وداعاً وديع العلي... صوت اللاجئين الذي لم يهدأ
أحمد الصباهي
فوجئتُ بخبرٍ صادم: وفاة الشاب وديع العلي، ابن مخيّم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين جنوبي لبنان، وعضو الحراك الفلسطيني المستقل.
لم أتعرف إليه إلّا خلال فترة وجيزة، لكن ساحات النضال الفلسطيني في لبنان تعرفه جيداً. فاللاجئون الفلسطينيون تُركوا لمصيرهم في ظل تحديات باتت تشكل حالة استعصاء على المستويات الصحية والاقتصادية والمدنية كافة.
شكّل الحراك الفلسطيني المستقل رافعة للعمل النضالي في مواجهة السياسات التي تخنق الفلسطيني في لبنان. وقد تأسس بداية، منذ عام 2013، تحت عنوان "المبادرة الشبابية"، واقتصرت مسؤولية وديع ورفاقه آنذاك على وقف الإشكالات الأمنية، عبر التواصل مع الأطراف المتقاتلة. واستمروا في هذه المهمة الوطنية حتى عام 2018، رغم أنها مسؤولية يفترض أن تتحملها الفصائل الفلسطينية أساساً. إلّا أن وديع ورفاقه لم يتوانوا عن تحملها، انطلاقاً من شعورهم بأنهم أبناء هذه المعاناة، ومحاولةً منهم لتجنيب أهالي مخيم عين الحلوة تداعيات التهجير والأضرار التي كانت تلحق بالمنازل.
اللاجئون الفلسطينيون تُركوا لمصيرهم في ظل تحديات باتت تشكل حالة استعصاء على المستويات الصحية والاقتصادية والمدنية كافة
ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية في لبنان، وانخفاض سعر الليرة اللبنانية أمام الدولار، نشّط الحراك بين عامَي 2019 و2020 عبر العمل في لجان الأحياء. وتحمّل وديع المسؤولية الإعلامية والإنسانية في إحدى تلك اللجان، التي كان هدفها الأساسي تقديم المساعدات الصحية والغذائية عبر المؤسسات، في ظل غياب وكالة الأونروا عن تقديم الرعاية الكافية للاجئ الفلسطيني.
وفي السنوات القليلة الماضية، نشط وديع ورفاقه في مواجهة سياسات الأونروا بحق الموظفين، من إيقاف ومعاقبة بسبب مواقف سياسية تضامنية مع غزة، اعتُبرت مخالفة لمعايير "الحيادية"، وصولاً إلى مواجهة سياسات تقليص الخدمات المقدمة للاجئين الفلسطينيين، خصوصاً في ملفَي الصحة والتعليم. ولم يكتفوا بالاعتصامات أمام مكاتب الأونروا، بل اعتصموا داخلها في المخيّمات، وأمضوا أياماً فيها دفاعاً عن المطالب العادلة للاجئين الفلسطينيين.
كان وديع جزءاً فاعلاً في الحراك الفلسطيني المستقل، الذي يعتمد مبدأ العمل التطوعي، من دون أي تمويل. كان نضالاً "باللحم الحي".
في الآونة الأخيرة، كان لي شرف اللقاء بالحراك في مخيّم عين الحلوة، ثم في خيم نهر البارد شمالي لبنان، برفقة مجموعة من النشطاء من بلجيكا، وكان همّنا الأساسي البحث في كيفية نقل رسالة اللاجئين إلى العالم.
كان وديع ورفاقه حريصين على إيصال صوت اللاجئين الفلسطينيين إلى العالم. وعندما اتصلت بهم للقاء وفد أجنبي، رحّبوا بالفكرة، بينما اعتذر آخرون يأساً، متسائلين: "ماذا يمكن أن يقدم لنا وفد أجنبي سوى الاستماع إلى مأساتنا المتكررة كلاجئين في لبنان؟".
كان وديع جزءاً فاعلاً في الحراك الفلسطيني المستقل، الذي يعتمد مبدأ العمل التطوعي، من دون أي تمويل
في تلك اللقاءات، كان وديع حريصاً على ترسيخ العمل المشترك. وبينما غرقت الفصائل الفلسطينية في سبات عميق، بعذر أو من دون عذر، تجاه شؤون اللاجئين في المخيّمات، تحت ذريعة "قلة الإمكانات المالية"، حضر وديع والحراك الفلسطيني المستقل لا للحديث في القضايا الكبرى فحسب، بل في المعاناة الإنسانية اليومية للاجئ الفلسطيني، منفتحين على الحوار مع أي وفد أو جهة.
ولم يكن الحراك بمنأى عن الاستدعاءات الأمنية من أجهزة الدولة اللبنانية، بعد اعتراضه على تسليم سلاح المخيمات الذي قامت به حركة حركة فتح، في ظل غياب أي نتائج ملموسة تتعلق بحقوق اللاجئين الفلسطينيين، بعد سنوات من الوعود.
وعلمتُ من مصادر خاصة أن مسؤولين في لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني، التابعة للحكومة اللبنانية، طلبوا من أعضاء الحراك في مخيّم نهر البارد عدم الاعتراض على مبدأ تسليم السلاح، باعتباره مطلباً خاصاً بحركة فتح. إلّا أن الحراك عبّر عن موقفه، لا من باب مخالفة القانون، بل انطلاقاً من قناعته بأن الجريمة بحق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان مستمرة، فيما تنشغل القوى السياسية بأجنداتها الضيقة، بينما يغرق اللاجئ في معاناته اليومية.
بإمكانات متواضعة، بادر وديع ورفاقه إلى إنشاء صندوق صحي، جرى تمويله من جيوب اللاجئين أنفسهم، في محاولة لسد جزء صغير من فجوة الاستشفاء الباهظة في لبنان، في وقت لا تغطي فيه مساعدات الأونروا سوى أقل من نصف تكاليف العلاج.
وأجريتُ مقابلة مع عضو الحراك الفلسطيني المستقل أحمد إبراهيم، ضمن حلقة عن مخيم عين الحلوة عبر "بودكاست كسر الصمت"، بعد استهداف المخيم من الاحتلال الإسرائيلي في 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وهو القصف الذي أدى إلى استشهاد 13 شخصاً وإصابة ثلاثة آخرين. وتحدث إبراهيم عن دور الحراك، الذي لا يملك المال، لكنه يملك قلباً نابضاً بالمسؤولية، فسعى إلى لملمة الجراح عبر الزيارات الميدانية لعائلات الشهداء.
وما أسرني وأحزنني في آنٍ، أن المجزرة التي ارتكبها الاحتلال داخل المخيّم نجحت في كسر الحواجز بين الأحياء المتصارعة، بعدما كانت الخصومات بين الجماعات الإسلامية المتشددة وحركة فتح تمنع حتى عبور الأفراد بين الحارات. لكن بعد المذبحة، تبادل الجميع زيارات التعزية.
وسجّل الوفد البلجيكي من شبكة "صامدون – بلجيكا" ومنصة "شارلوا من أجل فلسطين" رسالة مؤثرة إلى وديع جاء فيها: "تشرفنا بلقائه في 23 يناير/كانون الثاني 2026، خلال اجتماع مع الحراك الفلسطيني المستقل في مخيم عين الحلوة. وقد ركّز النقاش حينها على أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومعاناتهم اليومية، ومقاومتهم وصمودهم المستمر".
وأضافت الرسالة: "شرح وديع بإسهاب ثلاث قضايا أساسية تؤثر على حياة اللاجئين الفلسطينيين: الرعاية الصحية، والتعليم، والشؤون الاجتماعية. لم يكن يرى نفسه ضحية سلبية للقوانين العنصرية المفروضة على الفلسطينيين في لبنان، بل كان يعتبر أن دوره في النضال من أجل التحرّر الوطني جزء طبيعي من حياته وهويته".
وختم الوفد رسالته بالقول: "إنّنا ممتنون لأننا حظينا بفرصة التعرف إليه ولقائه، ونتوجه إلى عائلته وأصدقائه وأحبائه بأصدق مشاعر المواساة والقوة في هذا المصاب الأليم".
أما الكاتب الفلسطيني خالد بركات، الذي عرف وديع عن قرب، فقال: "الأخ وديع العلي، هذا الشاب المناضل، كان يسعى إلى تقديم كل مساعدة ممكنة للمرضى، انطلاقاً من عشقه لشعبه والتزامه بخدمة الناس من أجل هدفه الأسمى: تحرير فلسطين. لم يكن طبيباً ولا ممرضاً، لكن رحيله المفاجئ شكّل صدمة وخسارة كبيرة لشعبنا في عين الحلوة ولرفاقه في الحراك الفلسطيني المستقل. وندعو إلى تخليد ذكراه بوصفه نموذجاً ثورياً للشباب الفلسطيني في كل مكان".
رحل وديع العلي، تاركاً خلفه عائلة مؤلفة من ثمانية أطفال. توقّف قلبه المكافح بعد سنوات من التعب، وهو الذي كرّس حياته لمتابعة شؤون المرضى والموظفين والأساتذة، وشارك في كل المناسبات الفلسطينية، وبادر إلى العمل من دون أي مقابل، فقط لأنه كان يعتبر نفسه لاجئاً فلسطينياً يرفض الظلم والحرمان. كان يعتبر جميع أهالي المخيم أبناءه.
سنفتقدك...
وداعاً وديع.