ورثة الحاج عبد الله

22 أكتوبر 2020
+ الخط -

في ساعة متأخرة من ليلة يوم الجمعة، أقبل عبد المعين بوجهه البشوش برفقة زوجته، بعد أن كان في زيارة أهله، في الحارة المجاورة القريبة من بيته وقضاء سهرة جميلة وممتعة، ناقشوا معاملة حصر الإرث، الخاصة بالأسرة، وكيف سيتم توزيع ما تركه لهم والدهم المتوفى الحاج عبد الله بحضور بعض أولاده الذكور وبناته، وأزواجهن الذين كانوا حاضرين الجلسة التي تسيّدها الأستاذ حسن..

الابن السادس من بين أبنائه الذكور السبعة، وكان يميل حسن في طرحه إلى النكتة التي كانت تغلب على حديثه المفعم بالتساؤل والتعجّب، لا سيما أنّه ينحو منحىً عفوياً في مضمونه.. بينما فضّل جابر، وهو الابن الخامس، الاكتفاء بطرح مشكلة الإرث الذي تركه لهم والدهم بعد وفاته قبل ثلاث سنوات.. وكان من بين الحاضرين في الجلسة المسائية المعلم أمجد، الأخ الثاني غير الشقيق المولود من أم ثانية، والتي تكبر زوجها الحاج عبد الله بأربع سنوات، وهي ابنة عمّه التي عاشت أكثر من نصف عمرها في ريف المدينة، وبعد زواجها أقامت معه في بيته الكبير، وسط المدينة، وقضت فيها بقية حياتها في ذل وحرمان!

كانت عمتهم، عائشة، زوجة والدهم، على خلاف دائم مع زوجها قبل وفاته، إذ كان زوجها يوبّخها بصورةٍ دائمة، ولأتفه الأسباب، ويلجأ في أغلب الأحيان إلى تعنيفها وضربها ضرباً مبرحاً، وبصورةٍ يومية، لعدم تقديرها له!

الخلاف بين عائشة وزوجها الحاج عبد الله لم يتوقف أبداً، بل ظلّت المشكلة مع بعضهما البعض قائمة، ومنذ بداية زواجهما الذي لم يكن موفقاً. فزواجهما كان قائماً على خلافات مستمرة، والسبب هو إهمالها له، وعدم تنفيذها لتعليماته وأوامره البسيطة، ما اضطره إلى أن يكون قاسياً وشديداً في معاملته لها، إلّا أن ذلك ما كان  يبرر له أفعاله معها، ولم يعش معها يوماً هنيئاً بالمطلق!

استمرت حياة الحاج عبد الله مع زوجته على هذا المنوال طوال مسيرة حياته التي عاشها، ولم يقض معها يوماً هنيئاً إلى أن وافاه الأجل المحتوم!

كان عمل زوجها في سوق الأغنام، وكان يتطلب منه أن يسوق أغنامه مشياً على الأقدام مسافة بعيدة، من بيته في مركز المدينة، إلى مكان تواجد سوق الأغنام الذي يقع في أطرافها حيث يبعد عن بيته أكثر من ثلاثة كيلومترات.

كان الحاج عبد الله نشيطاً مقداماً، وذا بنية جسدية قوية، ويكره التدخين إلى حد بعيد، وتراه محبّاً لعمله وشغوفاً به، ويقضي فيه حوالي خمس إلى ست ساعات واقفاً على رجليه.. يشتري ويبيع من الأغنام بحرفيته المعهودة والمعروفة عنه. إنّه تاجر ماهر، ويعرف كيف يختار الأغنام التي يشتريها ويقوم بدوره بعرضها للبيع.

كان عمله يتطلب حضوراً لافتاً، وهذا ما كان معروفاً عنه ويتمتع به، فضلاً على قدرته على إقناع الزبائن في سبيل بيع ما بين يديه من أغنام.

كان الحاج عبد الله يكسب في اليوم الواحد، ما يعجز عن جنيه غيره من تجّار المواشي في شهر.. فقد كان له أسمه وسمعته وصيته في السوق الذي يعمل فيه، وبكل جد.. 
هكذا كان يقوم بعمله الذي ينتهي مع حوالي الساعة الواحدة ظهراً، وكان بالكاد أن يجلب معه إلى البيت يومياً ما بقي معه من أغنام لم يتيّسر له بيعها ما يضطره ذلك إلى العودة بها إلى منزله، وتقوم زوجته كعادتها بالعناية بها، بعد أن تكون قد اهتمت بنظافة (الصيْرة)، وهي مكان تربية الأغنام الذي تقضي فيه يومها، وفي اليوم التالي يأخذها إلى سوق الأغنام لعرضها على الزبائن بهدف بيعها.

وفي أكثر من مرّة طالما كان ينشب خلاف ما بين الحاج عبد الله وزوجته عائشة لمجرد دخوله من باب بيته الكبير المشرّع الأبواب إلى حيث (الصيرة) التي تُحبس فيها الأغنام، ويشتد الخلاف في ما بينهما، وهذا ما كان يحدث بصورة يومية، والسبب هو عدم اهتمام زوجته بعلفها، أو إهمال واجبها تجاهه، وهذا لا يتطلب أكثر من ساعة أو ساعتي عمل في اليوم على الأغلب.

استمرت حياة الحاج عبد الله مع زوجته على هذا المنوال طوال مسيرة حياته التي عاشها، ولم يقض معها يوماً هنيئاً إلى أن وافاه الأجل المحتوم!

أحضرت السيدة سعاد زوجة جابر القهوة التركية، وبعد أن فرغت من سكبها وتوزيعها على الحاضرين في الجلسة، قال جابر موجهاً كلامه إلى شقيقه الأكبر: أشكرك أخي على جهودك الحثيثة التي بذلتها وتبذلها حيالنا وباستمرار لأجل خاطر عيوننا، بإتمامك معاملة حصر الإرث الخاصة بالأسرة. أعرفك جيداً.. لم تتوقف يوماً واحداً عن الركض في مراجعة الدوائر الحكومية، حتى تمكنت أخيراً من إنجازها. نشاطك مشهود له، ونيابة عن بقية أخوتي وأخواتي أشكرك من القلب مرة ثانية، وهذا ما يعني أنّه يجب أن يوزّع الإرث الذي تركه الوالد على الورثة ونخلص من هذه المهمّة في أسرع ما يمكن. ما رأيكم يا شباب؟

وجه جابر الشاب الوسيم كلامه إلى جميع الحاضرين، في ما اقترح الأستاذ حسن تأجيل توزيع التركة إلى يوم آخر، بعد أن يتم إعلام الجميع، وبهذه الحالة يكون قد تم وضع النقاط فوق الحروف، واطمأن الأخوة الحاضرون إلى ما سيذهب إليه مصيرهم، وإنهاء مشكلة قديمة -حديثة- وكي لا يتأزم الخلاف بين الأخوة في مقبل الأيام، وهذا حل يناسب، برأيه الأغلبية.
بعد حوالي ساعتين من حضورهم الاجتماع التقليدي الذي دعا إليه جابر في بيته، للمرة الثانية بعد أسبوعين من الآن، كان قد بدأ الحاضرون بالذهاب كل إلى بيته بعد قضاء جلسة ظريفة وممتعة.

بعد انعقاد الجلسة الأخيرة، أعلم جابر، عبر الهاتف، أخوته بضرورة الحضور إلى بيته في عشية يوم الخميس المقبل لأجل مناقشة حالة الإرث الذي تركه والدهم، والذي سيتم توزيعه على الأخوة وكلتا الوالدتين، زوجتي الحاج عبد الله، حسب ما أوصى في وصيته المكتوبة، وعلى أن يتم توزيع ما ورّثه لهم بالإنصاف، وبحسب ما ورد في الشريعة الإسلامية، كل يأخذ نصيبه بالعدل، وباتباع ما أوصت به المحكمة الشرعية، وبما تضمنه قرارها الذي صدّرته، على أن يأخذ كل فرد من أسرته حقّه بالكامل، بمن فيهم زوجتاه.

حضر الأخوة والأخوات توزيع الإرث، وهو عبارة عن مبلغ مالي، وبحضور الوالدتين، على جميع أفراد الأسرة.. فخرج الجميع راضياً بقسمته، داعياً للحاج عبد الله بالرحمة والمغفرة، وهو الذي اجتهد وكدّ وتعب طوال سنوات عمره حتى خرج من الحياة الدنيا برضاً من ضميره، كان يرجو أن يقترنَ برضاً من الخالق سبحانه وتعالى.. وعاش الأبناء حياتهم في حبّ ووئام.. إلى أن تغيّر حال بعض الأخوة، ومنهم من استمر في عمله، ومنهم من فضّل العمل في التجارة وترك العمل الحكومي، والسفر بعيداً إلى حيث بلاد الاغتراب والعيش في بلاد النعيم.