وهم الجلوس إلى مائدة الإمبراطورية

28 يوليو 2026
+ الخط -

ثمّة مشهد يتكرّر كلّما دخلت الولايات المتحدة في مواجهة مع دولة ما، حيث تنبري أقلام عربية لتشرح لنا لماذا خصم واشنطن شرير، ومستبد، ومتطرّف، ورجعي، أو خطر على الحضارة، ولماذا يصبح سحقه، بصورة أو بأخرى، خدمة للحرية والإنسانية وواجبًا بشريًا. تتغيّر أسماء الخصوم وأيديولوجياتهم؛ يساريون ويمينيون، قوميون ومتدينون، علمانيون ومحافظون، رأسماليون وشيوعيون، من الشرق والغرب، بينما تبقى المعادلة ثابتة تقريبًا: من تعاديه الولايات المتحدة لا يصبح خصمًا لها فحسب، بل عدوًا للعالم.

ولا تكمن المشكلة في أنّ بعض هؤلاء الخصوم ليسوا مُستبدين فعلًا. كثيرون منهم كانوا أو ما زالوا كذلك، وبعضهم ارتكب أبشع الجرائم بحقّ شعبه. لكن إدانة المستبد شيء، ومنح الولايات المتحدة (المستبد الأعظم) سلطة أخلاقية للحكم على استبداد الآخرين شيء مختلف تمامًا. فالدولة التي تقدّم نفسها حارسة للديمقراطية لم تتردّد تاريخيًا في التحالف مع أنظمة سلطوية شديدة القمع، ودعمها سياسيًا أو عسكريًا أو أمنيًا، ما دامت تخدم مصالحها. لذلك لم يكن المعيار يومًا: من هو المستبد؟ بل في كثير من الأحيان: مستبد ضدّ من؟

فالاستبداد الذي يقف في الجبهة الصحيحة من منظور البيت الأبيض يمكن احتماله، والتعامل معه، وتسليحه، وحمايته من الضغوط؛ أما حين يتحوّل حاكم آخر إلى خصم، يصبح قمعه لشعبه فجأة دليلًا على أنّه خطر على الإنسانية. وهذا وحده يكفي لهدم الرواية التي تصوّر السياسة الأميركية صراعًا دائمًا بين الديمقراطية والاستبداد. 

إدانة المستبد شيء، ومنح الولايات المتحدة (المستبد الأعظم) سلطة أخلاقية للحكم على استبداد الآخرين شيء مختلف تماماً

الولايات المتحدة لم تُعادِ يومًا الطغاة لأنّهم طغاة، كما أنّها لم تدعم حلفاءها لأنهم ديمقراطيون؛ لقد دعمت عبر تاريخها عددًا من أكثر الأنظمة قمعًا حين كان بقاؤها يخدم مصالحها، وتخلّت عن بعضها أو انقلبت عليها عندما تغيّرت تلك المصالح.

ومن هنا يصبح سؤال: أليس خصم أميركا مستبدًا؟ سؤالًا ناقصًا. نعم، قد يكون مستبدًا، وينبغي ألا نتردّد في إدانته. لكن ماذا نسمي قوّة عظمى تستطيع أن تقرّر أيّ المستبدين يستحق البقاء وأيّهم يستحق السقوط، وأيّ شعب يُحاصر، وأيّ دولة تُقصف، وأيّ نظام يُسلّح، وفق مصالحها هي؟

إذا كان الاستبداد هو فرض إرادة طرف على آخر من دون قدرة حقيقية على محاسبته، فإنّ الولايات المتحدة، بحجم القوّة العسكرية والمالية والسياسية التي تمتلكها عالميًا، لطالما مارست استبدادًا يتجاوز حدود الدولة إلى النظام الدولي نفسه. وهذا هو المعنى الذي يجعلها، في هذا السياق، المستبد الأعظم: ليس لأنّ كلّ خصومها عادلون، بل لأنّ ولا واحد منهم يمتلك القدرة نفسها على تقرير مصائر شعوب ودول تقع على بعد آلاف الكيلومترات عن حدوده كما تفعل هي.

من تعاديه الولايات المتحدة لا يصبح خصماً لها فحسب، بل عدواً للعالم

والمفارقة الأشدّ مرارة ليست في سلوك القوّة العظمى؛ القوى الإمبراطورية تتصرّف وفق مصالحها، وهذا ليس جديدًا. المفارقة في المثقف الذي يعيش في الأطراف الأضعف من هذه العلاقة ثم يتبنى نظرة المركز إلى العالم. يفسّر لنا لماذا هذا الشعب يستحق العقوبات، ولماذا ذلك البلد يحتاج إلى التأديب، ولماذا يجب تدمير نظام ثالث لإنقاذ شعبه، كما لو أنّه يجلس في غرفة اتخاذ القرار في واشنطن.

ويتخيّل هذا المثقف أنّه حين يتبنى لغة القوّة يصبح جزءًا منها. فإذا صنّفت واشنطن العالم إلى مُعتدلين ومتطرّفين، وحلفاء ومارقين، وديمقراطيات وأعداء للديمقراطية، تبنى التصنيف نفسه وراح يبحث عن مكان لنفسه في الجانب الصحيح منه. لكنه ينسى حقيقة بسيطة، ألا وهي أنّ الاندماج في سردية المركز لا يعني الاندماج في امتيازات المركز.

يمكنك أن تنظر إلى العالم بعيني الإمبراطورية قدر ما شئت، لكن ذلك لا يعني أنّ الإمبراطورية ستنظر إليك بوصفك واحدًا منها.

الاندماج في سردية المركز لا يعني الاندماج في امتيازات المركز

والتحرّر من هذا المنطق لا يعني أن يصبح كلّ عدو للولايات المتحدة بطلًا. الطاغية يبقى طاغية حتى لو كان خصمًا لواشنطن، كما أنّ النظام القمعي لا يصبح مشروع تحرير لمجرّد أنه يرفع شعار مقاومة الهيمنة الأميركية. لكن الشعوب ليست مطالبة بالاختيار بين مستبد محلي ومستبد عالمي، ولا بين طاغية يحكمها وقوّة عظمى تدّعي حقّ إنقاذها منه بينما تسحقها وتسلبها كلّ ما تبقى من مقدراتها وكرامتها وحياتها.

الاستقلال الفكري يبدأ من موقف أبسط وأكثر صعوبة: أن ندين الاستبداد أينما كان، من دون أن نعطي الإمبراطورية حقّ تعريفه وفق مصالحها؛ وأن ندافع عن حقّ الشعوب في التحرّر من حكامها، من دون أن نسلّم مصيرها لقوّة خارجية؛ وأن نرفض تحويل موازين القوّة إلى سلّم لقيمة البشر وسيادة الدول.

فالخطر الأكبر ليس أن تؤيّد الولايات المتحدة في حرب، أو تعارضها في أخرى. الخطر أن تستعير عينيها، وتنظر بهما إلى العالم، ثم تتوهّم أنّك أصبحت جزءًا من القوّة التي تنظر من خلالها. بينما قد تكون، في حسابات تلك القوّة نفسها، مجرّد شعب آخر يمكن دعم مستبده اليوم، ومعاقبته غدًا، وتدمير بلده بعد غد، عندما تتغيّر المصالح وتتقلّب أهواء المستبد الأعظم.

محمد صالح
محمد صالح
مستشار وخبير في التنمية الدولية والتطوير المؤسسي، تركز جهوده وخبراته على إصلاح القطاع العام وتنمية المجتمعات المحلية. أدار وعمل في العديد من المشاريع المموّلة من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية والاتحاد الأوروبي في مجالات التنمية وسيادة القانون.