يوميات سخيفة
تفتح الراديو صباحاً على الإذاعات المحلية، فتستقرّ عند أغنية هادئة أملاً بصبيحة رائقة تستهل بها يومك ولا تسرق منك طاقة بالكاد جَمعت بعضها بالنوم. لكن، ما إن تنتهي الأغنية حتى تحلّ نشرة الأخبار. خبراً خلف خبر، تبدو النشرة أشبه بتحديث لمصائب أمس التي لم تنته ذيولها بعد، إضافة للكوارث الطازجة التي حدثت أثناء الليل أو تواً، وفي بعض الأحيان لمحة عن أخواتها المُتوقّعة في المستقبل القريب والأبعد، فكما يعلم الجميع: الكوارث لا تأتي فرادى، خصوصاً في نشرات الأخبار عندنا.
أنتقل إلى التلفزيون لمُتابعة البرامج الصباحية التي عادة ما تكون خفيفة، منوّعات، طرائف، تتطرّق إلى كلّ شيء وإلى لا شيء. لكن حتى هذه "اللاشيء" لم تعد كذلك. من قناة الى أخرى، لا تتوقّف تلاوة المصائب التي تتساقط على امتداد الوطن العربي الذي لا يريد أصحابه أن يتحدوا ليكون وطناً لهم جميعاً، وذلك على الرغم من كلّ ما يجمعهم. فبتراكم الأزمات باتوا لا يثقون ببعضهم، لا بل إنّهم في أحيان كثيرة يكرهون بعضهم كما لو كانوا من ألدّ الأعداء. ليسوا فقراء، وبلدانهم غنية بمواردها. لكن أموالهم تذهب هدراً، تارة جزيةً للمُستعمِر القديم وتارة أخرى خوّةً للفتوة الجديد، أو تكون ثرواتهم الكامنة ممنوعة من الصرف بالقوّة والحيلة، وغير مسموح باستخراجها أصلاً.
لا عجب أن تكون أخبارنا هكذا إنّ كنا هكذا.
تفكّر في الاتحاد الأوروبي، وكيف نجحت دوله، ولو إلى حين بأن تكون قوّة واحدة مع كلّ تناقضاتها، وذلك على الرغم من أنّه، وما إن تخرج من حدود دولة من بلدانه السبعة والعشرين، حتى تتغيّر القوميات واللغات، وأحياناً ضمن البلد الواحد، كبلجيكا أو سويسرا. ومع ذلك فهم، أي الأوروبيون، مُتحدون حول مصالحهم المُشتركة.
الكوارث لا تأتي فرادى، خصوصاً في نشرات الأخبار عندنا
أما نحن الذين نتكلّم العربية من المحيط إلى الخليج، والذين إن روى أحدهم لنا نكتة في مصر، نفهمها في بيروت وفي الكويت والعراق وتونس، وإن ألقى أحدهم قصيدة في الرياض أو الرباط، يتذوّقها أهل سورية والقاهرة وقطر والجزائر، فمنقسمون. تصدح حنجرة بالأغنية في أحد بلداننا، فتنتقل من دون تأشيرة في سماء الوطن العربي الذي يأبى إلّا أن يكون أوطاناً مُتفرّقة.
تتنقل بين الشاشات لعل وعسى. لا شيء مُطمئن. لا شيء مريح. كلّ أخبارنا سيئة، لا بل من سيّئ إلى أسوأ. صديقة تتصل لكي تتخفّف من اكتئابها بالكلام والبوح. تفتّش عمّا قد تقول لها لتخرجها، ولو قليلاً، من حالها ذاك، فلا يخرج من عقلك إلا كليشيه تقول إنّ "أكثر الأوقات ظلمة هي تلك التي تسبق الفجر". يا لهذه المعادلة. تردّ هي بكلمة واحدة يقطر منها اليأس: إن شاء الله.
وأنتِ؟ هل اقتنعتِ؟ أسأل نفسي مُتهكّمة بصوت عالٍ. يكفيني أن تكون هي قد اقتنعت، لكنّني لا أظنها قد فعلت.
ألجأ إلى برامج الشاشات الأجنبية الصباحية، فهي تكون عادة مُفعمة بالبهجة. أخبار خفيفة، أمّا الثقيلة فتُترك لموجز أخبار قصير جدّاً يكاد يقتصر على العناوين. ثم تتوالى المنوّعات وكلّها تتوخى تسلية المواطن، وإرساله إلى عمله صباحاً وهو على شيء من البهجة والنشاط. صحيح أنها، وفي أحيان كثيرة تكون سخيفة، لكنها مُمتعة لأنها لا تنتزع منك طاقتك الصباحية.
تصدح حنجرة بالأغنية في أحد بلداننا، فتنتقل من دون تأشيرة في سماء الوطن العربي الذي يأبى إلّا أن يكون أوطاناً متفرّقة
اليوم فتحت الفرنسية أولاً، يا إلهي! كلّها تطنطن بليلة الرئيس السابق نيكولا ساركوزي الأولى في السجن. يكاد الفرنسيون ينفجرون اعتداداً بالنفس لسجنهم رئيسهم السابق. هو الرئيس الأوّل الذي دخل السجن على الرغم من أنّ رؤساء سابقين غيره كانوا يستحقون أن يدخلوه وبجدارة. لكن الفرنسيين عادة ما يكونون "رَخْوين" مع رؤسائهم، خاصة إن كانت تطاولهم فضائح نسائية! لكن في حال ساركوزي، فإنّ ظروف دخوله، قضائياً وإجرائياً، بدت على شيء من الكيد السياسي.
يكاد هذا النبأ أن يكون الخبر الوحيد في الإعلام الفرنسي المُتلفز. تصفن الشاشات على صوره وبجانبه زوجته المغنية، كارلا بروني، تُرافقه إلى سجنه مُبتسمة، على عادة نساء السياسيين، لدعمه كما يُقال. تملّ من الخبر ولا تملّ الشاشات من التكرار. ثم يُضاف إليه في اليوم التالي سجال حول وجود حرّاس رئاسيين مسلّحين لحماية الرئيس المُعتقل من مسجون آخر هدّده بالقتل، في حين إن القانون يمنع على السجانين أن يكونوا كذلك لئلا تقع الأسلحة بيد المحكومين.
تنتقل إلى القنوات الناطقة بالإنكليزية. "بي بي سي" مشغولة البال على المجتمعات القطبية التي تذوب ثلوجها بسبب ثقب الأوزون (والذي تحسّنت صحته بالمناسبة فأصبح لسبب ما أضيق) وينصبّ اهتمامها على تقنيات الطاقة الصديقة للبيئة، كما إنّها تعلك خبر الأمير أندرو الذي تخلى عن لقبه الملكي، على الأرجح بسبب صلته بفضائح الأميركي جيفري إبستين المُدان بالمتاجرة بالقاصرات والابتزاز السياسي.
كلّ أخبارنا سيئة، لا بل من سيّئ إلى أسوأ
ما عدا هذا الخبر، يوميات خفيفة، سخيفة. بالأحرى إنها جميلة كونها بالتحديد، عكس أخبارنا المُخيفة، سخيفة.
لكنها أيضاً خطرة. لأنها صُمّمت للتشتيت، فالأخبار الحقيقية والصريحة، تلك التي بات جمهورهم يعرف كيف يصل إليها بوسائل أخرى، لا يأتون على ذكرها، لا يقولونها للمشاهدين. ربّما يتطرقون لبعضها في النشرة المسائية، لكن مُصاغة على نحوٍ ينزع دسمها، خصوصاً إن كانت عن هذا الجزء المنكوب من العالم. وبالأخصّ إن كانت عن فلسطين.
يومياتهم سخيفة ومريحة لأنّها يوميات عادية، أما عندنا فأحداث حياتنا الخطيرة لا تترك مكاناً حتى لاصطناع السخافة، بالطبع خارج أخبار طبقتنا السياسية الواقعية جداً.
أمّا الأخطر فهو أن تتحوّل أحداث بلادنا الوخيمة هذه، ولكثرة تكرارها، إلى مجرّد أحداث "عادية"، نتأقلم مع وجودها والعيش في ظلّها، لأننا بالضبط لا نفعل ما يكفي لكيلا تصبح هذه اليوميات الخطرة، مجرّد يوميات سخيفة.