نيالك يا رفعت الأسد
مات البارحة رفعت الأسد، عن 88 عاماً في دبي. وقبل أن يموت خسر الكثير من الأشياء، ولكن ربّما كانت أهم خساراته خسارة لقب صاحب الرقم القياسي في عدد من قتل من السوريين، 40 ألف قتيل في مجزرة حماة الشهيرة، بقي مُحتفظاً بالصدارة سنوات طويلة، قبل أن يفقدها في 2011. ورغم أنّ الصدارة بقيت ضمن العائلة، فإنّ سمعة رفعت بين الجزارين السوريين تدهورت بسرعة، وسرعان ما خرج من دائرة التصنيف لمصلحة ابن أخيه، ثم قادة مليشيات ورؤساء فروع أمنية وسجانين وأمراء وغير ذلك من القتلة الذين مرّوا على هذه البلاد في عقدها الأخير، 40 ألف قتيل، في أكثر التقديرات، بات رقماً هامشياً لشخص كان في مثل منصبه.
المشكلة الآن ليست في موته، بل في محاولة البعض جعل هذا الموت انتصاراً، يا أخي نحن نعشق صناعة الانتصارات بطريقة مزعجة، فموته أصبح "انتصاراً للعدالة الإلهية"، والبعض الآخر رأى أنه "مات ذليلاً منفياً في الخارج"، فيما هلّل البعض مُعلناً: "بقيت حماة ومات رفعت".. يا سلام!
قبل أن أناقش موته دعوني أناقش حياته، عاش 88 سنة، ومتوسّط عمر السوري قبل الحرب كان قرابة 73 سنة بحسب أرقام البنك الدولي، أما بعدها فقد انخفض هذا الرقم 10 سنوات، يعني ابن المحظوظة عاش أكثر ممّا هو متوقّع من السوري بـ25 سنة. ماذا كنتم تنتظرون أكثر بالله عليكم؟ أن يخلّد؟
عاش رفعت الأسد أكثر ممّا هو متوقّع من السوري بـ25 سنة
ودعنا نتّفق على أنّ موته ليس تحقّقاً للعدالة الإلهية، هو خطوة تقرّبه من الوقوف أمامها بعد أن نجح في الخلاص من العدالة السورية ثم الإسبانية ثم الفرنسية.
وفوق كلّ ذلك، يقولون لك إنّه مات بعد صراع طويل مع المرض، أطول صراع يعيشه السوري العادي مع المرض في بلد مُتدهور غذائياً وطبياً قد يمتدّ لأشهر قليلة قبل أن يموت، أمّا رفعت هذا فاستمر صراعه معه "سنوات طويلة"، سئم فيها المرض منه، ولعله أيقن بالخسارة قبل أن يأتيه مدد في نهاية المطاف من الإنفلونزا، فينجحان في حسم النتيجة أخيراً.
"ذليلاً منفياً في الخارج".. بالله عليكم؟ هذه الجملة تقولونها لعائلة تموت في خيمة على الحدود، لشاب يبتلعه البحر وهو يحاول الهروب من هذه الأرض، لعائلة يفتك بها تجار البشر ويتركونها تصارع الموت على رمال الصحراء الكبرى مع بقايا سراب حلم الوصول إلى أوروبا، ولكنها بالتأكيد لا تُقال لرفعت، رفعت مات في دبي، دبي وليس في مخيم للاجئين، مات مُحاطاً بأولاده وأحفاده، على سرير مريح وأغطية بيضاء نظيفة، وفريق طبي يُحيط به، وممرّضة جميلة تبتسم له ابتسامة مُصطنعة، محاولة إقناعه بعدم التشبّث بتلابيب روحه أكثر.
هذا الموت الباذخ لا نعرفه نحن -معشر السوريين- نحن نموت، عادةً، بحوادث السير على طُرقاتنا المُتهالكة، أو بعد صراع خاطف مع المرض سرعان ما ينتهي في الجولة الأولى لعدم التكافؤ، أو كمداً وهو أسلوب خاص بالآباء والأمهات والمُغتربين في الخارج، ولكننا نموت أكثر ما نموت بأسلوب مُختلف، نحن نختفي.. هكذا ببساطة، نختفي من دون أثر، نختفي في المقابر الجماعية، وفي المعتقلات، وفي غرف التعذيب.. نختفي كأنّنا لم نكن، ورغم أنّ الفيزياء تؤكّد أنّ الاختفاء بهذا الشكل مُستحيل علمياً؛ فإنّه ممكن سورياً، مئات آلاف السوريين اختفوا في معتقلات هي أشبه ما تكون بثقوب سوداء، ابتلعتهم طوال سنوات، ولم يستطع الإفلات منها إلا بضع ذكريات تعيش في قلوب أمهات سرعان ما ستقتلهنّ كمداً هنّ أيضاً.
موته هذا هو نجاة أخرى، فرار آخر من الوقوف أمام عائلات الضحايا
البعض كان محظوظاً حين حصل على ورقة من السجلات المدنية تثبت أنّ ابنه المُعتقل مات، ولكن هذه الورقة تغدو ترفاً أيضاً عند آخرين، كأمي مثلاً، التي عرفت من سجناء آخرين أنّ ابنها قُتل في سجن أحد الفصائل، ومثلها عشرات آلاف الأمهات الأخريات من اللواتي اختفى أولادهن من دون أثر.
لا ينبغي لإنسان أن يختفي هكذا، عليه أن يترك جثّة على الأقل، جثة يزورها أحبّته، يتذكرونه عند قبره، يتركون له عليه دمعة وعرق ريحان أخضر.
أمام واقع موتنا السوري، يبدو الحديث عن "عدالة" في موت رفعت الأسد مُستفزّاً، مُزعجاً، مُهيناً لذكرى الضحايا، ومشاعر أهلهم. موته هذا هو نجاة أخرى، فرار آخر من الوقوف أمام عائلات الضحايا.
أحسد رفعت الأسد على موته الباذخ هذا، وأتمنى حقاً أن أموت بين أولادي وأحفادي على سرير نظيف، لا في خيمة مهترئة أو زنزانة رطبة، وبين يدي ممرضة جميلة ترسم على وجهها الكاذب ابتسامة واجب لتكون آخر ما أشاهده وأسمعه في هذه الدنيا، لا قهقهة سجان سعيد بإضافة رقم جديد إلى سجله القياسي!