وهم التجانس وبنية الصراع على السلطة في سورية
في افتراضٍ ذهنيٍّ يجرّده من واقعه التاريخي، نسأل: ماذا لو كانت سورية كياناً مُتجانساً بلا أكراد ولا علويين ولا دروز ولا مسيحيين، وبلا طوائف وأعراق مُتعدّدة، بل مجتمعاً إسلامياً سنّياً واحداً في ظاهره الثقافي والديني؟
هذا السؤال لا يطلب وصفاً لجمهورية أفلاطون الفاضلة، بل اختبار البنية العميقة للسلطة والصراع، ومحاولة فهم ما إذا كان "التنوّع" سبباً للصراع أم ذريعةً له، وما إذا كان غيابه كفيلاً بإنتاج انسجام سياسي واجتماعي، أم أنّه سيكشف خطوط انقسام أخرى كانت كامنة تحت السطح.
لو غاب التعدّد المُكوّناتي أو الهُويّاتي عن المشهد السوري، لوَجدت سلطة دمشق الانتقالية الحالية نفسها أمام مأزقٍ تبريري مُختلف. فالخطاب الاعتباطي واللامنطقي الذي لطالما استند إلى التخوّف من حكم الأقليات وانفصالها وارتباطها خارجياً، أو إلى خطر الفتنة الطائفية، أو إلى مؤامرات تستثمر في الهُويّات القومية والأيديولوجية المُتباينة، سيفقد فاعليته ومحتواه واستراتيجيته، عندها ستُجبَر السلطة على تسويغ الصراعات والخلافات داخل "البيت السوري" بلغة أخرى، كلغة الأمن مقابل الفوضى، أو الدولة مقابل المجتمع، أو الاستقرار مقابل المجهول. ستُعاد صياغة الصراع بوصفه تمرّداًعلى نظام الدولة أو خروجاً على الشرعية، أو تهديداً لوحدة البلاد، من دون إمكانية تعليق الأسباب على شمّاعة الانقسام الطائفي والقومي وربّما ستتقدّم الحجج الاقتصادية والاجتماعية بوصفها عوامل اضطراب كالفقر، التفاوت التنموي، التهميش، العقل الريفي في مواجهة عقل المدينة، أو الأجيال الجديدة في مواجهة بنى سلطوية هرِمة. لكن جوهر الأمر سيبقى واحداً وهو السيطرة على السلطة التي حينما تُواجَه بالمطالبة "بالمشاركة والمساءلة والمحاسبة"، تبحث دائماً عن سردية تجرّد الخصم من المشروعية، سواء أكانت هذه السردية طائفية أم أمنية أم انفصالية قومية أم أخلاقية.
ينشأ الصراع حيثما وُجدت سلطة "غير خاضعة للمساءلة"، وحيثما احتُكرت الموارد والقرار والمصير ومساحة الحريات
غير أنّ افتراض التجانس لا يعني غياب الاختلاف. فداخل "الطائفة السنية" نفسها تتكاثر المدارس والتيارات والمرجعيات، دينية كانت أم فكرية أم سياسية. كان يمكن أن نشهد صراعاً أكثر وضوحاً بين مدارس فقهية سنية مختلفة في مقاربتها للعلاقة بين الدين والدولة، أو بين تيارات إصلاحية وأخرى تقليدية، أو بين إسلام سياسي ذي نزعة حركية وإسلام مؤسسي محافظ، أو حتى بين نزعات قومية وعلمانية داخل الإطار الاجتماعي نفسه. وفي غياب "الآخر العلوي أو الآخر الكردي أو الآخر الدرزي"، سيغدو "الآخر المذهبي"، أو "الآخر التأويلي" هو مسرح الصراع. فالتاريخ الإسلامي نفسه يقدّم مثالاً ساطعاً على أنّ الانقسامات الكبرى لم تنشأ دائماً بين طوائف متباعدة، بل كثيراً ما تفجّرت داخل الجماعة الواحدة حول السلطة والتأويل والشرعية، حيث يقدّم لنا التاريخ الإسلامي المبكّر مثالاً صارخاً على أنّ التجانس الديني أو الطائفي لا يمنع الصراع، بل قد يُعيد إنتاجه بأشكال أكثر حدّة. فبعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلّم، لم يكن المجتمع المسلم مُنقسماً طائفياً أوعرقياً بالمعنى المعروف اليوم، بل كان في ظاهره مُتجانساً دينياً، ومع ذلك، انفجر أحد أعنف الصراعات السياسية في تاريخه في ما عُرف "بالفتنة الكبرى". لم يكن الخلاف آنذاك حول العقيدة أو حقوق الاقليات، أو الفيدرالية، بل حول الشرعية السياسية، ومن يملك حقّ إدارة السلطة وتأويل النصّ وتطبيقه. وقد جرى توظيف الدين لاحقاً لإضفاء المشروعية على مواقف سياسية مُتعارضة، فظهرت سرديات مُتنافسة تدّعي تمثيل "الإسلام الصحيح"، بينما كان جوهر النزاع صراعاً على الحكم والقرار.
لو لم تكن في سورية أعراق وطوائف متعدّدة، لابتكرت السياسة خطوط انقسام أخرى، لأن السياسة، في جوهرها، إدارة للاختلاف لا إلغاؤه
أما عن السؤال المُتعلّق بإمكانية الإجماع على تفسير وتأويل الشريعة في إدارة الدولة والقانون، فيبدو الافتراض أقرب إلى التمنّي منه إلى التحليل الواقعي. فالشريعة، بوصفها نصوصاً ومقاصد وتاريخاً من الاجتهاد، لم تكن يوماً كياناً أُحاديّ الصوت. الاختلاف في فهمها ليس عارضاً، بل بنيوي، نابع من اختلاف المناهج الأصولية، والسياقات الاجتماعية، وتحوّلات التاريخ الزمني. حتى في أكثر المجتمعات تجانساً، ظلّ الخلاف قائماً حول موقع الشريعة من التشريعات الوضعية، وحدود سلطة الفقيه، ودور الدولة في فرض الأخلاق أو تنظيم الحياة المدنية العامة. وعليه، فإنّ غياب التعدّد الطائفي أو العرقي لا يفضي تلقائياً إلى إجماع فقهي أو سياسي، بل قد يجعل الصراع حول التأويل أكثر حدّة، لأنه يصبح صراعاً على "المعنى الصحيح، على الفرقة الناجية" داخل هُويّة واحدة تدّعي الامتلاك الحصري للحقيقة.
في هذا السيناريو الافتراضي، ستكون الدولة أكثر ميلاً لاحتكار تفسير الدين، وتقديم قراءة رسمية للشريعة تُسوَّغ بوصفها تعبيراً عن هُويّة المجتمع الجامعة. لكن هذا الاحتكار نفسه سيولّد معارضة مضادّة، ترى فيه تسييساً للدين أو تفريغاً له من مقاصده. وهكذا، ينتقل الصراع من مستوى الهُويّات المُتعدّدة والمتجاورة إلى مستوى السلطة في التمثّل للشريعة، ومن سؤال "من نحن؟" إلى سؤال "من يحقّ له أن يعرّفنا؟
يُفضي هذا كلّه إلى نتيجة فلسفية سياسية أساسية: إنّ التنوّع ليس بالضرورة أصل الصراع وقانونه التاريخي، بل كاشف له. الصراع ينشأ حيثما وُجدت سلطة "غير خاضعة للمساءلة"، وحيثما احتُكرت الموارد والقرار والمصير ومساحة الحريات. ولو لم تكن في سورية أعراق وطوائف متعدّدة، لابتكرت السياسة خطوط انقسام أخرى، لأن السياسة، في جوهرها، إدارة للاختلاف وليست إلغاءه. ومن هنا، فإنّ السؤال الحقيقي ليس ماذا لو لم يكن هناك أكراد وعلويون ودروز، بل ماذا لو وُجد عقد سياسي عادل يعترف بالاختلاف، أيّاً كان شكله، ويحوّله من سبب للصراع إلى شرط للتعايش.