وقفة الخليل وشرعية الجماهير الغائبة

07 سبتمبر 2025
+ الخط -

شهدت مدينة الخليل وقفة شعبية رفعت شعارات رافضة فكرة "إمارة الخليل"، ومؤكّدة البيعة للقيادة الفلسطينية. لكن التحليل لهذه الوقفة يكشف تناقضًا لافتًا بين حجم الدعوة العامة للمشاركة في هذه الوقفة وواقع المشاركة على الأرض. فمع أنّ الخليل تُعدّ أكبر تجمّع سكاني في الضفة الغربية، إلا أنّ الحضور اقتصر على بضع مئات فقط، معظمهم من شخصيات اعتادت على الظهور في مثل هذه المواقف أو ممّن لديهم مواقف مزدوجة. هذا التباين بين التوقّعات والواقع يثير تساؤلات جوهرية حول العلاقة المُتدهورة بين المؤسسات الرسمية والجمهور.

من حيث المظهر، كانت الوقفة محاولة من القائمين عليها لإظهار وحدة الصف العشائري والسياسي في مواجهة مخطّطات الاحتلال الإسرائيلي لفصل الخليل عن النسيج الوطني وتسليمها لسلطة العشائر. لكن المحتوى الحقيقي الذي كشفت عنه المشاركة الضئيلة هو ضعف الثقة الشعبية في الشعارات الرسمية المتكرّرة. فالناس في الخليل، شأنهم شأن سكان بقية مدن الضفة الغربية، أنهكتهم الأوضاع الاقتصادية المتردية وتفاقم البطالة، مما جعل همّهم الأكبر هو تأمين سبل العيش الكريم، لا حضور فعاليات بروتوكولية لا تقّدم حلولًا يلمسها المواطن.

إنّ رفع شعار "البيعة" للعشائر والقيادة، ورغم رمزيته السياسية في مواجهة الاحتلال، بات يُنظر إليه من قبل المواطنين بأنه فعل لا يترجم إلى تحسّن في ظروفهم المعيشية والأمنية. فالخطاب الرسمي يتحدّث عن "تحصين الجبهة الداخلية"، لكن ما يعيشه المواطن هو البطالة وانتشار المحسوبية، وغياب العدالة في توزيع الفرص، وانعدام الأفق أمام الشباب. هذا التناقض بين ما يُقال وما يُعاش يُعمّق الفجوة بين القيادة والشارع، ويجعل مثل هذه الدعوات تبدو مجرّد عناوين فارغة من أيّ مضمون فعلي.

تساؤلات جوهرية حول العلاقة المتدهورة بين المؤسسات الرسمية والجمهور

إنّ الاعتماد على شرعية العشائر لدعم المواقف السياسية يعكس أزمة؛ وهي تآكل الشرعية الشعبية التي كان من المُفترض أن تتجسّد في مشاركة جماهيرية واسعة. الحضور العشائري، على أهميته، لا يمكن أن يعوّض غياب الجماهير أو يسدّ هوّة الثقة بالمنظومة الرسمية. فالمواطن الفلسطيني، الذي كان يخرج بالآلاف لنصرة قضاياه، أصبح اليوم يتعامل مع الفعاليات ببرود، منشغلًا بتأمين قوت يومه أكثر من أيّ شعارات سياسية.

ما زاد من عمق هذه الفجوة هو أنّ أبواب المؤسسات الرسمية لا تزال تُفتح أمام شخصيات يرى الشارع أنها هي من تقف خلف فكرة "إمارة الخليل" وتدعمها فعليًّا. هذا التناقض، حيث تُستقبل هذه الشخصيات بدلًا من أن تكون المؤسسات ملاذًا وممثّلاً حقيقيًّا لمطالب الجماهير، أضعف ثقة الناس بشكل أكبر. لقد أتاح هذا الوضع الفرصة لبعض القوى والأفراد للتفاوض على مشاريع لا تخدم المصلحة الوطنية، بل وتتوافق مع مخططات الاحتلال.

إنّ رفض فكرة "إمارة الخليل" هو رسالة سياسية واضحة للاحتلال، لكنه في الوقت نفسه يُعدّ مؤشّرًا على حجم الأزمة الداخلية الفلسطينية. هذا الواقع يفرض على القيادة الفلسطينية مراجعة جدية لكيفية إعادة بناء الثقة مع الشعب. فهل ستتحول اللقاءات من مجرّد صور وتصريحات إلى مسارات عملية تُلامس هموم المواطن وتستجيب لأولوياته؟

طالب دكتوراه في تخصّص العلوم الادارية
محمد رجوب
طالب دكتوراه في تخصّص العلوم الادارية، وباحث في المجالات التربوية والإدارية والسياسية.