس، أو يمكن ما خدوش بالهم، لكن الحكاية عدّت، يعني اللي عايز أقوله إن المسألة مش بس حكاية ديمقراطية ورقابة، إنما بقت حكاية الجدوى، إيه الجدوى من السخرية والكاريكاتير، الواقع اللي احنا عايشينه بقى محتاج لتغييره ما هو أكبر من السخرية، يعني في وضع يكون مناسب إنك تنكِّت عليه، وفي وضع تبقى عايز تحدفه بالطوب وتقول: آه يا ولاد الكلب، يعني لما أرسم شخصية (بهجاتوس) اللي جمعتها في كتاب (الديكتاتورية للمبتدئين) وبعدين بعد كل الشغل ده ألاقي إن كل ديكتاتورية بهجاتوس لا تساوي شيء من اللي بيعمله صداموس وعرفاتوس وأسدوس وغيرهم من الطغاة في بلادنا، لازم أتوقف عشان مش حاسس بأي جدوى للي بارسمه".

الصورة
فراخ بهجت

قلت له: "لكن يا عم بهجت انت مش محتاج إني أفكرك بإنه مش وظيفة الفنان إنه يغير الواقع، هل كنت متوقع إن فنك ممكن يغير الواقع"، فأجابني: "طبعا كنت متوقع ومتأكد إن الفن اللي بنعمله هيغير الواقع، يمكن ده كان غرور، بس ده كان حلمنا وأملنا، كان خيابة يمكن بس ما كانش خيانة وده الأهم، وعشان كده شفت إن لما الفنان يلاقي كل حاجة ما بتتغيرش إلا للأسوأ يبقى لازم يتوقف، أنا ما باتكلمش عن نفسي، باتكلم عن جيل بأكمله، بدأنا في مجلة (صباح الخير) أنا وحجازي وإيهاب شاكر وصلاح الليثي ورجائي ونيس ومحيي الدين اللباد ونبيل السلمي، كلنا كنا بنتبارى ونتنافس من أجل تحرير العقول والقلوب، كان شعار المجلة: للقلوب الشابة والعقول المتحررة، كانت فترة من أجمل وأنصع الفترات وكنا مصدقين في اللي بنعمله، طيب هتلاحظ إن كلنا في لحظة قررنا التوقف عن الكاريكاتير وتوجهنا للرسم للأطفال، حجازي وأنا وإيهاب واللباد، صلاح الليثي مات وصلاح ده ما خدش حقه من الإنصاف مع إنه رسام كاريكاتير عظيم، حتى شغله ما اتجمعش في كتاب للأسف، ورجائي ونيس سافر أستراليا يشتغل رسام في مستشفى للعلاج النفسي".

الصورة
خيال الظل

...

نكمل غداً بإذن الله.