هل سُلوك الإنسان وليد فكره؟
ما الكتاب الذي أشعل فتيل سراج المعرفة أوّل مرّة في حياتكَ، فتنبّهتَ فجأة، لذلك السراج المُنير الذي بدّد ظلمات الجهل، فأمسى سراجاً مُستنيراً وهادِياً/ يلوحُ كما لاحَ الصقيلُ المهنّدُ؟ قد تمنحنا بعض الإجابات الجيّدة فهماً معرفياً أوسع، وبالتالي كاشفاً ومضيئاً. ولعلّ أشهر عبارات المعرفة كانت للفيلسوف الفرنسيّ رينيه ديكارت، حين قال "أنا أفكر، إذن، أنا موجود".
قال بعضهم: أراد ديكارت التأكيد أنّ طبيعة تفكير الإنسان تؤثّر في طبيعة وجوده، وهي قريبة من قولنا سُلُوك الإنسان وليد فكره. وهذا يدفعنا لنسأل: ما الكتاب الذي صنع منك إنساناً عارفاً؟ وهل ما زالت الكتب والمكتبات تُسهم في صناعة المعارف البشريّة؟
تُمثّل هذه الأسئلة مرجعاً فكريّاً مُهمّاً للقارئ المُهتم بتاريخ الأفكار وتحوّلات الوعيّ الإنساني. فهي تُؤكّد أنّ الكتاب أداة قادرة على إحداث التنوير، وتُعزّز قيمة القراءة فعلاً مقاوماً، وتُرسّخ القناعة بأنّ الأفكار الجذرية تبدأ أحياناً من صفحات كتاب مشحونة برؤية جديدة للعالم. ولعلّ الفيلسوف الصيني لاوتسي ابن القرن الخامس قبل الميلاد يرشدنا إلى التفكير المُستقيم في هذا الباب، حيث يقول: راقب أفكارك لأنها ستصبح كلمات، راقب كلماتك لأنها ستصبح أفعالاً، راقب أفعالك لأنها ستتحوّل إلى عادات، راقب عاداتك لأنها تكوّن شخصيتك، وراقب شخصيتك لأنها ستحدّد مصيرك".
هل ما زالت الكتب والمكتبات تُسهم في صناعة المعارف البشريّة؟
من بين الكتب التي يقرأها الإنسان في حياته يبقى ذلك الكتاب الذي ترك أثراً في طريقة تفكيره، أو ترك ذاك الوشم العميق في روحه. وكنتُ مع حداثة سني قد بدأتُ في قراءة "رسالة الغفران" لأبي العلاء المعري، وهي النسخة التي حقّقتها الباحثة المصرية عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، حيث وجدتُ نسخة منها في المركز الثقافي العربي في مدينة إدلب في ثمانينيات القرن العشرين، فاستعرتها، واستغلق عليّ الكثير من معانيها، فقلتُ بيني وبين نفسي لعل زيارة لضريح جاري فيلسوف المعرّة في مدينة معرّة النعمان، قد تفكّ طلاسم المعاني وتُجلي عنها الغموض وتكشف لي هذا اللّيل المرخي سدوله على فكر فيلسوف فذّ كأبي العلاء المعرّي.
قلتُ لأبي، راشد بن عثمان دحنون، في أحد أيام الربيع المُشمسة، وكان قد اشترى موتوراً نارياً حديثاً، ماركة "يامها"، ياباني الصنع، يسير على الدروب كأنّه بساط الريح: "أريد زيارة ضريح فيلسوف المعرّة في معرّة النعمان، ونمرّ في طريقنا على ضريح عمر بن عبد العزيز في دير شرقي المجاور لمعرّة النعمان". وفي الحقيقة، كان قصدي مشاركة والدي في الحديث عن أبي العلاء المعرّي وأهل معرّة النعمان ومبانيها الأثرية، لأنّ أبي في الأصل نحّات حجر ومعمار، تعلّم الصنعة على أصولها في مدينة حلب عند آل جنزير في خمسينيات القرن العشرين. والحجر المنحوت في أبنية المدن المَنسية من جبل سمعان حتى تخوم معرّة النعمان يحكي حكايته من دون لسان. وقد أكّد الباحث والمؤرّخ الإدلبي الراحل، فايز قوصرة، وجود ما يقرب من ألف موقع أثري في محافظة إدلب، تعود لمختلف العهود، وأكثرها حضوراً من العهدين الروماني والبيزنطي.
تبدأ الأفكار الجذرية أحياناً من صفحات كتاب مشحونة برؤية جديدة للعالم
بين مدينة إدلب ومدينة معرّة النعمان مسافة ساعة بالحافلة، ولكن والدي الراحل (رحمه الله) مع موتوره الجديد كان ينهب الأرض نهباً، فوصلنا إلى معرّة النعمان في أربعين دقيقة. والخيل من الخيّال كما يُقال. على كلّ حال، كان الأثر جميلاً كما تكون الآثار جميلة. وقفتُ على ضريح شيخ المعرّة وفيلسوفها كما أمرنا الشاعر العراقي الكبير محمد مهدي الجواهري في مطلع قصيدته عن أبي العلاء المعرّي:
قِفْ بالمعرّة وامسح خدّها التّربا... واستوح من طوّق الدُّنيا بما وهبا
واستوح من طبّب الدُّنيا بحكمته... ومن على جُرحها من روحه سكبا
فهل أفلحت زيارة ضريح فيلسوف المعرّة تلك الأيّام الخوالي في فكّ طلاسم الكلمات من رسالة الغفران؟ صدقاً، لا أعرف، ولكن من حسناتها أنّها زادت اهتمامي بمؤلّفات فيلسوف المعرّة، فرحتُ أجمع من كتبه ما استطعت إليها سبيلاً، وأجمع ما كُتب عنه أيضاً، وهو كثير. ومن آخر المصادفات السعيدة أنني أهتديتُ إلى كتاب فرحان بلبل (لاحظ جمال الاسم فرحان بلبل)، المؤلّف والمخرِج المسرحيّ السوريّ المعروف ابن مدينة حمص "رسالة الغفران - صياغة مُعاصرة لنصّ أبي العلاء المعرّي" الصادر في طبعته الأولى عن دار ممدوح عدوان سنة 2019. يقول فرحان بلبل في تقديم الكتاب: "انطلاقاً من أمنية في أن يقرأ كلّ العرب ما يستطيعون من التراث القديم، رجعتُ إلى رسالة الغفران لأبي العلاء المعرّي لوضعها بين أيدي القرّاء عبر إعادة صياغتها، أي بشكل أساسي استبدلتُ الكلمات الغريبة البائدة بألفاظ عادية يفهمها القارئ، وقمت بإعادة صياغة بعض التراكيب والجمل". فرحتُ بما فعل فرحان بلبل بنصّ رسالة الغفران، وأثنيت عليه، وشكرتُ صنيعه، غفر الله له ولنا، وأسكنه فسيح جنانه في الذكرى الأولى لوفاته.