هل تعرف محافظ إدلب الوسيم؟

هل تعرف محافظ إدلب الوسيم؟

18 ديسمبر 2021
+ الخط -

معلم المدرسة الإدلبي، أبو أحمد، الذي حدثتكم عنه في بعض تدوينات "إمتاع ومؤانسة" السابقة، أصبح صديقي الروح للروح. بعدما انتهى من سرد وقائع رحلته العجيبة من إدلب إلى حماه، اقترح عليَّ أن نبقى على تواصل، وكان ذلك من دواعي سروري بالطبع.

حاولتُ، ذات مرة، أن أتصل به، فنصحني بألا أفعل، لأنه يعيش في المنطقة التي يحكمها الرجل الغريب الذي يمثل تنظيم القاعدة المدعو أبو محمد الجولاني، وقال إن الاتصالات عندهم - على قولة أهل معرتمصرين - (عقلها بياخد وبيعطي)، فمرة تنفد الوحدات التي تغذّي الواي فاي، ومرة ينفد شحن البطارية، وفي كثير من الأحيان تكون التغطية ضعيفة فلا يكاد صوت المتكلم يسمع.. وقال إنه عندما يجد الاتصال متيسراً يتصل بي هو، ويريحني من هذا العَيّ..

في كل اتصال يطرح عليَّ أبو أحمد فكرة، أو يحكي لي حكاية، وكلانا نستمتع بهذه الحكايات، لأننا نعرفها، أو عشناها، أو نفهمها بسرعة، باعتبار أن أبو أحمد ولد في مدينة إدلب وما يزال يعيش فيها حتى الآن، وأنا عشت فيها اثنتين وثلاثين سنة، من سنة 1980 إلى سنة 2012.

قال لي أبو أحمد في آخر اتصال:

- كنت سأسألك عن واحد كان محافظاً لإدلب في إحدى الفترات، أحاول منذ البارحة تذكر اسمه، دون جدوى.. وأنا حضرتُ احتفالاً في صالة الخنساء تحت رعايته، وما زلتُ أذكر شكله.. كان، على ما أذكر، وسيماً..

قلت له: انتظر. لا تكمل. أي محافظ وسيم هذا؟ أنا أعرفهم جميعاً. قبل سنة 1969 كان محافظ إدلب هو عبد الله الأحمر، وكان من الممكن أن يربض هذا الرجل على صدر محافظتنا كالجدار، لولا أن سحبه حافظ الأسد بعد نجاح انقلابه في سنة 1970 إلى دمشق، وعينَه في القيادة القطرية، فربض هناك حتى مات..

قال باستغراب: ما هذا الحكي؟ هل مات عبد الله الأحمر؟

قلت: حافظ الأسد هو الذي مات، وجاء ابنه المهزوز بشار، كما تعلم، في سنة 2000، واستلم الحكم مكانه، وقامت عليه ثورة في مارس 2011، ودمر البلد، وهجر نصف الشعب السوري، ويكاد بشار الأسد أن يموت، غير مأسوف عليه، بينما عبد الله الأحمر، ما شاء الله، صامد! وعلى علمي أنه لم يكن وسيماً ولا ما يحزنون.

قال أبو أحمد: والله صحيح. كان في القيادة القطرية.. بالمناسبة، أنا كنت، من زمان، أقرأ في جريدة البعث مقالات بتوقيع واحد اسمه "جهاد الأحمر". هل هو من أقارب عبد الله الأحمر؟

قلت: هو ابنه. وأنا أهنئك من كل قلبي لأنك كنت تستطيع أن تقرأ مقالات جهاد الأحمر، فالرجل، للأمانة، لا يتقن الكتابة، أو كما نقول بالعامية المعرتمصرينية (ما بيعرف يكتب ولا بيعرف يتشحَّر)، ولكن أبواب جريدة البعث كانت مفتوحة أمامه على مصاريعها. جهاد الأحمر، يا أخي أبو أحمد، كغيره من أبناء المسؤولين السوريين، يتمتع بثلاث صفات رئيسة مهمة، أولها أنه غني، لأن الخرجية التي يأخذها من والده لا يستهان بها، فراتب والده، بلا شك أعلى من رواتبنا نحن الناس الدراويش، بالإضافة إلى أجور الاستكتاب التي يقبضها من الجريدة، وثاني تلك الصفات الغباء وقلة الموهبة، وثالثها التكبر، يعني - يا سيدي ملا أنت - ابن مسؤول أزلي مثل عبد الله الأحمر، هل من المعقول أن يتواضع فيدخل إلى مبنى الجريدة، ويختلط بمن هب ودب من المحررين وعمال المطبعة والبوفيه؟ حتى المدير العام، الرائد الركن تركي صقر، لم يكن جهاد الأحمر مضطراً لأن يزوره..

-  معنى ذلك أنه كان يرسل مقالاته بالبريد.

- ولا هذه، لأن البريد قد يتأخر، وما أعلمه أن "جهاد" كان يرسل المقالة ضمن مغلف مع سائقه، والسائق يسلمها لعنصر الاستعلامات، وهذا بدوره يركض بها ركضة واحدة إلى أمانة القسم المختص، لتكون منشورة في اليوم التالي دون تردد أو تذمر.

وبعد عبد الله الأحمر، بعث لنا حافظُ الأسد محافظاً اسمه توفيق صالحة، وهو من جبل العرب (الأشمّ).. ويبدو أن هناك من زَيَّنَ لحافظ الأسد فكرة أن يكون محافظ إدلب، اعتباراً من هذا التاريخ، درزياً، لوجود بضع قرى في الشمال الغربي من معرتمصرين سكانها من الإخوة الدروز، وحافِظ اقتنع بالفكرة، وأصبح يرسل إلى إدلب محافظاً درزياً، مع العلم أن أهالي القرى الدرزية لم يستفيدوا من هذا الإجراء بشروى نقير، لأنهم أناس طيبون، وأعزاء النفوس ما كانوا مستعدين لتملق محافظ، وبقيت قراهم فقيرة مهملة على طول الخط.

قال أبو أحمد: كلامك، يا أبو مرداس، صحيح نسبياً، فقد جاء إلى إدلب، على علمي، محافظان غير درزيين، الأول هو وهيب فاضل من السلمية، والثاني عاطف النداف (مسيحي)، والباقي دروز.. وفي كل الأحوال المحافظ يمثل السلطة الإدارية، وسورية، كما نعلم كلانا، دولة مخابراتية عسكرية، ولذلك يكون كل من يتولى منصباً إدارياً شخصاً غير مهم، وهذا لا يشمل المحافظين وحسب، فحتى رئيس مجلس الوزراء لا يُعْتَبَرُ مهماً، بدليل أن محمود الزعبي عندما انتهت صلاحيته انتحر بمشطين من الرصاص.

قلت: صحيح. لنعد إلى توفيق صالحة. كان توفيق محظوظاً لأنه عُين في محافظتنا في فترة أحداث الإخوان المسلمين.

قال: أنا أعتبرها قلة حظ. ففترة الأحداث كانت مخيفة.

قلت: نعم، مخيفة، وخطيرة، ولكنها، في الوقت نفسه، فترة إثبات ولاء لحافظ الأسد وحكمه.. ومن هذا المنطلق، سارع توفيق صالحة إلى ارتكاب مجزرة في مدينة جسر الشغور، أكد لنا أصدقاؤنا الجسريون، فيما بعد، أن الذين قتلهم توفيق صالحة بالقرب من نهر العاصي، معظمهم سكرجية، لم يكن بينهم إخوانجي واحد، ولكن هذا، بالنسبة لحافظ الأسد، غير مهم، المهم عنده أن يَقتل أحدٌ ما أحداً ما لأجله.. لذلك سحبه إلى دمشق.. وعلى كل حال أنت، يا أبو أحمد، لا تقصد توفيق صالحة، فمن ناحية الوسامة أنا أراهنك على أنه لو أجريت مسابقة لملوك جمال المحافظات السورية كلها لاحتل هذا الرجل منصب الطشي دون منافسة تذكر. وهناك نكتة بذيئة رواها عنه مصطفى طلاس.. لا داعي لأن نذكرها هنا، لأنها تسيء لأهل إدلب أكثر مما تسيء لتوفيق صالحة.

قال أبو أحمد: يا سيدي الإنسان لا يعيبه شكله، بل تعيبه أخلاقه. المهم. أين صرنا؟

ضحكت وقلت له: أين صرنا؟ أم أين كنا؟

(وللحديث صلة)