نهضة الكرة المغربية: رحلة من عصر الظلام إلى العصر الذهبي

11 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:09 (توقيت القدس)
+ الخط -

كان المنتخب المغربي يعيش لسنوات طويلة بين بريق الانتصارات وفجوة الهزائم، كأنما هو فريق مرآة مزدوجة: يهزم خصومًا أفريقيين كبارًا ويُظهر قوته وصلابته، ثم يفاجئ الجميع بالسقوط والهزيمة أمام أضعف الفرق الأفريقية، مثل خسارته أمام منتخب بنين في كأس أفريقيا 2019، التي لا أصفها أنها مجرد نتيجة سيئة، إنما كانت تجسيدًا لعقدة "المباريات السهلة" التي رافقته لعقود. قبلها، خسر المغرب مباريات مشابهة أمام منتخبات مثل موزامبيق وأنغولا وغامبيا.. كأن التاريخ يضع أمامه مرآة، يواجه فيها خوفه كلما ظن أنه تجاوز العقبات.

ورغم أن المغرب ينتمي إلى الساحة الأفريقية، والتي تُعدّ من بين الكُرات الأقوى عالميًّا، حيث تُختبر القوة ليس بالمواهب وحدها، إنما بالعزيمة والصمود واللعب تحت ضغط جماهيري وأمام بنيات جسدية هائلة، كان الفريق يفتقد شيئًا أساسيًّا وهو: عقلية الانتصار المستمرة! وفي الوقت نفسه، كانت صدمة "الاحتراف الأوروبي" تقف كالمرآة الصارمة أمام اللاعبين المغاربة: جسد محترف في أوروبا، وروح تتلمس أرضًا وطنية لم تتأقلم بعد مع الانضباط، فبدت شخصية المنتخب كمن يعيش بين عالمين، بلا جسر يجمعهما!

وفي قلب هذا التيه، برز وليد الركراكي مدربًا يحمل رؤية وعقلية متقدمة في آن واحد. قبل أن يغيّر الخطط، غيّر اللغة التي يتحدث بها اللاعبون إلى أنفسهم، وأعاد صياغة نظرتهم إلى الذات، وأدخل إلى غرف الملابس فكرة عميقة: "الاحترام لا يُطلب.. بل يُنتزع." وقد تمكن أيضًا من قيادة عقل المنتخب والجمهور معًا في تجانس وتناغم كبير بينهما، مخترقًا عقولهم ومهندسًا طريقة تفكيرهم ورؤيتهم للذات، ليصبح كل لاعب وجمهور شريكًا في بناء الثقة والهوية. وعندما اندمجت هذه العقلية مع المؤسسات، وفي مقدمتها مركز محمد السادس لكرة القدم، الذي صمّم اللاعب كما يُصمم مشروع طويل الأجل، عندها انتقل المغرب من عصر الظلام الكروي إلى عصره الذهبي، فالتقت العقلية الجديدة البنيةَ الجديدة وكانت نقطة التحول التي غيّرت المسار بأكمله!

ومن هذه البنية، وُلد أسلوب مغربي جديد؛ أسلوب يتكلم لغة الهندسة على مستطيل العشب. لم يعد الأمر مجرد تمريرات، حتى غدت أشكالًا هندسية تتغير كل ثانية. ففي مونديال قطر 2022، بدا المنتخب كمن يرسم خريطة على الهواء: مثلثات تنفتح في أقل من نبضة قلب، ومربعات متداخلة تُحاصر الخصم، وخطوطاً دفاعية مستقيمة شبيهة بالمسطرة، وزوايا حادة تنفلت منها تمريرات تُرْبِك أكثر المنتخبات العالمية انضباطًا! ففي مباراة بلجيكا، بدا الفريق كأنه شبكة تتحرك، خطوط تتقاطع بلا ارتباك. وفي مباراة إسبانيا، كانت التراتبية الدفاعية مُتقنة، تمنع أي اختراق. وحتى أمام البرتغال، ظهرت التراتبية الدقيقة التي تلتقي فيها القوة بالهدوء، والعقل بالجرأة، لتُشكل لوحة فنية حية على الملعب.

ومع الهندسة جاءت نهضة العقلية والمفاهيم. فقد أعاد الركراكي تصحيح المفاهيم المعقدة التي كانت قائمة: أزال من القاموس فكرة أن اللاعب المغربي المحلي أقل من زميله المغربي الأوروبي، وأن التاريخ يُكتب ضد المغرب وليس معه، وأن احترام الخصوم يعني الخوف منهم. فجأة، أصبح اللاعب المغربي يقف أمام الكبار كأنه يقف أمام مرآته: بصدق، بثقة، بلا ارتجاف وبلا مبالغة. تحولت تلك الثقة إلى هوية جديدة داخل الملعب، لا تعتمد على النَّفَس ولا على الحماس فقط، بل على يقين داخلي هادئ، لسان حاله يقول: "نحن نستطيع.. لأننا تغيّرنا"!

ومع هذا التغيير، بدأ المنتخب يُرسل إشارات حضارية إلى العالم، من خلال السلوك وليست من الشعارات، فقد شاهد العالم في مونديال قطر عائلة اللاعب المغربي قبل اللاعب، القُبلة على رأس الأم، السجود بعد الهدف، الروابط الإنسانية الصادقة.. ولعل قصة الشاب الإنكليزي الذي ترك وراءه حضارة كاملة ليختار المغرب وطنًا روحيًّا له، ثم أعلن إسلامه متأثرًا بما رآه من قيم في المنتخب، دليل على أن المغرب لم يعد يُقدم كرة القدم فقط، بل يُقدم روحًا؛ يُقدم نسخة من الإنسان المغربي حين يكون أنظف ما فيه ظاهرًا أمام العالم.

لكن الامتحان الأكبر ليس في كرة القدم وحدها. إن ما حدث داخل المستطيل الأخضر يُشبه نموذجًا أوليًّا لما يمكن أن يحدث في قطاعات أخرى. فإذا استطاعت مؤسسة واحدة (كمركز محمد السادس) أن تُغيّر مستقبل الرياضة، فماذا لو غيّرت المؤسسات التعليمية فلسفتها؟ ماذا لو أعادت المستشفيات بناء علاقتها بالمواطن؟ ماذا لو أعادت الإدارة تعريف وظيفتها؟ إن النهضة لا تُصنع بقرارات تقنية فقط، إنما تُصنع بتغيير الفلسفة أولًا: فلسفة العمل، فلسفة فهم الإنسان، فلسفة المسؤولية المشتركة.. فحين يتغير الفكر، تتغير الأدوات، وحين تتغير الأدوات يتغير الواقع كله! فلا شك أن ما تحتاج إليه القطاعات الأخرى لا يختلف إطلاقًا عما فعله المنتخب: إعادة بناء العقل قبل المهارة، والهوية قبل الأداء، وتنظيف الفكرة قبل إصلاح السلوك.

ومع اقتراب المغرب من تنظيم كأس أفريقيا، ثم كأس العالم، يتضح أن النهضة الكروية ليست لحظة عابرة، إنما هي مقدمة لاقتصاد جديد سيُبنى حول الرياضة، وسياحة ستتحرك، واستثمارات ستكبر، وصورة للبلد ستتسع في العالم. لكن الأهم ليس ما سيحدث في الملاعب، بل ما سيحدث خارجها.. في المدارس، في الجامعات، في إدارات الدولة، في الشوارع، في عقل الإنسان المغربي حين يُدرك أنه يحمل في داخله كل مقومات النهوض.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يُطرح: ماذا لو التقت العقول المغربية القوية التي تجوب العالم، بالعزائم المغربية التي تنبض في الداخل، والتحمت بالمؤسسات كما التحمت في تجربة كرة القدم؟ ماذا لو حدث هذا في التعليم، في الطب، في التكنولوجيا، في الإدارة؟ كيف سيصبح المغرب إذا تغيرت الفلسفة، وتغيرت معها الرؤية، وتحولت الثقة من شعور عابر إلى مشروع دائم؟ عندها.. لن يُشبه المستقبل ما رأيناه في الملاعب، بل سيُشبه كل ما كنا نحلم أن يكون عليه المغرب.

ريهام أزضوض
ريهام أزضوض
كاتبة وباحثة في قضايا النهضة، خريجة من جامعة أسكودار في قسم الاعلام الجديد والاتصال في اسطنبول بتركيا، درَستْ القانون في جامعة محمد الأول في المغرب، تقنية وخبيرة في التجميل الطبي للعناية بالبشرة والشعر. تعرف نفسها، بالقول: "اصبر ثم اصبر حتى يتغنى الصبر بك".