هل تتحوّل أوروبا إلى كعكة تتقاسمها القوى العظمى؟

30 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:05 (توقيت القدس)
+ الخط -

لقرون عدّة، لم تكن أوروبا مجرد موضوع في التاريخ، بل كانت كاتبه وصانعه. فمن موانئ لشبونة ولندن ومرسيليا، انطلقت سفن لم تكن تستكشف العالم فحسب، بل تعيد تشكيله وفق مصالحها. لم تُرسَم حدود أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية في عواصمها، بل في غرف أوروبية مغلقة، إذ كان العالم يُختزل في خرائط، والثروات في دفاتر حسابات، والشعوب في خانة "مناطق النفوذ". كانت أوروبا الطاهي الذي يمسك بسكين القوة، يوزّع الكعكة الاستعمارية، يقتطع منها ما يشاء، ويترك الفتات لمن يشاء.

لكن التاريخ، حين يدور، لا يفعل ذلك بدافع عدالة شعرية، بل بمنطق القوة الصارم. واليوم يفرض الواقع الدولي سؤالاً صادماً كان حتى وقت قريب ضرباً من الخيال: هل تنقلب الموازين؟ وهل تتحول أوروبا من مُقسِّم للعالم إلى كعكة تُقسَّم على موائد القوى الجديدة؟

من مركز السيطرة إلى هامش القرار


بعد الحرب العالمية الثانية، خرجت أوروبا من تحت الأنقاض منهكة، لكنها لم تسقط بالكامل. فقد استبدلت إمبراطورياتها المنهارة بتحالفات استراتيجية، في مقدمتها تحالف شمال الأطلسي (الناتو) مع الولايات المتحدة. وكان حلف "الناتو" بمثابة صفقة تاريخية: تتخلّى أوروبا عن جزء جوهري من استقلالها الاستراتيجي وسيادتها العسكرية، مقابل مظلة حماية أميركية شاملة. كان ثمناً للأمان، لكنه أمان مرهون بإرادة واشنطن.

غير أنّ هذا التوازن الهش بدأ يتآكل سريعاً. فالولايات المتحدة، المنشغلة بصراع وجودي مع الصين وباستقطاب داخلي حاد، لم تعد تنظر إلى أوروبا أولويّةً مطلقة، بل بوصفها شريكاً يستهلك الموارد أكثر مما ينتج القوة. وتصاعد في الخطاب الأميركي، يميناً ويساراً، شعار "على أوروبا أن تدفع ثمن حمايتها بنفسها"، مع تلميحات متكرّرة إلى تقليص الالتزامات، إن لم يكن الانسحاب التدريجي من دور "الشرطي العالمي". ومع كل إشارة تراجع أميركي، تنكشف هشاشة أوروبا الاستراتيجية: قارة غنية بلا جيش موحّد، متحدة اقتصادياً لكنها منقسمة سياسياً، وعاجزة عن صياغة رؤية جيوسياسية مستقلة تتجاوز ردّات الفعل.

مع كل إشارة تراجع أميركي، تنكشف هشاشة أوروبا الاستراتيجية: قارة غنية بلا جيش موحّد، متحدة اقتصادياً لكنّها منقسمة سياسياً

روسيا: عودة الجغرافيا إلى الانتقام


في الشرق، لا تقف روسيا قوةً صاعدة بالمعنى الاقتصادي، بل قوة غاضبة تستدعي منطق التاريخ والجغرافيا للانتقام. فالحرب في أوكرانيا ليست نزاعاً حدودياً فحسب، بل زلزال يضرب أسس البنية الأمنية التي تشكلت بعد الحرب الباردة. إنّها صراع على تعريف "أوروبا" نفسها: هل هي فضاء أمني مغلق تقوده واشنطن ويتمدد شرقاً؟ أم ساحة مفتوحة لإعادة رسم خرائط النفوذ كما كانت دائماً؟

تدرك موسكو أن أوروبا ضعيفة وحدها، وقوية فقط بتحالفاتها. لذلك، فالصراع ليس مع كييف وحدها، بل مع فكرة "الأمن الأوروبي" برمتها. وكلما طال أمد الحرب، استُنزفت أوروبا اقتصادياً وسياسياً وأخلاقياً: مخزوناتها العسكرية تتآكل، ومجتمعاتها تتململ من التضخم، ووحدتها السياسية تتعرض لاختبارات قاسية، فيما تتعمق تبعيتها للطاقة والسلاح من الخارج. روسيا تراهن على الزمن، وعلى أن الشتاء الأوروبي ليس مجرد فصل، بل حالة استراتيجية.

الصين: القوة التي تجاوزت أوروبا بلا طلقة واحدة


في الوقت الذي تنشغل فيه أوروبا بأزماتها الوجودية وجدالاتها الداخلية، تجاوزتها الصين بهدوء. لم تعد بكين "مصنع العالم" الرخيص، بل قوة تكنولوجية ومالية واستراتيجية تضع معايير المستقبل. وبينما كانت بروكسل تناقش هويتها وقيمها، كانت الصين تبنّي "طريق الحرير"، وتستحوذ على موانئ استراتيجية في اليونان وإيطاليا، وتغزو الأسواق الأفريقية والأميركية اللاتينية، وتفرض نفسها قطباً لا يمكن تجاهله.

أوروبا، مهد الثورة الصناعية ومنطلق الحداثة، تجد نفسها اليوم في موقع المستهلك أكثر من المنتج، والسوق أكثر من القوة. أصبحت تابعة في سلاسل الإمداد الحيوية، من أشباه الموصلات إلى المعادن النادرة، ومتأخرة في سباق الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية. ولم تحتج الصين إلى غزو أوروبا عسكرياً لفرض نفوذها؛ فعلت ذلك عبر الاقتصاد والتكنولوجيا، وهو ما لم تدركه القارة العجوز إلّا متأخرة.

لم تحتج الصين إلى غزو أوروبا عسكرياً لفرض نفوذها؛ فعلت ذلك عبر الاقتصاد والتكنولوجيا، وهو ما لم تدركه القارة العجوز إلّا متأخرة

البعد الفلسفي: حين تُهزم القيم من الداخل


غير أن التراجع الأوروبي ليس جيوسياسياً واقتصادياً فحسب، بل أعمق من ذلك: إنه تآكل حضاري. فقد بُني المشروع الأوروبي الحديث على ثلاثية العقلانية وأخلاقيات العمل والانضباط المجتمعي، قبل أن يتحول تدريجياً إلى تقديس الرفاه المادي والفردانية المطلقة، وتفكيك المعنى الجماعي.

تحولت الحرية من قيمة مسؤولة تُمارَس ضمن عقد اجتماعي، إلى حق فردي مطلق بلا واجبات. وتحوّل الإنسان من مواطن فاعل إلى كائن استهلاكي تُقاس قيمته بقدرته على الشراء. وتفككت القيم الجامعة – كالأسرة والدين والوطن – لتصبح ساحة صراع هويّاتي لا ينتهي. هذا الانقسام القيمي أضعف التماسك الداخلي، وخلق مجتمعات مرهقة تعاني فائضاً في الحقوق ونقصاً حاداً في الغاية. فالحضارات لا تسقط حين تُهزم عسكرياً فحسب، بل حين تفقد إيمانها بذاتها.

من مستعمر إلى كعكة؟


حين كانت أوروبا قوية، قسّمت العالم باسم "نشر التمدين". واليوم، وهي أضعف، قد تُقسَّم مناطق نفوذها باسم "ضمان الأمن" و"تحقيق الاستقرار". اللاعبون تغيّروا، لكن المنطق واحد: من لا يملك القوة لفرض إرادته، يصبح موضوعاً لإرادة الآخرين.

السؤال الحقيقي، إذن، ليس: هل تصبح أوروبا الكعكة الجديدة للقوى العظمى؟ بل: هل تمتلك الشجاعة والرؤية لإعادة بناء ذاتها أخلاقياً واستراتيجياً، وتوحيد إرادتها، قبل أن يُعاد رسم مصيرها على موائد الآخرين؟
فالتاريخ لا يرحم المتردّدين، والكعكة… لا تسأل أبداً من كان يوماً هو الطاهي.

دلالات