هل يمكن أن يكون الخوف محرّكاً للتاريخ؟
ها أنت إذ تقرأ، وتُعيد القراءة، تسافر وترى وتسمع وتتعلّم كلّ يوم. وها أنت إذ تملأ ذهنك بالتجربة والاكتشاف؛ تسأل: أين الأرض الصلبة التي سأغرس فيها وتدي؟ أين الموقف الواضح الذي لا غبش فيه؟ وأين الحقيقة الساطعة التي تُطمئن هذا القلق العارم؟
وما إن تصل إلى أعتابها، أو تبني فهمًا تتوهّم صلابته، حتى تهدمه بفأسك. وما إن تدرك ذكاءك الخارق، حتى ترى غباءك الصارخ يضحك في المرآة. ما إن تتوهّم أنّك تعلم حتى تدرك مدى جهلك، لتعود إلى البدء، حيث قال رجل بشجاعة: "إنني أعرف شيئًا واحدًا، هو أنني لا أعرف أيّ شيء".
فإذا كان الآباء والأجداد والسلف "يعلمون"، بشكل نسقي منظّم ومبني، إذا كانوا أهل علم، وأهل أوتاد ورواسخ، فإنّنا اليوم على ما يبدو، أهل جهل، لا نعرف إلا قدر جهلنا وعجزنا، حتى وإن بدت قدرتنا أعظم بالمقارنة معهم. بل أكثر من ذلك، نحن أهل هدم وتفتيت لما بناه الأجداد، إنّ معرفة عصرنا قد دحرت المطلق والموثوق في اتجاهها نحو النسبي والمحدود. ونحن إذاك نسبح، بل نطفو في المادة المظلمة لعدم المعرفة واللايقين، في لاأدرية غامضة، أنطولوجيًا، ومعرفيًا، وأخلاقيًا. وفي غموض العالم هذا، وبهذا الفهم، يستحيل العيش الفردي، ثمّة مغامرة يشوبها الخوف والمتعة، فرصة استكشاف من دون وعد مسبق، تجربة "فريدة" على نحو ما، ومسار نحو الجهل المتجدّد، نحو كلّ لامتوقّع يصعد فجأة من اختفائه عن الرصد البشري. لا بدّ للروح التي تعيش هذا الزمن من أن تكون روحًا شجاعة على نحو غير مسبوق، فهي تتجه شيئًا فشيئًا نحو اللاغطاء، نحو اللاحماية من المجهول.
لا بدّ للروح التي تعيش هذا الزمن من أن تكون روحاً شجاعة على نحو غير مسبوق
وحتى إن كانت الحياة الاجتماعية على مدى العصور والأزمنة، حياة بناء، حياة كائنات تعيش بالأوتاد وبالأساسات، حتى وإن سعت مرارًا إلى تأسيس سرديات وحكايات، وعلوم وقواعد، ونظم تحكم الحياة، فإنّ الجهل، واللانظام كانا دائمًا حاضرين باعتبارهما القوّة النقيض للبناءات. وما حياة البشر عبر التاريخ إلا صراع ضدّ عدم المعرفة، وعدم القدرة على التنبؤ، تاريخ خوف وقلق من الطبيعة، ومن الإنسان نفسه باعتباره جزءا منها. دفع هذا القلق نحو تشكّلَ سرديات بداية الكون وتفسيرات الظواهر الطبيعية، ونظم القواعد الاجتماعية والأخلاقية، وأسّس "العلوم" كلّها، حتى الإنسانية منها. لا ننسى أنّ تأسيس السوسيولوجيا، أملاه الخوف من اللانظام، بل وأسّس الخوف نفسه أيضًا، وهم رينيه ديكارت وفرانسيس بيكون من قبل في تسخير الطبيعة من خلال معرفة انتظاماتها وقوانينها. وعلى أساس هذا الخوف، يُبجّل "العلماء" والكهان وكلّ أهل السلطة المعرفية، ويحظون بالمكانة الرفيعة باعتبارهم المُخلّصين من الخوف، والقادرين على بناء سردية مطمئنة.
يخاف الإنسان من أن لا يَعرف، لأنه كائن يُشغل نفسه باستمرار في المستقبل، وفي المُمكن. ولذلك؛ ما كانت لتتأسّس الجماعات البشرية المُنظّمة لولا المعرفة، أي لولا النميمة ونقل المعلومات، ووضع الإنسان ضمن أطر تحكمه، لأنّ الجماعات الكبرى ما كانت لتتجاوز 150 فردا، التي هي حدود المعرفة الشخصية للفرد بالأفراد الآخرين، ثم بعد ذلك لولا أشكال الانتماءات التي تفترض أساسًا المعرفة بالآخر، من أيّ قبيلة هو؟ وابن من هو؟ ثم من أيّة ديانة؟ ثم من أيّة دولة اليوم؟ وداخل المدن، من أيّ حي..؟ وكلّ هذه الانتماءات تفترض نسقًا من التوقّعات، أي قدرة على التنبؤ بما قد يصدر عن هذ الشخص أو ذاك، وبالتالي تخفيفًا للقلق والخوف من عدم المعرفة، وعلى غرار ذلك ما كان للدولة والقوانين بشتى أشكالها أن تتأسّس لولا الخوف الناجم عن الجهل، ثم إنّ أعظم دليل على هشاشة القواعد والقوانين، هو ضعفها أو انعدامها أمام القوّة القاهرة، والتاريخ يزخر بالأمثلة.
يخاف الإنسان من أن لا يَعرف، لأنه كائن يُشغل نفسه باستمرار في المستقبل، وفي المُمكن
غير أنّ ما طَبَع الماضي، هو الوثوق والحسم في "حقيقة" البناءات، سواء العلمية منها أو الدينية أو الأخلاقية الاجتماعية، باعتبارها التفسير الوحيد لما هو موجود، والممارسة العملية الشرعية الوحيدة لما يجب أن يكون، وأيّ تهديد لها، بمساءلتها، يعيدُ الإنسان إلى حالة الخوف الأولى، فتجده يحارب كلّ غريب عنه، كلّ مُشكّك، كلّ من يُسائل.. هكذا مات غاليلي، ومات سقراط، وهكذا نشبت الحروب الدينية. والآن، إذ تنتشر المعارف وتذوب الحدود بين العوالم الذهنية للجماعات البشرية، وحيث يبدو أنّه ما من أحد يملك الحقيقة والمطلق، وأنّ الاختلافات ليست إلا منظورات نسبية، وإذ يسقط العلم الدقيق راية الوثوقية، ويُلقي بالانسانية قسرًا أمام جهلها، ما على الإنسان إلا أن يكون شجاعًا في مواجهته للايقين، والخوف المترتّب عنه.
إنّ إعلان موت الإله، وانهيار الفلسفات النسقية، والعقل، عند فريدرك نيتشه، لم يكن أكثر من إعلان عن انهيار للسرديات والبناءات التي أملاها الخوف من الجهل. وما الأسياد إذن في فلسفته إلا أولئك الشجعان الذين استطاعوا أن يعترفوا بالجهل ويواجهوا هذا الجهل. إنه هواء الأعالي كما يقول هو نفسه، حيث لا تصل ولا تصمد إلا القلّة القليلة، إنّه تفلسف يشبه تسلّق الجبال؛ وتسلّق الجبال من غير حبال هو أمر مُخيف كما هو مُفترض لدى الكائن البشري. إنّ انهيار الثوابت، يحتّم على المرء الارتماء في نهر هيراقليطس، حيث لا ثبات، وحيث لا مطلق. ولكن الصفاء وشجاعة الصدق العميق التي تدعو إليها فلسفة نيتشه، تكمن في البحث عمّا تحاول النفسيات والمجتمعات إخفاءه أو تلافيه وراء ما تبنيه من "حقائق". إنها رؤية أنثربولوجية لا يمكن إلا أن تتجاوز الإنسان، نحو إنسان أعلى، هو إنسان عَلَم بمخاوف ونقائص الإنسان الأوّل، وواجهها ثم تجاوزها. وقد يكون زمننا هذا هو أرذل عمر الإنسان الأوّل، ذلك الذي آثر وهمًا يحميه من قسوة الطبيعة ونوازع نفسه، ونقطة انتقال إلى إنسان يعترف بقسوتها ولامبالاتها، ولكنه إنسان محاولة الفهم، وليس إنسان الوهم، إنّه يهدم آثار الأوائل البائدة، ليبني مجدًا تليدًا قائمًا على الصدق تجاه الجهل.